مش هندفعلك حصري لصفحة روايات رولا
”هندفلك 70 جنيه في الساعة.”
الموضوع مبقاش يبان كأنها بنت بتزور محل عيلتها.
بقى واضح وصريح: شغالة وهما قرروا ياكلوا عليها حقها.
وكل دا مكنش الأوحش لسه.
الشكوى الجماعية بتاعة العمال مشيت في طريقها هي كمان.
مارينا كانت بتعرفني الأخبار أول بأول.
اتنين من العمال القدامى قدموا سكرين شوتس بمواعيدهم.
طباخة كانت شايالة صور لكشوفات الحضور والانصراف.
وموظف تاني كان معاه شات وهو بيطالب بساعاته اللي طارت.
كل واحد كان عنده حكاية مختلفة، بس كلها بتأكد على طريقة واحدة في التعامل:
شغّل أكتر.
سجّل أقل.
واضغط على اللي يفتح بقه.
داليا بدأت تخسر العمال بتوعها.
اتنين سابوا الشغل في نفس الوقت.
وبعدها ثلاثة كمان.
والأخبار بدأت تتسرب بين الزباين.
مش بسبب حملة أنا عملتها.
أنا وقفت كتابة ومبتكلمش خلاص.
مكنتش محتاجة أقنع حد.
الورق والإثباتات كانت بتتكلم لوحدها.
في يوم أسبوع، خالتي سميرة كلمتني.
— يا فريدة، عايزة أسألك على حاجة.
— قولي يا خالتي.
— انتِ كنتِ تعرفي إن مامتك وباباكي أخدوا فلوس بضمان الشقة؟
— هما قالولي.
— وعارفة إنهم أخدوا قرض تاني بعده؟
فتكرت وش داليا قدام أكاديمية الرقص.
— لأ.
خالتي اتنهدت.
— القرض دا كان عشان يدفعوا للموردين والمرتبات التأخرة.
سكت خالص.
دا بقى “القرض التاني” اللي كانوا مخبيينه.
المشروع كان واقع وفي أزمة مالية من قبل ما كاميليا تطالب بمرتبها اصلاً.
من قبلها بكتير.
الشكوى مخلقتش الأزمة.
الشكوى بس نورت النور عليها.
على كلام خالتي، بقالهم شهور بابا وماما بيدفعوا فلوس من جيبهم عشان المطعم يفضل مفتوح.
وداليا لسه بتقولهم: “محتاجين شوية وقت بس”.
جددوا الديون.
وحطوا الشقة ضمان.
وبرغم كل دا أمي قررت توفر الفلوس من الموظفين اللي شغالين هناك.
بما فيهم حفيدتها!
لأول مرة فهمت حجم اندفاعهم ورعبهم.
دا مبررش اللي عملوه.
بس فسرلي حاجات كتير.
كانوا محتاجين كاميليا تعترف إنها كانت شغال ببلاش، عشان لو حولوا الشغل لـ “مساعدة عائلية”، ذنبهم يختفي.
وكانوا محتاجين العمال يسكتوا لأن كل شكوى كانت شرخ جديد.
وكانوا محتاجين أطلع أنا الشريرة لأن اعترافهم بالحقيقة معناه اعترافهم إن المطعم قائم على الديون، الخوف، واستغلال الناس.
بعد أربع شهور، جه القرار الرسمي بخصوص حق كاميليا.
كان ليها حق تاخد المبلغ الكامل على الساعات اللي اشتغلتها.
لما الفلوس نزلت في حسابها أخيرًا، كنا بنفطر.
كاميليا بصت للموبايل كذا مرة.
— ماما.
— ايه يا حبيبتي؟
لفت الشاشة ناحيتي.
— هي دي بتاعتي بجد؟
بصيت على الرقم.
— اه.
— بجد يعني؟
— بجد.
كنت مستنية أشوفها بتنط من الفرحة.
بس ماملتش كده.
فضلت باصة للرقم واتنهدت تنهيدة طويلة أوي من قلبها خلتني هعيط.
وبعدين ابتسمت.
— يبقى تعبي مكنش ببلاش.
ساعتها فهمت حاجة.
أنا عمري ما حاربت عشان العشرة آلاف جنيه.
أنا حاربت عشان الجملة دي بالذات.
عشان أمنع بنتي إنها تتعلم إن لما حد أكبر منها يظلمها ويتريق عليها، لازم توطي رأسها وتسكت.
كاميليا حولت جزء من الفلوس لتحويشة رحلة عيد ميلادها الـ15.
والباقي قررت تشيله.
— مش عايزة أصرفه كله —قالتلي—. أنا تعبت أوي عقبال ما جيبته.
— حرفياً يعني.
ضحكت.
دي كانت ضحكة صغيرة.
بس بقالي شهور مسمعتهاش بتضحك كده وهي بتتكلم عن موضوع المطعم.
بابا وماما مكلمونيش عشان يعتذروا.
ولا داليا.
لكن في أقارب حاولوا يتدخلوا.
— مامتك بتقول إنها دفعت خلاص، مش كفاية بقى ونعدي الصفحة؟
ردي كان بسيط جداً:
— إنك تدفع الفلوس بعد الشكوى والبلاغ مش بيمسح اللي عملتوه قبلها.
أمي كانت عايزة ترجع تشوف كاميليا تاني.
تطلب تقابلها.
وتبعث رسايل.
وتقول إني “بقطع صلة الرحم وبفرق العيلة”.
بس أنا افتكرت اللي حصل قدام الأكاديمية.
افتكرت اثنين ستات كبار محاوطين بنت صغيرة وبيحاولوا يقنعوها إن ديون جدها وجدتها خطأها هي.
لأ.
مش هكرر الغلطة دي تاني.
عدى ست شهور من غير أي تواصل.
المطعم فضل مفتوح لفترة، بس عمره ما رجع استقر.
كل ما حد من العمال يمشي، الشغل بيبقى أصعب.
الموردين بدأوا يطلبوا فلوسهم كاش فوراً.
الريفيوهات ساءت جداً.
والزباين اللي كانوا عارفين العمال القدامى بطلوا يجوا.
مفيش مشهد سينمائي والمطعم بيتقفل بالجمعية وداليا بتعيط.
الحقيقة كانت أهدى من كده بكتير… وأقسى.
المطعم كان بيموت بالبطيء.
في الأول قللوا ساعات الشغل.
بعدها شالوا أيام.
وبعدين قفلوا مؤقتاً “عشان الصيانة”.
وعمرهم ما فتحوا تاني.
بعد سنة تقريباً من يوم ما كاميليا جت البيت بتعيط، خالتي سميرة كلمتني تاني.
— بايعوا الشقة.
سكت تماماً.
دي الشقة اللي اتولدت وكبرت فيها.
الريسبشن اللي احتفلنا فيه بأعياد ميلادنا.
المطبخ اللي أمي كانت بتقولي فيه إن داليا محتاجة مساعدة اكتر مني.
الأوضة اللي اتعلمت فيها، من غير ما حد يقولها بصريح العبارة، إن في ناس في العيلة من حقها تطلب وتشرط، وناس ثانية لازم تتأقلم.
زعلت.
أكيد زعلت.
بس ما حسيتش بالذنب.
— هما كويسين؟ —سألت.
— رايحين يقعدوا في شقة إيجار. الفلوس سدت جزء كبير من الديون.
وبعدين خالتي كملت:
— مامتك لسه بتقول إن كل دا بدأ بسبب الشكوى بتاعتك.
غمضت عيني.
— لأ. دا بدأ لما أخدوا قروض عشان يسندوا مشروع ميت أصلاً.
— عارفة.
— واستمر لما قرروا إن دفع مرتبات الناس دا شيء اختياري.
بالليل كاميليا سمعت جزء من المكالمة.
— هي تيتا باعت شقتها؟
— اه.
وشها اتغير.
— عشان موضوع المطعم؟
— عشان القرارات المالية اللي أخدوها مع المطعم.
فضلت تفكر.
— هو إحنا زودناها وجينا عليهم قوي؟
السؤال دا رجعني لأول ليلة.
نفس البنت اللي جت مقتنعة إنها عملت حاجة غلط، لسه بتدور على طريقة تشيل بيها قرارات الكبار.
قعدت جنبها.
— إحنا قلنا الحقيقة بس.
— بس كل حاجة اتخربت.
— لأ يا كاميليا. إحنا مخربناش مشروع ناجح. إحنا مخترعناش ديون من دماغنا. إحنا متسببناش في عدم دفع مرتبات العمال. إحنا ما أجبرناش حد يرهن شقته. إحنا بس بطلنا نغطي على غلطات وقرارات غيرنا.
وطت رأسها.
— أنا ساعات لسه بفتكر طريقة ضحكهم وتريقتهم عليا.
— وأنا كمان.
— بحس إن دا كان أوحش من الفلوس نفسها.
— صح.
سكتنا شوية.
— بس دلوقتي مبقتش بحس بالعار ولا الكسرة.
بصيتلها.
— حاسة بـ ايه؟
فكرت شوية.
— حاسة بقوة وعزة نفس.
— يعني ايه قوة وعزة نفس؟
ابتسمت.
— يعني لو حد حاول يعمل معايا كده تاني في يوم من الأيام، هبقى عارفة إني أقدر أقول “لأ”.
الرد دا كان يسوى عندي أضعاف المبلغ اللي أخدته.
لسنين طويلة كنت فاكرة إن إني أحط حدود هيخرب العيلة.
دا اللي اتعلمته وتربيت عليه.
إنك تقول “لأ” دا أنانية.
إنك متديش فلوس دي خيانة.
إنك متساعدش داليا دا غل وحسد.
وإنك تدافع عن بنتك دا “عمل مشاكل”.
بس بعد كده فهمت حاجة كان نفسي أفهمها من زمان:
العيلة مش بتتفكك عشان حد حط حدود.
هي بتتفكك لما الكل يعتمد على إن في شخص واحد هيفضل ساكت وبيستحمل في صمت.
النهارده كاميليا كويسة جداً.
لسه بتمارس الرقص.
ولسه بتحوش.
ولما بتتكلم عن أول شغلانة ليها، مبقتش تحكي القصة بكسرة.
بتقول:
— دي الشغلانة اللي اتعلمت فيها إن الوعد لازم يتحقق، حتى لو كان من أقرب الناس ليك.
بابا وماما عايشين في مكان تاني.
وداليا نزلت اشتغلت بعد ما المطعم قفل.
مش عارفة إذا كنا هنرجع نكلم بعض تاني في يوم من الأيام ولا لأ.
يمكن اه.
يمكن لأ.
بس لو دا حصل، مش هيبقى بالقواعد القديمة.
مش هطلب من بنتي تاني إنها تستحمل ظلم عشان ترضي كبار معملوش حساب لمشاعرها ولا حقها.
لأن في اليوم دا، أمي افتكرت إنها تقدر تقول لبنت عندها 15 سنة:
”مش هندفعلِك ولا مليم، وريني هتعملي ايه؟”
وأخدت رد عمرها ما كانت تتوقعه.
كاميليا مكنتش محتاجة تزعق.
ولا أنا.
إحنا بس حفظنا الرسائل.
قلنا الحقيقة.
وسيبنا كل واحد يشيل، لأول مرة، نتيجة قراراته بنفسه.
ساعات بسأل نفسي ايه اللي كان هيحصل لو كنت أقنعت كاميليا في الليلة دي إنها تعدي الموضوع “عشان دول أهلنا”.
غالباً المطعم كان هيستمر شوية كمان.
بابا وماما كانوا هيفضلوا فاكرين إنهم يقدروا يشتروا سكوتنا بالذنب.
داليا كانت هتفضل حاسة إن محدش يقدر يحاسبها.
وبنتي كانت هتتعلم إن لما حد بتحبه يهينك، لازم تبتسم عشان متعملش مشاكل.
دا كان التمن الحقيقي.
وكان أغلى بكتير جداً من عشرة آلاف جنيه.
عشان كده، لما حد بيسألني إذا كان الموضوع يستاهل إني أخسر أمي وأختي عشان “مرتب”، براد دايماً بنفس الرد:
أنا مخسرتش عيلتي عشان فلوس.
أنا اخترت بنتي لما عيلتي قررت إن كرامتها وحقها شيء ينفع يتأكل ويتسابق عليه.
ودي خطوة وقرار مستعدة أختاره في كل مرة.