أحمدي ربنا ج 1 حصري لصفحة روايات رولا
حصري لصفحة روايات رولا
ثمن الميراث
الجزء الأول: القفص الصيني
”احمدي ربنا إني مرميتكوش في ملجأ حكومي. خِلفة تلات بنات ملهومش أية لازمة لما نيجي نتكلم عن كِمالة عيلة وسلالة.”
عفاف هانم الشاذلي قالت الكلام ده وسمّها بيقطُر من لسانها، صوتها كان زي موس حامي متغطي بقطيفة. وبعدها بثانية، إيدها انقطعت على خدي بقلم حامي. الصوت رن زي فرقعة كرباج في الصالة الكبيرة المفتوحة بتاعة الأكل.
كنت بالعافية متوازنة وأنا شايالة صينية فضة تقيلة ومحملة بفناجين قهوة أنطيك. الضربة طيرت توازني، بس الإهانة هي اللي شلت حركتي تماماً. الفناجين الصيني الرقيقة اتخبطت ببعضها جامد، وفنجان منهم اتزحلق من على حرف الصينية واتكسر ميت حتة على الأرضية الرخام المستوردة. القهوة والإزاز المكسور بقعوا الرخام النظيف زي شبكة عنكبوت.
وبعدها، سكون يخنق نزل على عزومة الغدا الخيرية.
أربعين ضيف من كبار البلد — صفوة المجتمع — اتجمدوا في مكانهم ببدلهم الغالية وفساتينهم الشيك. هما أكبر المتبرعين لمؤسسة الشاذلي الخيرية، متجمعين تحت السقف العالي والنجف الكريستال عشان ظاهرياً يدعموا حملة لمساعدة الستات المعنفات. السخرية كانت خنيقة أوي لدرجة تجيب السكتة. كانوا لسه مخلصين ساعة تسقيف لخطب عن الرحمة والإنسانية، وعميان تماماً عن إن الست اللي مجمّعاهم وبتستضيفهم بتعامل كِنتها زي الجارية.
محدش اتتحرك. محدش اتجرأ حتى يتنفس.
محدش خالص… غير راجل واحد كان قاعد لوحده في آخر الترابيزة الخشب الطويلة أوي.
أنا اسمي أميرة. عندي اتنين وتلاتين سنة، وفي آخر ست سنين عشتهم، مكانش ليا وجود أكتر من إني خيال مآتة — خدامة من غير أجر، محدش شايفها ولا قايملها قيمة، محبوسة جوة قصر عيلة جوزي المرحوم.
لما جوزي، حازم الشاذلي، مات في حادثة عربية بشعة على طريق السخنة، عفاف هانم نزلت على حزني زي الضبع. قبل ما تربة جوزي تنشف، ادعت إنه ساب وراه جبال من الديون المستخبية. وبحسبتها الباردة والدقيقة، طلعت إن عليا لعيلة الشاذلي عمري، وشغلي، وطاعتي التامة.
حطت إيدها بالقانون على بيتنا البسيط. وخدت فلوس بوليصة التأمين على حياة حازم وحطتها في جيبها. حتى السلسلة السوليتير اللي أمي الله يرحمها كانت سيباهالي خدتها وقالت دي ضمان للديون. وفي مقابل ديوني اللي تهدم حيل أي حد، اتكرمت عليا وسابتني أنا وبناتي التلاتة ننام على مرتبتين دبلانين في أوضة كراكيب من غير شبابيك، محشورة جنب غسالات القصر الع الع العيار الثقيل. ريحة الكلور والنداوة كانت هي الريحة اللي بنتنفسها كل يوم.
بناتي كانوا هما القشة اللي ماسكاني عشان متجننش. فريدة، العاقلة الهادية اللي عندها تمن سنين؛ وجيدة، الخجولة اللي عندها ست سنين؛ والصغيرة ليلى، اللي لسه مكملة أربع سنين في ضل نشافة الهدوم.
عفاف هانم عمرها ما ندهت عليهم بأساميهم. بالنسبة لها كانوا مجرد “التلات خيبات”. كانت بتفكرني كل يوم إني خيبت أمل حازم، وخيبت أمل العيلة، وقصرت في واجبي لما مجبتش الولد اللي يشيل الاسم.
في الصبحية دي، عضامي كانت بتصرخ من التعب. صاحية من الساعة أربعة ونص الصبح، بنظم الفطار لكتيبة الطباخين، وألمع الكاسات الكريستال لحد ما صوابعي جابت دم، وأشفط بالسجاد العجمي الطويل، وأرتب فازات الورد الضخمة. كنت أنا الموتور المخفي اللي مشغل مسرحية الخير والنظافة دي.
حطيت إيدي على شفتي المفتوحة واللي بتبص دم. كنت حاسة بطعم الدم في بؤي.