توفي جوزي حصري لصفحة روايات رولا
حصري لصفحة روايات رولا
زوجي اتوفى قبل ما يشوف بنتنا بـ 19 يوم بس. كان كل أمله وأمنيته الأخيرة إنه يتبرع بأعضائه بعد وفاته. وأنا طالعة من المستشفى الدنيا ضلمة في وشي ومكسورة، لقيت الدكتور اللي كان بيعالجه بيجري ورايا في الطرقة وحط في إيدي ظرف مقفول وقال لي: “جوزك خاني حلفان ومسّكني عهد إني مادلّكيش الظرف ده أبدًا وهو لسة فيه الروح.” ساعتها بس فهمت السر ورا جلساته الطويلة مع الدكتور لوحده للأسابيع اللي فاتت كلها.
الجزء الأول
زوجي اتوفى قبل ما بنتنا تنور الدنيا بـ 19 يوم.
كنت فاكرة إن أصعب لحظة في حياتي هي لحظة خروجي من المستشفى من غيره.
بس طلعت غلطانة… غلطانة أوي.
ما كدتش أخلص توقيع الأوراق الأخيرة الخاصة بقراره إنه يتبرع بأعضائه، ولسة بلم حاجته، لقيت الطبيب اللي كان متبع حالته آخر كام شهر بيجري ورايا في الطرقة.
— يا مدام ندى، استني يا مدام ندى!
وقفت في نص الطرقة مش قادرة أتحرك.
كنت في الشهر التامن، عينيّ ورمت من كتر البكا، وماسكة في إيدي شنطة فيها هدومه اللي كان لابسها يوم ما دخل مستشفى القصر العيني الفرنساوي.
دكتور كريم قرب مني ووشه مشدود ومش على بعضه خالص.
كان ماسك في إيده ظرف لونه أوف وايت.
— جوزك الله يرحمه خلى إيدي في إيدي ووعدته إني أسلّمك الظرف ده بعد ما أمانته تترد لربنا بس.
حسيت إن الأرض بتتزلزل تحت رجليّ.
على وش الظرف من برة، كان مكتوب اسمي بخطه.
ندى.
عرفت خط طارق في ثانية.
خط إيده اللي بقالي 6 سنين بشوفه على الورق الأصفر المتقصص الملزوق على التلاجة، في كروت أعياد جوازنا، في ورقة الطلبات بتاعة السوبرماركت، وفي الملاحظات الصغيرين اللي كان بيسيبهوملي جنب فنجان القهوة لما كان بيصحى بدري عني.
دلوقتي نفس الحروف دي محطوطة قدامي.
كتبها راجل خلاص مابقاش موجود في الدنيا.
— هو فيه إيه جوة يا دكتور؟
الدكتور وطي عينه في الأرض وماقدرش يبصلي.
— طارق مالحقش يقولي على كل حاجة.
— ولما هو مقالكش، وافقت تاخده منه ليه وتسكت كل ده؟
دكتور كريم سكت شوية، وأخد نفس عميق قبل ما يرد:
— عشان كان خايف إنك تمنعي اللي هو مرتبه ومخطط له إنه يحصل.
الكلمتين دول نزلوا عليا زي السكينة في قلبي.
طوال السنين اللي فاتت، أنا وطارق ماكانش بينا سر واحد مستخبي… أو ده اللي كنت فاكراه ومصدقاه.
إحنا اتجوزنا من 4 سنين في الإسكندرية، بعد ما اتعرفنا على بعض وإحنا بنشتغل في شركتين في نفس البرج الإداري في سموحة.
طارق كان مهندس معماري بيعشق شغله.
وأنا كنت شغالة في الإدارة المالية.
بقالي قرب الـ 3 سنين بنلف على الدكاترة عشان نجيب طفل.
كشوفات… وتحاليل… وعلاجات ومقويات.
شهور طويلة بنعد الأيام ونحاول نتمسك بالأمل عشان ما نقلبش كل نتيجة تحليل سلبية لمأساة ونكد.
ولما شفت أخيرًا الخطين الحمر في اختبار الحمل، دخلت عليه الحمام وهو بيلبس ساعته وبيجهز عشان ينزل الشغل، وحطيت الشريط البلاستيك على الحوض قدامه.
بص للشريط… وبعدين بصلي.
— بتتكلمي جد يا ندى؟ أنتِ بتتكلمي جد؟!
ماعرفتش أرد عليه من كتر الدموع اللي انهمرت من عيني.
طارق شالني من على الأرض وقعد يلف بيا في الصالة لحد ما صرخت فيه وقلتله: “يا طارق حاسب أنا حامل مش شنطة سفر!”
عمري ما شفته فرحان بالمنظر ده في حياتي كلها.
اختارينا اسم بنتنا في يوم جمعة العصاري.
كنا قاعدين في البلكونة الصغيرة بتاعة شقتنا في المنتزه، والشمس بتغرب، ولما طارق نطق اسم فريدة، البيبي خبطت خبطة جامدة في بطني.
— أهو، هي اللي اختارت اسم بنفسها!
— طارق بلاش جنان، مش عشان خبطت تبقى هي اللي قررت!
— لأ، هي اللي خبطت الأول، يبقى ليها صوت في العيلة دي.
ومن اليوم ده، وفريدة بقت عايشة معانا.
كان فاضل شهور على ولادتها، بس طارق كان كل يوم بالليل يحط راسه على بطني ويفضل يكلمها بالساعات.
كل حاجة اتقلبت رأساً على عقب لما بقيت في الشهر السادس.
طارق بدأ يحس بتعب غير طبيعي وإرهاق دائم.