توفي جوزي حصري لصفحة روايات رولا

— إيه؟
​— كان عارف خطوتك دي بالظبط… عشان كده سابلك ده.
​مديت لها صورة من الكلام اللي كتبه لها. رفضت تاخدها الأول، فقلت لها بصوت بيترعش:
— بلاش تقريه عشاني… اقريه عشان خاطر طارق.
​مسكت الورق وأستاذ هشام المحامي بدأ يراجع الأوراق القانونية.
​حماتي قرأت، ووشها الناشف بدأ يتغير وإيدها اترعشت. طارق كتب لها سطر مخصوص:
يا أمي، أنتِ مش بتخسري حتة مني لما حد تاني ياخد حاجة أنا خلاص مش هقدر استخدمها.
​وعبر لها عن خوفه، وعن الليالي اللي بكى فيها ومش عايز يموت، بس ده بالذات اللي خلاه يحس بقيمة يوم زيادة أو لحظة حياة لحد تاني.
​المحامي قفل الفولدر وقال:
— يا حجة ثريا… ابنك منظم كل حاجة قانونيًا ومفيش أي ثغرة تشكك في قواه العقلية أو تعرضه للضغط.
​ساعتها حماتي وصلت للسطر اللي طارق بيوصيها عليا فيه:
مراتي هتكون حامل، ولوحدها، ومصدمة… بلاش تخليها تشيل الذنب فوق همها.
​الورق وقع من إيد حماتي على الترابيزة وقعدت تبكي بحرقة… في اللحظة دي شفت أم مكسورة مش حماتي المفترية.
​قعدت قدامها، وساد السكوت بينا، لحد ما قالت بصوت واطي:
— أنا كنت جيا المشفى بكرة عشان أمنعهم وأقولهم مالكمش حق… وكنت هقول إنك أنتِ السبب.
​— أنا عارفة.
​— وعارفة وساكتة إزاي؟
​— عشان هو كان عارف ودبر كل حاجة… طارق كان عارفنا إحنا الاتنين كويس.
​الليلادي ما بقيناش سمنة على عسل فجأة، لأن الموت والوجع مش بيتمحوا في ثانية، بس الحرب وقفت.
​بعدها بـ 19 يوم، جاني الطلق الساعة 3:17 الفجر.
​أول حد اتصلت بيه كانت الحجة ثريا، وجت المستشفى قبل أختي حتى.
​ولما جابوا فريدة وحطوها على صدري، حسيت بمشاعر متلخبطة… فرحة على وجع على حزن على راحة.

​فريدة كانت شبه طارق أوي… شعرها أسود ونفس رسمة شفايفه.
​حماتي قربت منها وبصت لها ودموعها نازلة وقالت:
— دي شبهه أوي… نفس بؤه.
​وبعدين اتعطفت على فريدة ووشوشتها:
— باباكي كان مستنيكي أوي يا حبيبتي…
​وعيطنا إحنا الاتنين مع بعض.
​الشهور اللي بعد كده كانت صعبة… ليالي سهر وتعب، وأيام ألاقي فيها قميص لطارق أقعد على الأرض وأحضنه وأبكي. وكل خطوة فريدة بتعملها كان فيها مكان فاضي لطارق… أول ضحكة، أول مرة تقعد، وأول عيد ميلاد.
​بس طارق سابلها أمانة… صندوق خشب فيه ساعته، ونوتة رسمه، والجواب.
​بعد كام سنة، جيلنا جواب رسمي من جهة نقل الأعضاء، من غير أسماء، بيشكروا فيه وبيوضحوا إن التبرع أنقذ أسر ورجع الأمل لناس.
​قريت الجواب وأنا قاعد في البلكونة اللي شهدت أول كلام بينا عن الموضوع. وفريدة كانت بتجري وتلعب جنبي، جابتلي وردة مفعوصة وقالتلي: “تفضل يا مامي.”
​بصيت للوردة، وللكرسي الفاضي بتاع طارق، ولأول مرة حسيت بسلام مش بس حزن.
​طارق ما شافش بنته، وما سمعش كلمة “بابا”، بس أمن مستقبلنا، وحمى عيلته من الذنب، وساب درس غالي: إن لما ميكونش بإيدك تختار تعيش قد إيه، بإيدك تختار تسيب أثر شكل إيه.
​لحد النهاردة، الحجة ثريا بتيجي عندنا وتقعد تقرا السطر اللي طارق كتبهولها، تبكي شوية، وتحط الورقة مكانها.
​وفي يوم قالتلي:
— أنا كنت فاكرة إن التبرع بياخد مني ابني… دلوقتي فهمت إنه كان بيسيب حباية حياة لغيره.
​ولما فريدة تكبر، هفتح الصندوق ده، وهديها الظرف اللي جه بعد رحيل أوبها، وهحكيلها قصة راجل عرف إنه ماشي، فقرر إن أخر حاجة يعملها في دنيته هي إنه يدي أمل وحياة للناس.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *