اول عيد ميلاد حصري لصفحة روايات رولا
— استحملي معلش يا هدى.. أمي طباعها صعبة شوية بس قلبها أبيض.
الجملة دي كانت السجن اللي عشت جواه عشرين سنة كاملة: “استحملي معلش”.
وبعدها جيه إسلام. وبقى معايا طفلين، وأنا بلف حولين نفسي بين بيتنا وبيتها. حسام دايماً مشغول، عنده شغل، أو نازل يقابل صحابه في القهوة، أو عنده ارتباطات. ولما كنت أترجاه يدافع عني أو يقول كلمة يطيب بيها خاطري، كان يتأفف ويقولي:
— متدمجينيش في المشاكل دي.. متعدنيش بينكم!
بس أنا مكنتش بحطه بيننا ولا حاجة.. هو اللي اختار يرفع إيده ويسيبني للفرم.
اللي كان بيموتني بالبطيء، هو كلام الحجة كثرية قدام عيالي لما كبروا شوية:
— يا رب تطلعوا شاطرين وذكياء لأبوكم.. إنما أمكم أخركم تتعلموا منها الطاعة وتسمعوا الكلام وبس.
مريم، وهي عندها تسع سنين، كانت تبصلي بالراحة ودمعتها في عينها لما تسمع كلام ستها. وإسلام كان بيقفل إيده جامد ويجز على سنانه تحت الترابيزة.
وكنت ببتسم لهم عشان أطمنهم وما أوجعش قلوبهم.
وكل مرة كنت ببتسم فيها، كنت ببيع حتة من نفسي وبخون نفسي أكتر.
عدت عشرين سنة. العيال كبروا، وأنا كمان كبرت، بس كنت بحس إن روحي بتقل وبتنكمش. لما مريم تخرجت من كلية الهندسة، وإسلام استلم أول شغلانة ليه، فكرت لأول مرة إن الحجج خلصت، وإن خلاص مفيش حاجة تربطني بالعذاب ده.
وفجأة، جيه حسام في ليلة، قعد قدامي في الصالة وقال بمنتهى البساطة:
— أنا عرفت واحدة تانية.
لا دمعت عينه، ولا قال سامحيني، ولا حتى بَصّ في الأرض.
شرحلي إنه بقاله سنين ماشيلو مع واحدة أصغر منه اسمها ياسمين، وإنها حامل منه في الشهر التالت.
— أنا عاوز أبدأ من جديد.. ومن حقي أعيش يومين نضاف وأفرح.
بصيتله وحسيت إن في حاجة جوايا—حاجة فضلت متحملة وضغطة على نفسها سنين طويلة—اتكسرت من غير ما تعمل أي صوت.
— وأنا كنت بعمل إيه كل السنين دي يا حسام؟ كنت بلعب؟
— أنا مش جاي أتناهد وأتخانق.
— ولا أنا.. أنا بس عاوزة اعرف العيال يعرفوا باللي أنت عملته ده؟
— لا.
— كويس.. طلع عندك حياء كفاية إنك تخبي عنهم الوساخة دي.
قام وقف وهو متضايق وزعق:
— أنتِ طول عمرك نكدية وبتحبي تعملي من الحبة قبة ومأساة!
في نفس الليلة دي، نزلت وركبت وسيلة مواصلات ورحت لحد بيت الحجة كثرية. لحد اللحظة دي، كان في جزء عبيط ومكسور جوايا مستني منها كلمة واحدة تقولي فيها: “معلش يا بنتي.. حقك عليا”.