مثلت حصري لصفحة روايات رولا

حصري لصفحة روايات رولا
بعد حادثتي، مثلت إني مش فاكرة جوزي، وقال لي إنه ابن عمي؛ وبعد أربع أيام عرفني على واحدة مريضة على إنها خطيبته، من غير ما يتخيل إني فاكرة كل تفصيلة في جوازنا.
​— هو جوزي فين؟ — سألت أول ما فتحت عينيا.
​مازن منصور كان واقف جنب الشباك في أوضتي في مستشفى في القصر العيني. كان قميصه مكسر، وعينيه حمرا، وخاتم جوازنا متعلق في السلسلة اللي دايماً لابسه تحت القميص.
​أنا كنت عارفة هو مين كويس أوي.
​وقعِت من على السلم في مطعم. الخبطة عملت لي ارتجاج بسيط، وست غرز ورا ودني، وقعدت كام ساعة تحت الملاحظة. دكتور الأعصاب قال إني ممكن أكون متلخبطة أول ما أصحى.
​علشان كده، أول ما مازن دخل، جاتلي فكرة أهزر معاه.
​— معلش… هو حضرتك مين؟
​كنت مستنية يرفع عينيه للسقف، ويبوس دماغي ويقولي:
​— أنا جوزك يا ندى. بلاش هبل.
​بس التأخير كان أكتر من اللزوم.
​— أنا مازن.
​— جوزي؟
​بص للأرض.
​— ابن عمك.
​الكلمة نزلت بينّا زي حاجة تلج.
​بقانا أربع سنين متجوزين.
​مازن كان دكتور باطنة، منظم لدرجة متعبة حتى وهو بيطبق الفوط. عمره ما كان بيرتجل.
​علشان كده إجابته مكنتش باينة هزيرة خالص.
​قررت أعديها ومثل معاه.
​لمدة تلت أيام مثلت إني بفتكر لقطات من حياتي. مازن كان بيجيب لي الأكل، ويراجع أدويني، وبيهتم بيا بنفس الحنية بتاعة زمان.
​بس ولا مرة رجع يسمى نفسه جوزي.
​في اليوم الرابع دخل عليا بوش تاني خالص.
​— في حد مهم لازم تتعرفي عليه.
​أخدني لبرج تاني في المستشفى.
​في أوضة خاصة كانت قاعدة منة جودة، عندها خمسة وتلاتين سنة. كانت رفيعة أوي، وبتتنفس بمساعدة أكسجين، وشعرها قصير بعد شهور من العلاج بسبب مرض مناعي بوّظ لها الرئة.
​أول ما شافتني ابتسمت.
​— ندى. الحمد لله إنك بخير.
​مازن وقف جنب سريرها.
​— مين دي؟
​منة مدت إيدها.
​— أنا خطيبة مازن.
​حسيت إن خبطة دماغي كانت أرحم بكثير من الكلمة دي.
​قالت إنهم يعرفوا بعض من أيام الثانوي، وإن أمها هي اللي ساعدت مازن علشان يكمل طب، وإنهم طول عمرهم فاكرين إنهم هينتهوا مع بعض.
​كنت ببتسم وأنا بصة لجوزي.
​ماصلحش ولا كلمة من اللي قالتها.
​— عندكم صور؟
​منة برشت بعينيها.
​— صور؟
​— ليكم مع بعض. خروجات، أعياد جواز، صور وانتوا بتبوسوا بعض.. أو فرح لو انتوا مخطوبين من زمان أوي كده.
​مازن اتدخل بسرعة.
​— ندى، بلاش تضغطي عليها.
​منة بدأت تكح.
​جري عليها في ساعتها، مسك ضهرها، وظبط الأكسجين وقرّب الماية لشفايفها بفرط حنية واعتياد مبيتجيبش في أربع أيام.
​خرجت من الأوضة.
​مازن حصلني في الممر.
​— منة تعبانة أوي يا ندى.
​— أنا شفت ده خلاص.
​— أمها هي اللي دفعت مصاريف أخر سنتين ليا في كلية الطب. وهي كمان اللي دفعت مصاريف عملية أختي لما مكنش حيلتنا أية حاجة. قبل ما تموت وصتني إن عمري ما أسيب منة.
​— وعشان كده هي دلوقتي خطيبتك؟
​جز على سنانه.
​— ممكن يكون فاضل لها وقت قليل أوي في الدنيا.
​وكأن مرضها ده عذر يخليني أختفي من جوازي أنا شخصياً.
​يوميها بالليل مازن مأخدنيش على بيتنا.
​أخدني على شقة في الدقي على بعد ست دقايق من المستشفى.
​أول ما دخلت شفت مجين مكتوب عليهم M و M.
​في الحمام كان في فرشتين سنان. وفي درج، أدوية منة. وفي الدولاب، قمصان مازن جنب فساتينها.
​— أنت عايش هنا؟
​— ساعات بقعد هنا علشان أساعدها.
​— من إمتى؟
​— من كام شهر.
​الفي اليوم ده استنيت لما نام على الكنبة وفتحت أبلكيشن البنك من موبايلي.
​الشقة كانت بتتدفع مصاريفها من حساب أنا ومازن كنا عاملينه علشان علاج الخصوبة.
​كان ناقص منه حوالي ٢٨٠ ألف جنيه.
​على مدار تلت سنين كنا بنحوش فيه أي قرش زيادة عشان الاستشارات وعملية نقل الأجنة. مازن كان عارف كويس أوي يعني إيه يلمس الفلوس دي.
​أنا مكنتش محتاجة أرجع ذاكرة أنا أصلًا مفرطش فيها.
​أنا كنت محتاجة أعرف بقالي قد إيه عايشة في حوارات وحياة تانية خالص معرفهاش.
​وكملت تمثيل.
​تاني يوم رجعت لوحدي لبيتنا الحقيقي في المعادي.
​صورة فرحنا كانت لسة متعلقة في الصالة. فستاني كان متشال. وملف الخصوبة بتاعنا كان لسة على المكتب.
​بس كمان لقيت فواتير الشقة، وإيصالات علاج منة، وفولدر فيه أسعار وترتيبات لفرح صغير وهيتم خلال تلت أسابيع.
​على ورقة منهم كان في نوت مكتوبة بخط إيد مازن:
​”عايزها تعيش يوم ماتحسش فيه إنها بتودّع الدنيا.”
​قعدت على الأرض.
​فقداني للذاكرة المزيف مكنش هو اللي خلق المشكلة.
​ده بس إداله الإذن إنه يبطل يستخبى.
​في اللحظة دي تليفوني رن.
​كانت ميرفت، مديرتي القديمة.
​”سمعت بالحادثة.. لما تبقي كويسة كلميني. فتحنا مكان جديد وفكرت فيكي.”
​قبل ما أتجوز كنت مهندسة ديكور ومشاريع. سبت الشغل لما جلسات علاج الخصوبة بدأت تاخد كل وقتي، ومازن وقتها قال إننا مش محتاجين مهنتين يهدوا حيلنا.
​بعد أسبوعين وافقت على الشغل من غير ما أقوله.
​فتحت حساب لوحدي في بنك تاني، ورجعت أحضر اجتماعات ورجع في ناس بتسألني عن رأيي قبل ما يأخدوا أي قرار.
​وفي الوقت اللي كنت ببنِ فيه حتة مني ضاعت، بدأت أكتشف وش مازن اللي عمره ما ورّاهولي.
ميرفت كانت تعرف منّة من سنين طويلة، وقابلتها كذا مرة هي ومازن. لما حكيت لها اللي بيحصل، سكتت كام ثانية قبل ما ترد: — يا ندى، دول كانوا مرتبطين فعلاً. ومش فترة قصيرة، قعدوا سبع سنين مع بعض.
​مازن حاول ينهي العلاقة أيام النيابة. وقتها منّة مرت بأزمة نفسية شديدة وانتهى بيها المطاف في المستشفى. أمها اتدخلت، ومازن رجع يقرب منهم بسبب الذنب، وبعدين أخد جنبه وتاني لما عرفني.
​فجأة افتكرت كل المكالمات المتأخرة بالليل طوال فترة جوازنا. مازن كان دايماً يقول إن في حالة حرجة، أو نائب محتاج مساعدة، أو طالبة عندها ظروف. كان دايماً بيجري ويسبني.
​كتير من الطوارئ دي كانت منّة.
​مرضها ظهر قبل حادثتي بحوالي سنة. ومن ساعتها المكالمات زادت، والمصاريف زادت، والليالي اللي بيباتها برة البيت كثرت.
​في يوم بعد الضهر مازن دخل الشقة اللي جنب المستشفى وأنا بعمل قهوة. قرب من ضهري وسند راسه على كتفي: — وحشني الوقت اللي كنتِ بتبصيلي فيه من غير خوف.
صدري اتخنق: — هو أنت بتقول الكلام ده لكل بنات عمك؟
جسمه اتشد، ورجع لورا: — مقصدش…
— ولا يهمك، أنا أصلاً مش فاكرة كويس.
​الكدب عليه كان بيجيبلي قرف، بس كمان علمني قد إيه الكدبة بتبقى سهلة لما البني آدم يقنع نفسه إن عنده سبب مجبر عليه.
​بعدها بكام يوم رحت لوحدي مركز التلقيح والخصوبة. أنا ومازن كان عندنا أجنة مجمدة. بقالنا شهور مستنيين تقييم أخير قبل ما نحدد ميعاد عملية نقل الأجنة. الدكتورة كشفت عليا وقالت: — طبياً نقدر نحدد الميعاد في أي وقت تحبيه.
​طوال تلت سنين كنت بحلم أسمع الجملة دي.
دلوقتي بقيت بفكّر بس: هل أنا عايزة أجيب عيل في علاقة جوزي فيها ممكن يحولني لـ “بنت عمه” لمجرد إن الحقيقة مش جاية على هواه؟
​ما حددتوش أي ميعاد.
طلبت إن أي استخدام للأجنة يتطلب إقرار وموافقة كتابية من الطرفين، ووقفت الإجراءات لأجل غير مسمى.
​في نفس الليلة، منّة أعلنت على العشا إنها هتوقف العلاجات الثقيلة: — أنا تعبت، ومش عايزة اللي فاضل لي في الدنيا يبقى كله ريحة مستشفيات.
مازن اتسمر مكانه. هي مسكت إيده: — أنا طالبة حاجة واحدة بس.
​وأنا كنت لسة بلعب دور بنت العم المتلخبطة.
​— عايزة فرح قبل ما أبقى مش قادرة أمشي.
مازن وشه أصفر: — منّة…
— مش كتب كتاب ورسميات، أنا عارفة إن ده ماينفعش. مجرد حفلة وخلاص. فستان وركود وصور. عايزة أحس إن أمي شايفاني ومطمئنة إنك وفيت بوعدك.
​مازن ماشالش إيده من إيدها.
​على مدار أسبوعين كان بيلف معاها يختار الورد والفستان وقاعة صغيرة في المعادي. وأنا كملت في شغلي، وقابلت محامية أحوال شخصية، وراجعت كل الحسابات والأصول والعقود اللي باسمي.
​ماكنتش عايزة أهد كل حاجة لمجرد الانتقام.
كنت عايزة أتأكد إنه مش هيعرف يقرر حاجة نيابة عني تاني.
​يوم الحفلة، منّة نزلت صور على الفيس. كانت لابسة أبيض، ومازن كان لابس البدلة الرمادي اللي حضر بيها عيد جوازنا. في صورة منهم كان بيبوس جبهتها قدام قوس ورد.
وكانت كاتبة: “في وعود بتتأخر، بس بتتحقق.”
​احتفظت بالصورة.
​بعدها بيومين مازن عدى عليا في الشغل عشان ياخدني. شافني طالعة من مكتب ميرفت: — أنتِ شغالّة؟
— أيوة.
— من إمتى؟
— من أسابيع.
— وليه ماقولتيليش؟
​بصيت له: — افتكرتك ابن عمي، ماكنتش أعرف إني لازم أستأذنك.
​إيده اتشدت على الدركسيون.
طلعت ملف مركز الخصوبة: — أنا كمان رحت للدكتورة.
​ملامحه اتغيرت: — افتكرتي موضوع الأجنة؟
— أيوة.
​ابتسم لأول مرة من أيام: — يعني نقدر نرجع للعلاج أول ما تحسي إنك أحسن؟
— لأ.
​الابتسامة اختفت: — يعني إيه لأ؟
— أنا وقفت الموضوع.
— يا ندى إحنا بقالنا تلت سنين بنستنى اللحظة دي!
— وأنت بقالك أسابيع بتقولي إنك ابن عمي.
— ده موضوع تاني خالص!
— فهمهولي طيب.
— مش هعرف.
— يبقى مش من حقك تاخد قرار معايا إننا نجيب طفل للدنيا دي.
​ضرب الدركسيون بإيده بغل: — عشان أنا جوزك!
​السكوت جوة العربية بقى مرعب.
​بصيت له.
تنفسه كان سريع جداً.
​— أنت قلت إيه؟
غمض عينيه.
كان الفأس وقعت في الرأس وخلاص.
​— أنا جوزك يا ندى. أنتِ مراتي.
​سندت ضهري على الكرسي: — غريبة أوي.. دي منّة بقالها أسابيع بتقول عليك خطيبها وأنت عمرك ما صلحتهالها.
— أنتِ مش فاهمة حاجة.
— فهماني أنت.
​مازن لف وشّه ناحيتي.
ولأول مرة من يوم الحادثة، ما بقاش في دور ابن العم، ولا المريضة المتلخبطة، ولا الحجج المريحة.
ما فاضلش غير جوزي.
واللي كان لسة هادد الكدبة اللي بناها بإيده.
— أنا عمر ما فقدت الذاكرة — قلتها.
​مازن قطع النفس لثانية.
— إيه؟
— أنا فاكرة كل حاجة من أول ما فتحت عيني في الطوارئ.
​وشه بدأ يتغير بالبطيء.
— ندى…
— أنا سمعت كل كدبة.
​عديت له كل حاجة بالواحدة: الشقة، الـ ٢٨٠ ألف جنيه اللي اتأخدوا من تحويشة علاج الخصوبة، المكالمات المتأخرة بالليل، ميزانية الحفلة، الصور، وكل مرة يقدمني فيها على إني حد تاني غير مراته.
​— أنا كنت عايز أحميكي!
— أنت مسحت وجودي!
— منّة بتموت!
— وأنا عايشة.. وده كان الإذن اللي إدته لنفسك عشان تجرحني.
​ساق العربية لحد بيتنا. دخل ورايا وشاور على صورة فرحنا اللي في الصالة:
— بصي لها.. دي حياتنا! أنتِ مراتي، منّة مش مراتي.
— طب قولي ليه كان لازم تقنعني بالكسر ده؟
​اترمى على الكرسي وغطى وشه:
— لما صحيتي متلخبطة، فكرت إني ممكن أديها كام يوم أمل من غير ما أهدك أنتِ.
— أنت مكنتش بتحميني من الهدم.. أنت كنت بتحمي نفسك من إنك تشوف رد فعلي.
— أمها إديتني كل حاجة لما مكنش حيلتي أي حاجة!
— إنك ترد الجميل مش معناه إنك تحول جوازنا لدَين بتدفعه من حسابي!
​مسك وشه بإيديه:
— لما حاولت أسيب منّة زمان، دخلت المستشفى.. أمها خليتني أوعدها إني عمر ما أسيبها أو أتخلى عنها.
— أنت وعدت بحاجة مكنش عندك أي حق تدفع ثمنها من حياتي أنا.
​رفع عينيه ليا:
— أنا بحبك.
— أنا معترضتش على ده.
​الكلمة دي شكلها وجعته أكتر من أي حاجة ثانية.
​— يبقى أنا مش فاهم!
— المشكلة بالضبط إنك بتحبني، ومع ذلك قررت إن مالنيش حق أعرف الحقيقة.
​حاول يقرب مني، فارجعت خطوة لورا.
​— أنت استغليت إن شخصيتي قوية عشان تظلمني.. افتكرت إني أقدر أستنى لأني سليمة، وإني أقدر أسامح لأني متزنة، وإني أقدر أستعد فلوس لأني بشتغل، وإني أقدر أستحمل إهانة ثانية لأني دايماً بقوم على حيلي.
​مازن بدأ يعيط:
— هي خايفة تموت يا ندى!
— وأنا كمان كنت خايفة! خايفة مش أقدر أبقى أم.. خايفة أضيع سنين من عمري في المحاولة.. خايفة في يوم من الأيام تبطل تختارني. عمر ما استغليت مخاوفي دي عشان أكدب عليك!
— الحفلة مكنتش حقيقية!
— بالنسبة لي كان حقيقي أوي إني أشوفك واخد دور جوز واحدة ثانية.
— مفيش أي حاجة جنسية حصلت بنا!
— أنا مش محتاجة خيانة جسدية عشان أحس إنك بعتني.. أنت حولت جوازنا لقصة ينفع تعدل فيها وتغير أبطالها على حسب مين بيعاني أكتر!
​في الليلة دي نمت في أوضة ثانية.
تاني يوم الصبح كلمت المحامية وطلبت الطلاق.
​مازن رفض في الأول.. طلب مني أستنى لحد ما منّة تموت، وكأن حتى نهاية علاقتنا لازم تظبط ساعتها على مواعيد حياتها هي!
​عزلت وقعدت في شقة قريبة من مكتب ميرفت.
مظهرش في حياتي أي راجل تاني.
ومكنتش محتاجة اصلاً.
​الرجوع للشغل عمل حاجة مكنتش متوقعاها: فكرني يعني إيه أخد قرارات من غير ما أسأل نفسي هل ده هيعقد حياة مازن ولا لأ.
​فتحت حساب باسمي.. رجعت أسوق.. سافرت لوحدي الإسكندرية أشرف على مشروع.. أدرت اجتماع قدام عشرين بني آدم. كل حاجة كانت تبان صغيرة، بس مع بعض رجعوا يبنوا الست اللي أنا كنت سبتها ورايا من زمان.
​منّة توفت بعد تلت شهور.
مازن بعت لي مسج: “راحت في سلام.”
رديت: “البقاء لله.”
ومزودتش كلمة.
​أنا مكنتش بيكره منّة.. هي كانت مريضة، خايفة، ومحبوسة لسنوات في علاقة هي كمان مكنتش عارفة تسيبها. بس وجعها مكنش ينفع ينضّف قرارات مازن ولا يخليها صح.
​بعد خمس شهور لقيته واقف مستنيني برة المكتب.. كان خسس أوي.
​— أنا بروح لدكتور نفسي.
— كويس، ده شيء يسعدني.
​تمشينا لحد جنينة قريبة.
​— أنا فهمت متأخر أوي يا ندى.. قعدت سنين بلخبط بين الالتزام والدّين.. وبعدها تلخبطت بين إني أراعي حد وبين إني أطيعه أعمى. لما أنتِ ظهرتي في حياتي، افتكرت إني أقدر أبدأ حياة ثانية، بس أنا عمري ما قفلت الباب القديم.
​مسكت نفسي وما رديتش.
​— لما منّة تعبت، قررت إنك أنتِ القوية.. أنتِ اللي تقدر تستنى، وتتفهم، وتفضل موجودة.
— أنت حولتني للشخص الوحيد اللي دايماً ينفع تطلب منه تضحية زيادرة.
​بهت دماغه: — أيوة.
وما زودش كلمة “بس”..
وده كان شيء جديد عليه.
​— أنا عايز أصلح أي حاجة أقدر عليها.
— إمضي على ورق الطلاق.
​غمض عينيه: — هو ده الطلب الوحيد اللي عايزاه مني؟
— ده أول حاجة أنا محتاجاها.
​بعد أسبوعين وافق.
اتقابلنا في كافيه قدام المحكمة.. كان معاه الورق.
​— أنا صعبان عليا أوقع.. حاسس إني بفيصل أخر باب بنا.
​بصيت للقلم: — يمكن محتاج تقفله عشان تتعلم إنك ينفعش تدخل حياتي لمجرد إنك في يوم من الأيام كان معاك المفتاح.
— هو في أي أمل إننا نكبدأ من جديد في يوم؟
— إمضي الأول.
​مسك القلم ووقع.
​ولما طلعنا، كان ماسك نسخته من عقد الطلاق بين إيديه: — طب… ينفع ألوما عزمتك على العشا في يوم من الأيام؟
​بصيت له.
لثانية واحدة شفت الراجل اللي حبيبته زمان.. وفي نفس اللية شفت الراجل اللي قدمني على إني بنت عمه عشان ما يضايقش واحدة ثانية.
​— لأ.
​الأمل اختفى من وشه تماماً: — أنا افتكرت إن يمكن…
— أنا قلت إنك محتاج تقفل الباب.. عمر ما وعدتك إني هفتح باب تاني.
​بص للأرض: — فهمت.
— أتمنى تكون فهمت بجد.
​بدأت أمشي.
​— والأجنة؟ — سألني وهو ماشي ورايا.
​وقفت.
لسنين طويلة السؤال ده كان ممكن يكسرني.
​— هتفضل مجمدة لحد ما نأخد قرار قانوني مشترك بخصوصها.
— أنتِ مبقتيش عايزة تبقي أم؟
​لفيت وشي ناحيته:
— أيوة عايزة.. بس إني أكون عايزة حاجة أوي مش معناه إني أقبل أخدها جوة علاقة مبقتش أمان بالنسبة لي.
​مازن هز رأسه بالبطيء: — أنا آسف.
— وأنا كمان.
​ده مكنش صلح..
دي كانت الحقيقة.
​جوازنا كان فيه حب حقيقي، واهتمام حقيقي، وكان فيه كمان خيانة حقيقية.. التلت حاجات كانوا موجودين في نفس الوقت.
​بعد سنة اترقيت وبقيت مديرة مشاريع. ورجعت أوقع باسمي الأصلي: ندى النجار. بقيت أسافر أكتر، وأخد قرارات كانت بالنسبة لي زمان معقدة أوي.
​في ليلة معدية من قدام القصر العيني، افتكرت أول سؤال سألته لنفسي لما فتحت عيني:
“حضرتك مين؟”
​لسنين افتكرت إني كنت بسأل مازن..
بس الحقيقة إني كنت بسأله لنفسي أنا.
​أنا مين لما ببطل أكون الزوجة اللي مستنية، والست القوية اللي دايماً بتستحمل، والشخص اللي الناس فاكرة إنها بتحميه لما تخبي عنه الحقيقة؟
​الإجابة ظهرت في القرارات الصغيرة: إني أقول “لأ”، إني أرجع أشتغل، وإني أتقبل إني ينفع أكون لسة بحب حد ومع ذلك أرفض أؤتمنه على حياتي.
​مازن افتكر إن تمثيليتي العفوية إدت له الإذن يعيد كتابة واقيعي لكام يوم..
بس في الآخر، الكدبة دي أجبرتني أفتكر حاجة أهم بكتير:
​إنك تكون قوي مش معناه إنك تستحمل كل حاجة..
ساعات القوة الحقيقية بتكون في إنك تعرف إمتى تبطل تستحمل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *