أحمدي ربنا ج 1 حصري لصفحة روايات رولا

​كنت بتكلم كأني فارسة. بس من جوة، كنت بنزف من الخوف.
​بقية اليوم كان مسلسل إهانة. أخصائية اجتماعية من المحكمة قعدت مع بناتي في جلسات تحقيق منفصلة، بتسألهم عن مظاهر “الإهمال” بتاعي. وبعدها، دكتورة جِت. طلبت مني أقلع في الحمام وتسجل وتصور كل بقعة زرقا، كل خربوش، وكل ندبة قديمة على جسمي وضلوعي. كل أثر من أثار “الشدة والحدود” بتاعة عفاف هانم اتوثق باليوم والتاريخ.
​بالليل، والمطر ابتدى ينزل تاني، خبطة خفيفة اتسمعت على الباب الخلفي للفيلا.
​كبير أمن الفيلا دخل ست عجوزة وضئيلة للمطبخ. كانت ماسكة كيس ورق مبلول من مخبز قريب. كانت الدادة إحسان، كبيرة شغالات القصر عند عيلة الشاذلي. خدمت العيلة دي خمسة وعشرين سنة قبل ما تطلع معاش الصيف اللي فات.
​الدادة إحسان مالتش سلام. إيدها كانت بتترعش وهي بتمد إيدها جوة الكيس الورق، وتعدي العيش، وتطلع فلاشة كمبيوتر سودة صغيرة.
​”قصر الشاذلي فيه كاميرات مخفية في الطرقات والمطبخ،” الدادة إحسان همست، وعينيها بتتزغد ناحية الشبابيك كأن عفاف هانم هتطلع من الضلمة. “عفاف هانم أمرت شركة الأمن تمسح السيرفرات تماماً إمبارح الصبح.”
​بلعت بلعومها بصعوبة، وبصتلي بحزن كبير. “بس أنا عارفة طينتها. قبل ما أمشي، نسخت التسجيلات المتشفرة دي.”
​طارق بيه مانطقش بكلمة. خد الفلاشة، ودخل مكتبه، وحطها في الشاشة الضخمة. وقفنا وراه في سكون يخنق وأحنا بنشوف الملفات بتنزل.
​فيديو ورا فيديو كان بيرسم جحيم خاص. ادي عفاف هانم، بتصرخ في وشي عشان شوكة محطوطة غلط. وادي هي، بتلطشني بالقلم على وشي. وفي فيديو يرعب، مسكتني من شعري وجرجراني ناحية جردل المية المسح الوسخة، وأنا بحاول أوازن ليلى اللي كانت سخنة على وركي.
​ملف تاني جاب عفاف هانم وهي بتفتح بجشع الجوابات المقفولة اللي حازم كان سايبها لبناته في الخزنة، قبل ما ترميها في الدفاية الولعانة. وكان فيه تسجيل بدقة عالية وهي بتصرخ فيا عشان أوقع على ورق أبيض كتير، وبتهددني ترمي البنات برة في البرد لو رفضت.
​بس الفيديو الأخير كان هو القنبلة. التاريخ والوقت كانوا الساعة اتنين بالليل، بعد وفاة حازم بأسابيع قليلة. الكاميرا جابت المحاسب الشمال بتاع مؤسسة الشاذلي وهو شايل تلات كراتين تقيلة فيها كشوفات مالية ومطالع بيها من الباب الخلفي ومحملها في عربية عفاف هانم الخاصة.
​موجة نفس عميق وراحة دخلت صدري. الماسة في إيدنا. معانا الدليل القاطع.
​أو ده اللي أنا كنت فاكراه بغبائي.
​تاني يوم الصبح، فريق المحامين الغالي بتوع عفاف هانم مطلعوش التسجيلات دي كأنه بالفوتوشوب وبس؛ دول عملوا ضربة قاضية.
​قدموا كشوفات حساب رسمية وموثقة للنيابة العامة.
​جنب الفيديوهات، محامين طارق بيه عرضوا الأوراق على البروجيكتور. اتناشر تحويل بنكي، مجموعهم أربعة مليون جنيه بالظبط، أتسحبوا من حسابات المؤسسة. وكل قرش فيهم نزل في حساب أوفشور متسجل باسمي أنا ثلاثي.
​بصيت لشاشة العرض، والنفس اتقطع من صدري.
​”أنا… أنا مش فاهمة،” اتلجلجت، ورؤيتي انعدمت. “أنا عمرى ما سمعت اسم البنك ده في حياتي. أنا معنديش حساب بنكي من يوم ما حازم مات.”
​المحامي الكبير داس على زرار. الشريحة اللي بعد كده جابت طلب فتح الحساب. ومرفق معاها صورة طبق الأصل من بطاقتي الشخصية. وتحتها، التوقيع.
​كان ينطق. كان خطي بالظبط، منقول بالحرف.
​”حد استغل الورق الأبيض اللي أجبرتني أوقع عليه،” همست، وأنا بستوعب البشاعة. “أو نقلوا توقيعي من إقرارات ضريبية قديمة.”
​المحكمة أمرت فوراً بخبير خيرة خطوط. بس الإجراءات القانونية بطيئة بطء القاتل، ولحد ما الخبير يطلع تقريره، أنا بقيت رسمياً المتهمة الأولى في قضية اختلاس وتزوير ضخمة.
​الفضيحة هزت مجتمع رجال الأعمال.
​على يوم الجمعة، تلات شركات أدوية كبار هددوا يسحبوا خمسين مليون جنيه من تبرعاتهم لمستشفيات طارق بيه لو مأعلنش رسمياً قطع علاقته بيا.
​كنت واقفة في الطرقة لما واحد من قدم أصحاب طارق بيه وشركائه دخل المكتب زعيق، ووشه أحمر من الغضب.
​”أنت اتجننت يا طارق؟!” الراجل صرخ، وهو بيرزع الجرنان على المكتب. “أنت بقالك تلاتين سنة بتبني في اسمك وسمعتك! بتغامر بالمستشفيات، وبالمجلس، وباسمك عشان ست غريبة تعرفها بقالك تلات أيام؟!”
​حبست نفسي، ومستنية اللي لازم يحصل. مستنية طارق بيه يستوعب إن الحسبة مش في صالحي.
​طارق بيه حتى معلاش صوته. “لو حمايتي لأم معنفة وبناتها هتكلّفني سمعتي يا حسام، يبقى سمعتي دي كانت حاجة هشة وملهاش قيمة من الأول.”
​”لو المتبرعين دول مشيوا، أقسام أورام الأطفال هتقفل!” حسام رد بعصبية.
​”لو مشيوا عشان السبب ده،” طارق بيه رد ببرود زي التلج، “يبقى هما كانوا بيمولوا منظرتهم الشخصية، مش مبادئ إنسانية. خليهم يمشوا.”
​بالليل، بعد ما حسام مشي وهو بيتحرق، طارق بيه لقاني في المكتبة. صب كاستين مية وقعد قصادي. التعب في عينيه كان فوق الوصف.
​”محامين عفاف هانم هيقدموا طلب للقاضي بكرة الصبح،” قالها بصوت هادي. “حيقولوا إنك عشان معندكيش شغل ولا مكان، متقدرش توفري بيئة مستقرة. وهيطلبوا من الدولة تحول البنات لدار رعاية لحين انتهاء قضية التزوير.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *