توفي جوزي حصري لصفحة روايات رولا

​في الأول قلنا إرهاق شغل وضغط وتوتر.
​بعدها بدأ الوجع الشديد.
​وبعدها دخلنا في دوامة التحاليل والأشعة.
​فاكرة كويس أوي العيادة والمكتب اللي سمعنا فيه التشخيص.
​وفاكرة وش طارق ونظرته لما الدكتور المتخصص شرح لنا إن المرض انتشر وفي مرحلة متأخرة أوي.
​كنت لسة مستنية أسمع أمل… علاج… عملية… معجزة من ربنا… أي حاجة!
​في الآخر سألت بصوت بيترعش:
​— فاضل وقت قد إيه يا دكتور؟
​الدكتور أخد نفس طويل وقال:
​— العلم بتاع ربنا، بس الموقف صعب… ممكن أسابيع، وممكن شهرين أو تلاتة بالعافية.
​طارق ما بصليش… طارق بص على بطني.
​بص لفريدة.
​الليلة دي رجعنا الشقة ومافتحناش حتى النور ولا التلفزيون.
​قعدنا في البلكونة في الضلمة.
​حط إيده على بطني، وبنتنا خبطت.
​ساعتها قال بصوت هادي أوي:
​— ندى… أنا عايز أتبرع بكل حاجة في جسمي ينفع تفيد حد بعد ما أموت.
​اتعصبت وصرخت فيه:
​— متقولش كده! متتكلمش في القرف ده تاني!
​— يا ندى افهميني…
​— بنتك سامعاك وبتحس بيك!
​— عشان كده بالذات أنا بتكلم يا ندى.
​بصيت له ودموعي نازلة.
​طارق طبطب على بطني وقال:
​— لو أنا مش هلحق أشوفها وهي بتكبر قدام عيني، عايز على الأقل أكون سبب إن حد تاني ياخد فرصة ويعيش عشان يشوف عياله بيكبروا.
​قمت وقفت وما رضيتش أسمع باقي كلامه.
​أصل عشان أقبل الكلام ده، كان لازم أعترف وأوافق إنه هيموت قبل ما يشوف فريدة.
​بس طارق كان خلاص بيخطط للحياة اللي هتكمل بعده من غير وجوده.
​في الأسابيع اللي بعد كده، جسمه بدأ يتاكل ويزل وزنه بسرعة مرعبة.
​بقيت أساعده يلبس هدومه… أسانده وهو رايح الحمام… واتعلمت أعمل نفسي مش واخدة بالي لما يقعد يستريح بعد ما يمشي 10 متر بس في الشقة عشان نفسه بيلثغ.
​ورغم كل ده، كان كل ليلة يقرب من بطني ويكلم فريدة.
​— فريدة… أمك بتشخر وهي نايمة.

​— طارق! بس بقى!
​— لازم تعرف الحقيقة من قبل ما تتولد يا فريدة عشان ما تتغدش فيها.
​— أنا مش بشخر على فكرة!
​— وأديكِ شايفه يا فريدة، أمك كمان بتكذب.
​كنت بضحك وأنا بداري وجعي، وبعدها أدخل الحمام أقفله عليا وأصرخ وأعيط.
​بس قبل ما يموت بـ 3 أسابيع، بدأت تحصل حاجات غريبة.
​طارق بقى يطلب من دكتور كريم يقعدوا لوحدهم ويقفلوا الباب.
​وكل ما أدخل عليهم، ألاقيهم سكتوا مرة واحدة وغيروا الموضوع في ثانية.
​في يوم سألته:
​— أنتوا مستخبيين مني وبداروا إيه؟
​مسك إيدي وباسها:
​— حاجة بسيطة والله يا ندى، مفيش حاجة تقلق.
​— ده مش جواب يا طارق!
​— بظبط شوية ورق وإجراءات بس.
​— ورق إيه؟
​باس صوابعي تاني وقال:
​— ثقي فيا يا ندى… أرجوكِ ثقي فيا.
​دي كانت المرة الوحيدة طول فترة مرضه اللي حسيت إن فيه باب مقفول بيني وبينه.
​كنت عايزة أضغط عليه وأعرف، بس ماقدرتش أزوده عليه.
​طارق اتوفى في الفجر، في أول شهر أغسطس، وأنا ماسكة إيده.
​مفيش وداع سينمائي ولا كلام أخير زي الأفلام.
​كان فيه بس صوت الأجهزة المنتظم، ونفسه اللي بيقل وبيبطأ واحدة واحدة… وبعدها سكون تام.
​بعدها بساعات، بدأت إجراءات الوصية اللي طارق كان سابها بخصوص التبرع بالأعضاء.
​مضيت على كل الأوراق المطلوبة.
​كل ورقة كنت بوقع عليها كانت بتحسسني بالخيانة، لأن قلبي كان عايز يصرخ ويقول محدش يلمس منه حاجة ولا ياخد منه حتة.
​بس افتكرت كلامه في البلكونة: لو مش هشوفها تكبر، خليه يساعد حد تاني يشوف عياله.
​عشان كده احترمت رغبته ومضيت.
​جمعت حاجته في شنطة، ومشيت ناحية الأسانسير وأنا مكسورة تمامًا.
​كنت فاكرة إن كل حاجة خلصت خلاص.
​لحد ما ظهر الدكتور كريم بالظرف ده.
​حضنت الظرف في صدري وأنا بترعش.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *