مدام حصري لصفحة روايات رولا

حصري لصفحة روايات رولا
—يا مدام، لو مش معاكي تدفعي، ما تجيش تعطلي خلق الله!
​الزعقة خلت كذا حد يلتفت ناحية كاشير 7 في السوبر ماركت.
​كنت واقفة وراها بصفين، في شنطتي كيس شوفان، عيش، بيض، ودوا الضغط بتاع أمي. كنت حاسبة كل جنيه قبل ما أخرج من البيت: فاضل معايا مية وثمانين جنيه بالعافية يمشوني لحد يوم الجمعة.
​اللي كانت بتزعق دي ست في الأربعينات، لابسة طقم بيج نضيف ومكوي، وحاطة نظارة شمس فوق شعرها، ومسكة في إيدها موبايل من أحدث طراز، سعره يعدي سعر عربيتي المكركبة.
​وقدامها كانت واقفة ست كبيرة.
​صغيرة في الحجم، شعرها أبيض ملموم بتوتة صغيرة، ولابسة بلوفر أزرق دايب من كتر الغسيل. في عربيتها كيس رز، لبن، فول، موز، وأكل قطط.
​—فاضلي ستة وثلاثين جنيه يا ابني —قالت الست الكبيرة للكاشير بالراحة—. شيل كيس القهوة ده خالص.
​إيديها كانت بترتعش وهي بتجمع الفكة من محفظتها.
​الست الشيك نفخت بقلة صبر وضربت بعقب جزمتها في الأرض:
—بقالنا ساعة واقفين عشان عمالة تجمعي في قروش!
​—حقك عليا يا بنتي —ردت الست الكبيرة وهي مكسوفة.
​—مش عايزة زفت، عايزة نخلص وأمشي!
​وفجأة حصلت حاجة خلتني أسيب شنطتي على الأرض من غير ما أحس.
​الست الكبيرة كانت بتحاول توطي تجيب جنيه وقع منها، فاحتكت بيها الست الثانية وزقتها برجلها هي وشنطة الحاجة.
​—حاجتك أهي، خلصينا بقا واتحركي!
​تفاحتين كبار اتدحرجوا على الأرض.
​محدش فتح بؤه.
​ولا أنا حتى كنت عاملة فيها بطلة.
​أنا اسمي داليا، عندي أربعة وثلاثين سنة، وممشية بالعافية كافيه صغير في شارع جانبي في المعادي يادوب بيكفي مصاريفنا. طليقي بقاله أربع شهور ما بعتش نفقة ابننا يوسف، وأمي جت عاشت معايا بعد ما عملت عملية في وركها.
​يعني ما كانش عندي رفاهية أفرق فلوس على الناس.
​وبالذات عشان كده، كنت فاهمة كويس يعني إيه تقعد تكسر في الفكة وتبص في الجنيهات والناس تبصلك بقرف وكأن فقرك ده قلة أدب منك.
​قربت من الكاشير.
​—يا مدام، لو سمحتي ما تمديش إيدك عليها ولا تزقيها كده.
​الست الشيك بصتلي من فوق لتحت بقرف:
—نعم؟ أفندم؟
​—سمعتيني كويس.
​—أنا ما بكلمكيش أنتِ أساساً!
​—بس بتتكلمي مع ست قد أمك وبطريقة مش محترمة.
​الست الكبيرة مسكت في دراعي بخوف:
—خلاص يا بنتي، ما حصلش حاجة، حصل خير.
​—لا حصل يا طنط.
​الكاشير وطى رأسه وبص في الأرض وما نطقش.
​وطيت جبت التفاحتين وحطيتهم في الشنطة.
​الست الشيك ضحكت بصوت عالٍ كله تريقة:
—الله الله! وطلعتلنا المدافعة عن الغلابة والمساكين!
​—وأنتِ حضرتك أثبتِ للكل طريقتك وأصلك من غير ما حد يسألك.
​وشها احمر واتغير.
​لثانية افتكرتها هتمد إيدها عليا.
​بس راحت ماسكة شنطتها الجلد الشيك وقالت:
—ناس بيئة بيدافعوا عن ناس بيئة، حاجة تقرف!
​دفعت حسابها ومشيت وهي بتهبد بجزمتها.
​الست الكبيرة كان وشها جايب ألوان من الكسوف.
​—شكراً يا بنتي، بس ما كانش له لزمة توقفي نفسك في موقف زي ده.
​—لا كان له لزمة يا طنط.
​إجمالي حسابها كان أربعمية وثناشر جنيه، وهي ما كانش معاها غير ثلاثمية وستة وسبعين.
​طلعت الستة وثلاثين جنيه ودفتعهم.
​مبلغ مش كبير، بس أنا عارفة كويس إن الستة وثلاثين جنيه دول في أوقات معينة هما اللي بيحددوا هل هنيت عشايا ولا هنام بخاطر مكسور.
​—اسم حضرتك إيه؟ —سألتها وأنا ببتسم.
​—الحاجة أمينة.
​—أنا داليا.
​ابتسمتلي بدفا:
—ربنا يجبر بخاطرك ويجعله في ميزان حسناتك.
​—يا رب يا طنط.
​شيلت معاها الشنط وخرجنا على باب السوبر ماركت في الشارع. وهنا بدأت أول حاجة غريبة ألاحظها.
​الحاجة أمينة ما كانش معاها عربية ولا حد مستنيها.
​مشيت ناحية موقف الميكروباصات والشنط تقيلة على إيديها وموطية ظهرها.
​—حضرتك ساكنة فين؟
​—في المقطم يا بنتي، عند بيوت الزلزال القديمة.
​—تعالي، أنا هأوصلك.
​—لا يا بنتي ما أعطلكيش، السكة زحمة.
​—أنا معايا عربية شاهين قديمة موديل 2005، مش عربية بريمو يعني، بس سريعة وهتوصلنا. اركبي.
​طول السكة تقريباً ما نطقتش ولا كلمة. كانت بس بتشاورلي على السكة لحد ما دخلنا منطقة بيوتها قديمة، جنب حتة كومباوند جديد عالي وبيتبنى فيه عمارات فخمة.
​بيتها كان في آخر حارة ضيقة.
​بيت بسيط جداً، بس نضيف وزي الفل. فيه زرع ومصالي في البلكونة، وعفش قديم من بتاع زمان بس نضيف ومتحافظ عليه، وصور عائلية متعلّقة في كل حتة على الحيطان.
​في واحدة من الصور، كانت الحاجة أمينة واقفة جنب شاب صغير وشكله ابن ناس، وقدامهم مبنى شركات كبير.
​بس لاحظت حاجة غريبة أوي: في شخص ثالث في الصورة كان مقصوص بالمقص ومحذوف تماماً!
​ما حبتش أرخم ولا أسأل.
​ولما دخلت أحط الشنط على ترابيزة المطبخ، لمحت حاجة ثانية.
​كان فيه جواب من شركة شحن وتوصيل، عليه لوجو مكتب محاماة كبير ومشهور في جاردن سيتي.
​الجواب كان مفتوح.
​الحاجة أمينة أول ما شافت عيني جت عليه، راحت شداه بسرعة وحطت فوقه جرايد قديمة عشان تداريه.
​—أعملك كباية شاي يا بنتي قبل ما تمشي؟
​—لا يا طنط والله، ألف شكر، لازم أرجع عشان المحل.
​وفجأة سمعنا خبط جامد في المنور.
​قط رمادي استخبى ودخل من الشباك.
​—عشان كده اشتريتي أكل قطط بقا!
​الحاجة أمينة شالته وحضنته:
—ده الحيلة اللي فاضلي في الدنيا، الوحيد اللي لسة معتمد عليا.
​الجملة نزلت عليا نكدت عليا وجابتلي انقباضة في قلبي.
​قبل ما أمشي طلعت ورقة وكتبت لها رقمي:
—لو احتجتي أي حاجة في أي وقت، كلميني فوراً.
​مسكت الورقة بإيديها اللي بترتعش كأنها ماسكة طوق نجاة.
​—عندك عيال يا داليا؟
​—عندي ولد، اسمه يوسف، ثمان سنين.
​—خلبالك منه قوي يا بنتي، واحضنيه على قد ما تقدري.
​—حاضر يا طنط.
​روح يومها وأنا فاكرة إن الموضوع خلص لحد هنا ومجرد موقف عابر في السوبر ماركت.
​طلعت غلطانة تماماً.
​بعد يومين، لقيت الحاجة أمينة داخلة عليا الكافيه.
​كانت شايلة شنطة قماش وفي إيدها علبة صاج صغيرة من بتوع الحلاوة القدام.
​—جيت أردلك الستة وثلاثين جنيه بتوع المرة اللي فاتت.
​—يا طنط عيب كده، أنتِ جاية كل المشوار ده عشان المبلغ ده؟
​—وحشاني، وقلت أجي أشوفك.
​يوسف ابني كان قاعد على ترابيزة في الزاوية بيعمل واجب العداد والرياضة. الحاجة أمينة قعدت جنبه، وبقت تشرحله وتساعده في القسمة والضرب وتحكيلو حكايات عن زمان لما كانت شغالة سكرتيرة في “شركة مقاولات كبيرة”.
​قبل ما تمشي، استأذنت تدخلي الحمام.
​ولما قامت، لقيتها نسيت العلبة الصاج على الترابيزة.
​فتحتها بس عشان أدور على أي كارت أو رقم تليفون لأحد من قرايبها أكلمه.
​بس جوة العلبة لقيت ورق يوقف الدم في العروق.
​وثيقة جواز قديمة أوي.
​عقد ملكية بيت وأرض.
​صورة الشاب اللي كان في الصورة المتعلّقة على الحيطة.
​وجواب حديث، مطبوع عليه نفس اسم مكتب المحاماة بتاع جاردن سيتي.
​عيني جت على سطر واحد مكتوب بالكمبيوتر:
​”السيدة أمينة عبد السميع، للمرة الثالثة بنطلب توقيعك للتنازل عن قطعة الأرض الكائنة بمنطقة المقطم…”
​وتحت السطر ده، كان فيه كتابة بإيد حد بخط كبير وإيده بترتعش:
​”إياكي توقعي يا أمينة.. رؤوف بيضحك عليكِ ومأجرك!”
​جسمي كله قشعر.
​وفجأة.. تليفوني رن.
​كان الرقم المتصل هو رقم الحاجة أمينة.
​فتحت الخط وقولت: “ألو، طنط أمينة؟ نسيتي علبتك…”
​بس اللي رد عليا ما كانش صوت ست خالص.
​كان صوت راجل حاد، صوته رخيم ويخوف:
​—أنتِ داليا روبي؟
​—أيوه.. مين معايا؟
​—ابعدي عن الست أمينة خالص، وهاتي العلبة اللي أنتِ سرقتيها من بيتها وأنتِ ساكتة.
​بصيت للعلبة الصاج اللي على الترابيزة قدامي وأنا مرعوبة.
​أنا عمر ما دخلت أوضتها ولا سرقت حاجة من بيتها!
​—أنت مين؟ وتعرفني منين؟
​الراجل سكت ثانيتين، وبعدين قال بنبرة كلها تهديد:
​—أنا واحد بيديكي فرصة أخيرة عشان ما تتدخليش في موال أكبر منك وهيوديكي في داهية.
​وراح قافل السكة في وشي.
​الجزء الثاني
​طلبت الحاجة أمينة فوراً على التليفون.
​ما ردتش.
​قَفلت الكافيه قبل معاده بنص ساعة وطلعت جري على بيتها في المقطم.
​لقيت باب الشقة مأروب.
​—يا طنط أمينة؟
​لقيتها قاعدة في الصالة، وشها أصفر زي الليمونة بس واعية ومدركة.
​وكان فيه ورق كتير مرمي على الأرض.
​—إيه اللي حصل يا طنط؟
​—رؤوف جه هنا.
​—مين رؤوف ده؟
​الحاجة أمينة ضمّت شفايفها ووشها اتقبض:
—ابن اختي.
​وأخيراً بدأت تحكيلي السر اللي كانت مخبياه.
​جوزها، المرحوم الأستاذ توفيق، كان مهندس معماري. من عشرات السنين اشترى كذا قطعة أرض في المقطم لما كانت المنطقة لسة هادية ومش بالأسعار المولعة بتاعت دلوقت.
​خلفوا ولد واحد، اسمه شريف.
​بعد ما جوزها اتوفى، الحاجة أمينة فضلت قاعدة في البيت ومتمسكة بحتة أرض مساحتها تقرب من ثلاثة آلاف متر ورا المنطقة.
​—شريف كان عايز يبيعها —قالت—. بس أنا رفضت.
​—عشان كده اتخاصمتوا وما بقتوش تتكلموا؟
​—مش بالضبط كده يا بنتي.
​رؤوف ابن اختها بدأ يدخل نفسه في كل حاجة، يشيل عنها المصاريف والورق ومشاوير الحكومة بعد ما هي وقعت وقعة جامدة ورجلها لاتت.
​وحسب كلامها، رؤوف كان طول الوقت بيسخنها وبيقولها إن شريف مش بيفتكرها إلا لما يعوز فلوس.
​—كان بيوريني رسايل منه.
​—رسايل إيه؟
​—من شريف.. كان كاتب إنه زهق مني، وإن بيع الأرض هو الحل وبلاش أعمل فيها ضحية.
​—معاكي الرسايل دي؟
​—لا، رؤوف غيرلي التليفون وقال إن القديم باظ وما بقاش ينفع.
​افتكرت الصورة المقصوصة اللي على الحيطة.
​—وشريف فين دلوقت؟
​—بقالي خمس سنين ما شفتوش ولا سمعت صوته.
​الموضوع ما بقاش مجرد خناقة عائلية وخلاص، ده فيه إنّ كبيرة.
​سألتها عن الورقة اللي كانت في العلبة الصاج.
​الحاجة أمينة شرحتلي إن رؤوف بقاله شهور زنّ عليها عشان تبتديلو في إجراءات “تخليص الورق” بحجة إن الحي هيستقطع جزء من الأرض للمنفعة العامة.
​—ومكتب المحاماة ده إيه نظامه؟
​—ما اعرفش، بيتبعتلي جوابات، ورؤوف يقولي دي إعلانات ودعاية ما تشغليش بالك بيها.
​طلعت الجواب من الشنطة.
​—دي مش دعاية يا طنط.
​الحاجة أمينة بصت للسطر المكتوب بخط الإيد: “إياكي توقعي يا أمينة.. رؤوف بيضحك عليكِ”.
​إيديها اترعشت:
—الخط ده…
​—خط مين؟
​—ده خط شريف ابني!
​تاني يوم الصبح طلبت المساعدة من فريدة، واحدة من زباين الكافيه الشاطرين وشغالة محامية مدني.
​فريدة قالتلي إنها مش هتقدر تمسك القضية رسمي غير لما تشوف الأوراق الرسمية، بس وافقت توجهنا.
​أول حاجة عملتها إنها كشفت على السجل العقاري ورسومات الأرض.
​وبعد يومين طلعتلنا أول خيط وثيقة جاد.
​لقينا عقد اتفاق ووعد بالبيع متسجل من ست شهور بين شركة استثمار عقاري كبيرة اسمها “القمة” وبين “أمينة عبد السميع”.
​السعر المكتوب كان برابيز بالنسبة لسعر المتر الحقيقي في المنطقة.
​—أنتِ وقعتي على العقد ده يا طنط؟ —سألتها فريدة.
​الحاجة أمينة وشها جاب ألوان:
—والله العظيم ما حصل، ولا شفت العقد ده قبل كده!
​التقيع كان شبه توقيعها بس مش هو.. وفوق كل ده، رؤوف كان متسجل في الملف إنه “الوكيل والمفوض”.
​فريدة نصحتنا ما نواجهش رؤوف دلوقت ونحافظ على كل الورق اللي معانا.
​أنا رجعت للسوبر ماركت اللي حصلت فيه المشكلة الأولى، لأن افتكرت الحاجة أمينة قالت إن رؤوف هو اللي بيجبلها الطلبات في العادة.
​مدير الفرع وافق يراجع كاميرات المراقبة لما فهم إن الموضوع فيه بلاغ رسمي والحاجة أمينة عملت طلب.
​كاميرا الباب البراني طلعت مفاجأة.
​رؤوف هو اللي نزل الحاجة أمينة عند السوبر ماركت الصبح.
​وما مشيش!
​فضل قاعد في عربية جيب رانجلر مستني في الشارع أربعين دقيقة.
​ولما الحاجة أمينة خرجت معايا، مشي ورا عربيتي الشاهين شارعين.
​—عشان كده كان عارف أنتِ مين وتليفونك إيه —قالت فريدة.
​ما كانش موقف عابر ولا حاجة.. ولا المكالمة كانت بالصدفة.
​بس كان لسة فيه سؤال شاغلني: ليه يسيب ست عندها ثمانين سنة تدفع فكة ومش معاها غير قرشين، وهو اللي ماسك مصاريفها؟
​الحاجة أمينة طلبت كشف حساب لبنك ناصر اللي ينزل عليه معاشها.
​اكتشفنا سحوبات شهرية كاش هي عمرها ما عملتها.
​وتحويلات بمبالغ صغيرة لحساب آخره 7712.
​فريدة جابت اسم صاحب الحساب من الورق.
​رؤوف عبد الفتاح.
​—كان بيقولي معاشك مش مكفي ومصاريف العلاج غليت —قالت الحاجة أمينة وهي بتعيط بالصوت الواطي.
​حسبنا المبالغ المسحوبة.. دخلت في يجي مية وتسعين ألف جنيه مسحوبين على سنتين.
​بس الصدمة الحقيقية جت عن طريق يوسف ابني.
​في يوم، والحاجة أمينة بتشرب شاي باللبن في الكافيه، يوسف كان بيوريها إزاي الصور بتتحفظ على إيميل جوجل (Google Photos).
​—ممكن الرسايل القديمة تكون متسجلة هناك يا طنط —قالها يوسف.
​الحاجة أمينة كانت فاكرة باسورد الباسورد القديم بالعافية.
​فتحنا الإيميل..
​ما كانش فيه أي رسالة شتيمة أو قلة أدب من شريف!
​بالعكس.. كان فيه عشرات الرسايل مبعوتة منه على مدار السنين:
​”يا أمي، الفلوس رجعتلي تاني ليه؟”
“رؤوف بيقولي إنك مش عايزة تكلميني.”
“جيت لحد البيت وما حدش فتحلي.”
“أرجوكي قوليلي بنفسك لو مش عايزاني أدخل بيتك تاني.”
​آخر إيميل كان من أحد عشر شهر.
​وكان مرفق معاه صورة.
​شريف كان واقف قدام باب بيت الحاجة أمينة ومسك ورقة في إيده.
​التاريخ كان نفس اليوم اللي رؤوف قالها فيه إن ابنها “مسافر دبي ومبش يسأل”.
​الحاجة أمينة انهارت من البكاء:
—ده جه لحد الباب!
​—أيوه جه يا طنط.
​—ورؤوف قال إني مش عايزة أشوفه!
​فريدة كبّرت الصورة على الكمبيوتر.
​في الإزاز بتاع شباك الصالة المكسور، كان باين انعكاس راجل واقف جوة البيت.
​كان رؤوف.
​كان واقف جوة البيت وشريف بيخبط على الباب!
​فهمنا الخطة الوسخة اللي اتعملت.
​رؤوف ما كانش محتاج يختطفها ولا يعمل ج/ريمة سينمائية.. كان كفاية عليه يسيطر على تليفون ست كبيرة، يفلتر اتصالاتها، يرمي الجوابات، ويزرع الكره والشك بين الأم وابنها سنة ورا سنة.
​بس كان فاضل سؤال:
​ليه شريف، لو كان فعلاً عايز يصالح أمه، ما عملش خطوة أكبر من كده؟
​الرد جه في نفس الليلة.
​جالي اتصال من رقم أرضي من القاهرة.
​—أنا داليا روبي؟
​كان صوت راجل تاني، صوت مليان حزن وزعل.
​—أيوه.. مين معايا؟
​—أنا شريف توفيق.. وعرفت إن حضرتك مع أمي.
​بصيت للحاجة أمينة، الكباية وقعت من إيدها اتكسرت.
​—افتحي السبيكر يا بنتي —قالت وهي بترتعش.
​—أستاذ شريف، والدتك جمبي وسمعاك.
​الخط سكت لحظات.. وبعدين سمعنا صوت نفس مكسور وبكاء مكتوم:
​—أمي..
​الحاجة أمينة حطت إيدها على بؤها:
—شريف.. يا حبيبي..
​شريف حكى إن رؤوف كان بيؤكدله نفس الكلام: إن أمه مش عايزة تشوفه، وإن زياراته بتجيب لها أزمات قلبية، وإنها طلبت بنفسها يبعد عنها.
​شريف احترم رغبتها المفبركة، بس فضل يبعتلها جوابات وفلوس.
​—فلوس؟ —سألت فريدة.
​—خمسة عشر ألف جنيه كل شهر على حساب البنك اللي رؤوف إداني رقمه.
​الحاجة أمينة وقفت على حيلها:
—أنا عمري ما شفت جنية واحد من الفلوس دي!
​فريدة بصتلي.. قطعة جديدة في لعبة النصب وضحت.
​شريف قال حاجة أنكح وأخطر:
​—داليا، أنا جاي المقطم الصبح.. بلاش حد يواجه رؤوف دلوقت.
​—ليه؟
​—عشان من ثلاث ساعات جالي إيميل من شركة القمة للاستثمار.
​—فيه إيه؟
​—بيقولوا إن التوقيع النهائي لعقد بيع الأرض ميعاده بكرة الساعة حدعشر الصبح في مكتب المحامي.
​الحاجة أمينة غمضت عينها:
—بس أنا مش هوقّع على حاجة!
​شريف رد بصوت مرعوب:
—ما هي دي المصيبة.. الإيميل مكتوب فيه إنك عملتي توكيل رسمي عام لرؤوف يبيع ويشتري باسمك!
​فريدة مدّت إيدها:
—قله يبعت صورة التوكيل ده فوراً.
​بعد نص دقيقة الجواب وصل على الواتساب.
​فريدة فتحته..
​قرت أول صفحة، وبعدين شاورت على التاريخ:
​—اليوم ده الحاجة أمينة كانت محجوزة في المستشفى!
​وفي اللحظة دي عرفنا إننا بكرة مش رايحين قاعدة صلح عائلية..
​إحنا رايحين نمنع ج/ريمة سرقة أرض وتزوير توكيل رسمي.
​الجزء الثالث
​الساعة ثمانية الصبح كنا كلنا في مكتب فريدة المحامية.
​شريف جه ومعاه مراته، ست طيبة وأصلية اسمها ميرفت.
​أنا كنت متوقعة أشوف راجل مغرور أو متكبر عشان معاها فلوس، بس لقيت راجل عنده سبعة وأربعين سنة، دخل ومسك ملف تحت دراعه، وأول ما شاف أمه وقف مكانوش قادر يتحرك.
​الحاجة أمينة هي كمان ما تحركتش.
​بصوا لبعض زي اتنين قضوا سنين يبنوا صورة غلط عن بعض.
​—خسيت أوي يا شريف —قالت الحاجة أمينة بصوت دايب.
​شريف ضحك بقلة حيلة والدموع في عينه:
—أنتِ لسة بتقوليلي كده من وأنا عندي عشرين سنة يا أمي.
​الجملة دي كسر كل الحواجز.
​الحاجة أمينة جريت عليه وحضنته.
​ما كانش مشهد سينمائي مثالي، كانت بتعيط وبتعاتبه في نفس الوقت:
—ليه ما دخلتش البيت يا شريف؟ ليه ما كسرتش الباب؟
​—رؤوف قال إن رؤيتي بتجيبلك أزمات وتعب!
​—وأنت صدقته؟
​—وراني رسايل بصوتك وكتابة إيدك!
​—وهو وراني رسايل بتقول إنك زهقت مني!
​شريف ضغط على سنانه بغل:
—يبقى لعب بينا احنا الاتنين!
​فريدة سابتهم يتكلموا خمس دقائق، وبعدين حطت الورق على الترابيزة.
​كانت جابت صورة طبق الأصل من التوكيل المزيف.
​تاريخ التوكيل كان 14 فبراير السنة اللي فاتت.
​في الفترة من 12 لـ 18 فبراير، الحاجة أمينة كانت محجوزة في مستشفى المقاولون العرب بسبب التهاب رئوي حاد، ومعانا تقارير المستشفى.
​وشريف كان جايب معاه كشوفات الحسابات والتحويلات الشهرية.
​على مدار أربع سنين، كان بيبعت الفلوس على حساب جمعية أهلية اسمها “الخير والبر”، ورؤوف هو رئيس مجلس إدارتها!
​—الموضوع ما بقاش مجرد خناقة على أرض —قالت فريدة—. ده تزوير في أوراق رسمية، واستيلاء على أموال، ونصب. بس لازم نشتغل بدماغ باردة.
​ما كانش فيه بوليس يقتحم المكان ولا ضرب نار.. الجرائم دي بتتحل بالورق والقانون.
​فريدة بعتت إنذار على يد محضر للشركة وللمحامي بتوقف أي تعامل على الأرض، وأبلغت النيابة بوجود نزاع وتزوير في التوكيل.
​وعلى الساعة عشرة وربع، طلعنا على مكتب المحاماة في جاردن سيتي اللي فيه الميعاد.
​الحاجة أمينة أصرت تيجي معانا.
​—دي أرضي وأرض جوزي —قالت—. محدش هيبيع ويشتري فيها وأنا مستخبية.
​وصلنا قبل الميعاد بربع ساعة.
​رؤوف كان قاعد في صالة الاجتماعات.
​وما كانش لوحده.
​كان قاعد معاه ممثل شركة العقارات.. والست الشيك بتاعة السوبر ماركت!
​نيرة!
​لأول مرة أفهم ليه موقف السوبر ماركت كان غريب بالشكل ده.
​هي كمان عرفتنا أول ما دخلنا.
​—أنتِ إيه اللي جابك هنا؟ —قالتلي وهي مصدومة.
​فريدة ردت بثبات:
—أظن إحنا اللي نسأل حضرتك السؤال ده.
​رؤوف قام وقف.
​لابس بدلة نضيفة وساعة غالية، وكان يحاول يظهر إنه هادي ومتماسك:
—يا طنط، المكان ده مش بتاعك ولا بتاع المشاكل دي.
​الحاجة أمينة بصتله بثبات:
—بالعكس يا رؤوف، الورق بيقول إن كل ده بسببي وبسبب حق جوزي.
​رؤوف بص لشريف، ووشه اتغير لثانية:
—أنت جاي تعمل مشاكل وخلاص؟
​شريف رد بهدوء مرعب:
—أنا جاي آخد حق أمي اللي سرقته طول السنين دي.
​ممثل الشركة قام وقف وقال:
—أظن الاجتماع ده لازم يتقفل دلوقت.
​رؤوف حاول يلحق الموقف:
—ما فيش دواعي للغياب، أنا معايا توكيل رسمي وساري!
​فريدة حطت صورة التوكيل والتقرير الطبي على الترابيزة:
—التوكيل ده مزور، وصاحبته كانت في المستشفى يوم صدوره، وفي بلاغ للنيابة اتقيد الصبح.
​المحامي اللي قاعد مسك الورق وبص فيه بجدية، وقفل الملف:
—البيعة دي مش هتم، وأنا بفركش الجلسة فوراً.
​رؤوف وشها أصفر وزعق:
—ده كلام فارغ!
​الحاجة أمينة طلعت تليفونها:
—وكلام فارغ كمان إنك كنت بتاخد معاشي؟ والفلوس اللي شريف بيبعتها؟
​رؤوف بص لشريف بغل، الخطة بتاعته اتكسرت حتة حتة.
​نيرة مسكت شنطتها وقامت:
—أنا ماليش دعوة بالمشاكل العائلية دي، أنا ماشية.
​ممثل الشركة قالها بغضب:
—تقعدي مكانك يا مدام نيرة! أنتِ اللي جايبة السمسرة والورق ده كله للشركة!
​وهنا كانت المفاجأة الثانية.
​نيرة شغال وسيطة عقارات من تحت لتحت، وهي اللي اتفقت مع رؤوف يبيعوا الأرض لشركة الاستثمار برخيص عشان ياخدوا عمولة ضخمة وتقسم معاه!
​بصيت لنيرة وقولت:
—عشان كده لما شفتي الحاجة أمينة في السوبر ماركت كنتِ بتعامليها بقرف وحقارة.. كنتِ فاكراها ست غلبانة مالهاش حد وهيترمي لها قرشين وخلاص!
​نيرة ما ردتش وودت وشها الناحية الثانية.
​رؤوف ضرب الترابيزة بإيده:
—أنا اللي راعيتها! أنا اللي شيلتها لما الكل سابها!
​الحاجة أمينة وقفت قدامه وقالت بصوت قوي هز القاعة:
—أنت ما راعيتنيش يا رؤوف.. أنت حبستني، وسرقتني، وقطعتني عن ابني، وكنت بتطعن في ضهري كل يوم وأنا فاكراك ابني الثاني!
​الأسابيع اللي بعد كده كانت مليانة تحقيقات ونزول النيابة.
​التزوير أثبتته الطب الشرعي، ورؤوف اتقبض عليه بتهم التزوير والاستيلاء على أموال والجمعية الوهمية اللي كان عاملها.
​نيرة اتطلبت في التحقيقات وتم سحب رخصتها وتغريمها، والشركة فسخت عقدها معاها.
​فيديو السوبر ماركت كان واحد من الزباين صوره ونزله على النت، والكافيه بتاعي اتعرف والناس بقت تجيلي من كل مكان عشان يشوفوا “داليا اللي وقفت للظلم”.
​بس الأهم من ده كله.. إن الحاجة أمينة وشريف رجعوا لبعض.
​الموضوع أخد وقت عشان الجروح تلتئم، بس بقوا يقعدوا مع بعض كل يوم، وشريف صمم يرجع يعيش في المقطم جنب أمه عشان ما يسيبهاش تاني أبداً.
​الحاجة أمينة ما باعتش الأرض.. أجرت حتة صغيرة منها لمشتل زرع كبير، وبقى يدخلها دخل شهر محترم خلاها مش محتاجة لحد.
​وبقت تجيلي الكافيه ثلاث أيام في الأسبوع، تمسكلي الحسابات والورق لأنها طلعت كانت شغال محاسبة زمان!
​وفي يوم، كنت قاعد مع الحاجة أمينة ويوسف ابني في الكافيه..
​دخلت ست شكلها غلبان، بتكسر في الفكة عشان تشتري كباية شاي وقطعة كيك لابنها.
​الحاجة أمينة بصتلي وابتسمت، وراحت قايمة بنفسها، حطت للست كيك إضافي وقالتلها:
—الحساب مدفوع يا حبيبتي.. البركة في الجمعية!
​تلك الـ 36 جنيه لم تكن مجرد فكة.. كانت الباب اللي اتفتح عشان حق يرجع، وعيلة تتلم تاني بعد سنين من الظلم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *