أحمدي ربنا ج 1 حصري لصفحة روايات رولا

​في آخر الترابيزة، طارق بيه السيوفي حط كاس المية الكريستال بهدوء. الخبطة البسيطة دي كان ليها صوت زي خبطة شاكوش القاضي.
​طارق بيه كان زي اللغز في المجتمع. ملياردير وصاحب أكبر سلسلة مستشفيات خاصة في مصر، الصحافة دايماً بتكتب عنه إن راجل عبقري، غامض، حاد، ومحدش يعرف يوصل لقلبه. بعد ما خسر أمه وهو طفل في ظروف حزينة، عمره ما اتجوز وكان بيعتبر الحفلات والمناسبات دي زي الوباء. استمرار مؤسسة الشاذلي الخيرية كان معتمد تقريباً على تبرعاته الضخمة كل سنة.
​”هو ده اللي حضرتك بتسميه تأديب يا عفاف هانم؟” صوت طارق بيه كان هادي جداً، بس كان فيه نبرة تقيلة أجبرت الكل في القاعة إنه يسكت ويسمع.
​وش عفاف هانم اتقلب في ثانية تحول يرعب. الشرير اللي جواها اختفى، وتحلت بروح الست الأرستقراطية الكلاس. ابتسمت ابتسامة صفراء مصنوعة.
​”أوه، طارق بيه! أميرة دي بنتنا ومن العيلة،” قالتها بنعومة وهي بتهز إيدها اللي متغرقانة ألماظ كأنها بتمشي دبانة. “هي بس محتاجة حزم وشوية حدود. الحزن على جوزها خلاها تحب تلعب دور الضحية وتتمسكن. وهي دايماً بتنسى مقامها.”
​في اللحظة دي، نار باردة ولعت في صدري. نزلت الصينية الفضة التقيلة على ترابيزة جنبية. إيديا كانت بتترعش، بس لما اتكلمت، طالع صوتي ثابت.
​”أنا بعتبر من العيلة بس لما بيكون فيه أربعة أدوار محتاجين يترفعوا ويتسحوا،” صوتي رن في القاعة الساكتة. “غير كده، أنا بتعامل زي السخرة اللي ملهاش حتى ماهية.”
​عينين عفاف هانم أتاكلت من الغضب والغل. رفعت إيدها، والخاتم الألماظ لمع في النور، جاهزة تضربني تاني على قلة أدبي.
​بس المرة دي، إيدها ملمستنيش.
​خيال ضخم نزل عليا. طارق بيه قطع الصالة بلمح البصر وبسرعة زي الفهد. وقف بثبات بيني وبينها، كتافه العريضة عملت سد منيع بيني وبين اللي بتعذبني.
​”تبرعاتي ودعمي للمؤسسة بينتهوا النهاردة.”
​شهقة جماعية هزت الصالة. كل الروس اتلفتت ناحيته.
​عفاف هانم تجمهرت مكانها، وثقتها بنفسها اتفتت. القناع المزيف اتكسر تماماً. “أنت اكيد بتهزر يا طارق بيه!” اتلجلجت وصوتها طلع حاد ومستفز. “أنت هتضيع سنين من الشغل الخيري والفلوس عشان أوهام خدامة حاقدة ومستيرية؟”
​طارق بيه مبصلهاش. بصلي أنا تحت. عينيه السودة الحادة لمحت الدم الجديد اللي على شفتي، ونزلت على العلامات الزرقا القديمة اللي باينة من أكمام غيار الخدامات اللي كنت لابساها ومقاسه مش مقاسي. حاجة خطيرة ولعت في عينيه قبل ما يرجع يبص لعفاف هانم.
​”أنا بضيعش شغلك الخيري يا عفاف هانم،” قالها بصوت واطي بس يرعب. “أنا بس برفض أُمول النفاق بتاعك اكتر من كده.”
​وش عفاف هانم اتملى بقع أرجوانية من كتر الغيظ. فقدت أي أعصاب باقية لها. “يا أمن!” صرخت وهي بتشاور بإيدها بتترعش عليا. “طلعوا الست المتمردة دي برة أملاكي فوراً! ارموها في الشارع!”
​شحنة أدرينالين ضربت في جسمي. بناتي!
​”بناتي فوق!” صرخت وأنا بحاول أعدي وأجري على السلم الكبير.
​عفاف هانم كانت أمرت بحبسهم في جناح الضيوف في الدور التالت. “العيال بتبوظ شكل الحفلات الفخمة،” قالتها بقرف الصبح.
​قبل ما الحراس الضخام يربطوا عليا، طارق بيه اتكلم تاني. صوت مكانش عالي، بس كان فيه سلطة ترعب.
​”نزلوا إيدكم،” حذر الحراس. وبعدين بص لعفاف هانم. “هي مش ماشية لوحدها. هي وبناتها التلاتة طالعين معايا.”
​الصالة دخلت في حالة صدمة وذهول تام. عفاف هانم طلعت منها ضحكة مجنونة وحادة، بس عينيها كانت بتلعب وزايغة.
​”أنت بتعمل غلطة عمرك يا طارق بيه. أنت مش فاهم أنت بتورط نفسك مع أنهي نوع من البكتيريا والطمع.”
​”أنا فاهم كويس أوي أنا بصل لـ إيه،” طارق بيه رد بثبات.
​مستناش إذن من حد. عدى من جنب الحراس وطلع السلم الرخام خطوتين في خطوة. أنا جريب وراه بفرملة، قلبي كان بيخبط في ضلوعي زي العصفور المحبوس.
​لما وصلنا للباب الأرو المقفول بتاع جناح الضيوف، طارق بيه ممشيش يدور على مفتاح. ضرب الباب بكتفه، الخشب اتكسر واتفتح.
​بناتي كانوا متكومين على كَنبة قماش، عنيهم واسعة من الخوف الساكت. أول ما شافوني، جروا عليا.
​بعدها بدقايق، كنا نازلين السلم الكبير. طارق بيه كان شايل ليلى ذات الأربع سنين بين إيديه، ووشها مستخبي في رقبته. فريدة ماسكة في إيده الشمال كأنها ماسكة في طوق نجاة، ووجيدة ماسكة في وسطي بمسكة موت.
​طلعنا برة الباب الرئيسي الضخم. برة، السماء كانت مكسورة، والمطر نازل طوفان على المشاية الحصى، ومحول الجنينة لطين رمادي.
​من غير تردد، طارق بيه قلع الجاكت بتاع بدلته الغالية. حط الصوف الغالي ده على بناتي التلاتة، يداريهم من المطر والتلك، ودخلنا الكنبة الخلفية بتاعة عربيته الجيب السودة اللي كانت مستنية. مبصش وراه ولا بصة للقصر.
​عفاف هانم كانت حصصلتنا لغاية البوابة. المطر كان ملزق شعرها على وشها وهي بتصرخ في وسط العاصفة.
​”دي حرامية! دي مجنونة ومحتاجة مصحة!” صرخت وصوتها بشرخ. “دول عيال ابني! هتندم يا سيوفي! أنا هخرب بيتك وبيتها!”
​طارق بيه ولا كأنه سمعها. فتحلي باب العربية الأمامي. وأنا بتزحلق على الكرسى الجلد، بتهز من البرد والصدمة، مال عليا ووسوش.
​”أنتوا في أمان دلوقتي يا أميرة،” قالها بصوت هادي وسط صوت المطر.
​ولأول مرة من ست سنين كاملة، وأنا باصة في عينين راجل غريب تماماً، صدقت الكلام ده.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *