لو هتمضي حصري لصفحة روايات رولا

حصري لصفحة روايات رولا
—لو هتمضي النهاردة، هديكي 120 ألف جنيه وتختفي تماماً من حياة ابني.
​صوت حماتي كان هادي لدرجة إني للوهلة الأولى افتكرت نفسي دخلت شقة غلط. أنا كنت راجعة من إسكندرية قبل معادي بيومين، وفي صالة شقتي في التجمع، لقيت ثريا قاعدة بكل أريحية وكأنها صاحب البيت، وجنبها واحدة تانية أنا عارفة شكلها كويس أوي، كانت نازلة تقليب وتفتيش في درفي ودرجي.
​شنطتي كانت مرمية جنب الباب، وشوية من بلوزاتي طالعة من السوستة المفتوحة نص فتحة. وعلى الترابيزة كان محطوط إقرار طلاق عليه توقيع جوزي شريف، وجنبه قلم فضة محطوط بالضبط في المكان اللي المفروض أوقع فيه.
​الست التانية، رانيا، خرجت من أوضة النوم وهي شايلة شنطة زبالة سودا كبيرة.
​— الحاجات دي خلاص ملهاش لازمة، أنا ههد الشقة دي وأعيد ديكورها من أول وجديد.
​جوة الشنطة لقطت بعيني علبة المجهورات الخشب اللي كانت بتاعة أمي الله يرحمها.
​— شيلي إيدك من على حاجتي.
​رانيا ابتسمت ببرود:
— كمان كام أسبوع الحاجات دي كلها هتبقى ملكي.
​ثريا زقت القلم ناحيتي وقالت:
— بلاش تعملي شو وتلمي علينا الناس. شريف أخيراً لقى الست اللي تقدر ترفعه لفوق وتعمله قيمة. وقّعي وامشي بكرامتك.
​بدل ما أمد إيدي وأخد القلم، فتحت شنطتي وطلعت منها ظرف أصفر تقيل. ما فتحتوش ساعتها، حطيته بس جنب ورقة الطلاق، وقعدت أضحك.
​ثريا حواجبها اتعقدت وقالت:
— أنتِ اتجننتِ ولا إيه؟
​لا، أنا ما اتجننتش. أنا بس لأول مرة من سنين كنت شايفه كل حاجة على حقيقتها.
​أنا شغلي الأساسي إدارت أزمات في الشركات الكبيرة. لما شركة تقع في مصيبة، أو يتسرب لها ورق، أو يحصل حادثة، أو لما الإدارة تترعب، بيجيبوني عشان ألم العك وأرتب الأوراق قبل ما الخوف يتحول لحريقة تأكل الأخضر واليابس. من شغلي اتعلمت فرز الكدبة المتفبركة في ساعتها من الكدبة المتترتبة والمتراجعة كويس. الغريبة والمضحك في الموضوع، إني قعدت السنين دي كلها وما عرفتش أطبق اللي بتعلمه على بيتي وجوازي.
​أنا اتعرفت على شريف أيام ما كنا بنجدد مركز ثقافي في وسط البلد. هو كان مهندس معماري وشاطر بجد وعنده موهبة، بس كان بيجيله شلل وتأتأة لما حد يرفع صوته عليه. في أول اجتماع لينا، واحد من المستثمرين ضرب بعنجهية على الترابيزة وصرخ بسبب عيب في واجهة المبنى. شريف وشه جاب ألوان وعرق ووقف مذهول.
​أنا دخلت في الكلام فوراً:
— الأول نفصل المعلومات المترتبة والمثبتة عن مجرد التخمينات، وبعدها نقعد نتكلم في المسؤوليات.
​في أربعين دقيقة، الخناقة والزعاق تحولوا لخطة عمل لتصليح العيب. وبرا القاعة، شريف بصلي وكأني نقذت المبنى كله من الإنهيار.
​— أنتِ عملتِ اللي كان المفروض أنا أعمله.
​— أنت كان معاك التفاصيل والأرقام، كان ناقصك بس تقول أول جملة بثقة.
​أنا اتفتنت بضحكته الخجولة وبطريقته وهو بيتكلم عن الإضاءة والمساحات وتطوير القاهرة. بس أنا لأسف خلطت بين خوفه من المواجهة وبين الرقة والاحتواء.
​اليوم اللي قابلت فيه أمه ثريا كان المفروض أفهم كل حاجة من بدري. مسكت كارت شغلي، وبصت فيه بقلة ذوق وقلبته على وشه على الترابيزة.
​— يعني بياخدوكي عشان تنضفي ورا قرف الناس ومشاكلهم؟
​— أنا بصمم استراتيجيات للإعلام وإدارة الأزمات.
​— هي هي، بس تحسيها شياكة بالكلمات. شريف ابني يستاهل عيلة لها وزنها ومعارفها.
​وشريف ساعتها ما فتحش بؤه ولا دافع عني.
​— أمي طريقتها دبش ودغري، ما تاخديش على كلامها.
​وده كان شكل حياتنا وجوازنا: ثريا تضرب وتخبط، وشريف يستخبى ورايا، وأنا اللي ألم الغسيل المبتل وأشيل الشيلة العاطفية والنفسية للكل.
​ومع الوقت اكتشفت حاجة أوسخ: شريف ما كانش بيهرب من المشاكل، هو كان بيختار مين اللي يقدر يتشطر عليه. كان ممكن يقل من حد مش هيعرف يرد عليه، ويستخبى ويكش لما يلاقي حد يقفله. أنا بس اللي أخدت وقت طويل عشان بطلت أسمي الجبن والنذالة دي “حساسية مفرطة”.
​في عزومة عائلية، ثريا بدأت تتكلم عن جاليري ورجال أعمال في الشيخ زايد بتديره واحدة اسمها رانيا الألفي.
​— عيلتها فلوس وتقيلة، ومعارف وكبارات ومقتنيات فنية. ست زي دي هي اللي تفتح أبواب ومجالات للera بتاعت المعماريين اللي بجد.
​شريف على طول طلع تليفونه وسرش على الاسم قدامي.
​— بيقولوا بيمولوا مشاريع خاصة كمان.
​رديت عليه بثبات:
— أنت تقدر تجيب شغل وتكبرها بشغلك ومجهودك أنت.
​فاتضايق ووشه اتغير:
— أنتِ على طول بتتكلمي وكأنك بتكتبيل تقرير وتقيميني.
​بعدها بأسابيع بدأ يخرج كل يوم سبت. يقولي “معاينات موقع”، “اجتماعات شغل”. وبعدين بدأ يخبي التليفون، ويغير الباسوردات، ويحط برفيوم تقيل ومخصوص وهو رايح المعاينات المزعومة دي.
​وفي ليلة في الفجر، جاله اتصالات متسجل باسم “R”.
​رد بصوت واطي وهو جوة الحمّام:
— مش ينفع دلوقتي.. السبت هجيلك.
​أنا ما عملتش زيطة ولا واجهته. كتبت التواريخ، راجعت الكلام المتناقض، واستنيت.
​الدليل الجاطع لقيته في جيب بليزر من بتوعه: دعوة VIP لمعرض خاص في جاليري الألفي. وورا الدعوة مكتوب بخط إيد: “عشان بدايتنا الجديدة سوا”.
​يوم السبت مشيت وراه لغاية أركان في الشيخ زايد. ومن كافيه قريب شفته طالع ومبتسم وحاضن رانيا. وهي كانت بتبدّل الساعة اللي أنا كنت جيبهاله في عيد ميلاده بساعة تانية أغلى بكتير.
​صورتهم بالكامل، وبالليل حطيت الصور قدامه على الترابيزة.
​— من إمتى؟
​حتى ما حاولش يعتذر ولا يتأسف.
​— أنتِ كنتِ بتراقبيني وبتمشي ورايا؟
​— رد عليا.
​— الجواز دا بقاله فترة خنقني ومفطسني.
​— والنوم معاها هو اللي بيدي الأكسجين؟
​— عيلتها مؤمنة بيا ومهتمة بقدراتي. هما اللي هيفتحولي مكتبي الخاص.
​ساعتها بس فهمت.. هو ما كانش بحب رانيا ولا حاجة. هو كان بحب صورة نفسه الجديدة اللي شافها في منظرة فلوسها.
​لميت حاجتي ومشيت في نفس الليلة، وشريف حتى ما حاولش يقف في طريقي ولا يمنعني.
​رحت قعدت في أوتيل. وقبل ما أنام فتحت اللاب توب بتاعي وسرشت على اسم رانيا الألفي. السيرة الذاتية بتاعتها كانت بتلمع وزي الفل، بس كان فيها ثقوب وفاغات كتيرة أوي ومش منطقية.
​قررت أقصقص الأثر وأعرف شريف باعني واشترى إيه بالظبط ببيعه ليا وبتعريضه لنفسه.
في الاوتيل، بدأت أدور ورا رانيا زي ما بفتش ورا أي شريك تجاري خطورته عالية. لقيت كورسات سريعة معروضة على أنها شهادات علمية معتمدة، وحوارات صحفية مدفوعة الأجر، وشركات بأسماء مختلفة، ومعارض فنية مبيعاتها يستحيل التحقق منها. أأجرت فريق تحريات واستخبارات شركات كنت اشتغلت معاهم قبل كده: شغلهم كله بالسجلات الرسمية العامة، وملفات الاستثمار التجاري، والمصادر القانونية. بعد 10 أيام طلبوني. الباحث حط ملف رمادي قدامي:
​— موضوع مسايرة جوزك ومشاعره ده مش هو المشكلة الرئيسية هنا.
​فتحت أول صفحة. اسم أب رانيا كان متوصل بـ 3 شركات تحت التحقيق في قضايا غسيل أموال ومعاملات غير مشروعة. شريف ما سابنيش عشان واحدة غنية ولا حاجة.. هو رمى نفسه بيده في مصيدة متكربة صح.
​الملف كان بيثبت إن ثروة عيلة الألفي في معظمها مجرد منظرة وواجهة. كان في شركات بتتقفل وتتفتح في مدد قصيرة جداً، ولوحات وفنون بتتتباع وترجع تشتريها شركات تانية تبعهم، وديون بضمان عقارات وممتلكات محجوز عليها أصلاً ومش حرة. ورانيا كان عندها جوازتين سابقين ما تجابش سيرتهم في أي لقاء أو حوار ليها، غير كمية قضايا ومحاضر مدنية بسبب قروض وفلوس ما اتسددتش.
​الباحث زق ملف تاني ناحيتي:
— وفي حاجة كمان.. جوزك اسمه بدأ يظهر ويتدبس.
​حسيت بتلج بينزل على صدري:
— إزاي؟
​— من 3 أسابيع وقع كاستشاري هندسي لشركة جديدة.. ووقع كمان كضامن متضامن في قرض بقيمة 4 مليون و800 ألف جنيه.
​شريف مش بس خان بيته وعشرتنا.. ده كتب اسمه بنفسه في ديون العيلة اللي وعدته “ترقيه وتعمله قيمة”.
​— هو عارف هو وقع على إيه؟
​— ما نعرفش نيته، بس التوقيع المعتمد بتاعه موجود ورسمي.
​دي كانت أول مفاجأة وهم ما يتخيلوش أبداً إني هعرفها. المكتب اللي رانيا كانت هتديهوله ما كانش هدية ولا حاجة.. دي كانت شركة غرقانة ديون، ومحتاجين مهندس سابقت أعماله ونظيفة واسمه مش ملوث عشان الشغل يبان قانوني وسليم.
​عملت 3 نسخ من الملف. نسخة راحت للمحامية بتاعتي، ونسخة في خزنة أمانات، والنسخة التالتة هي اللي كانت جوة الظرف الصفراء اللي محطوط قدام ثريا دلوقتي.
​سفريتي لإسكندرية جِت بعد كده على طول. شريف بعتلي رسالة: “لما ترجعي، خدي حاجتك ومشي”. وثريا كانت أوضح واأوقح: “وقعي ونديكي القرشين دول عشان ما تدايقناش”.
​بس أنا رجعت بدري.
​ودلوقتي رانيا جوة أوضة نومي، وثريا بتقسم دنيتي وعفشي وكأنه تركة ورث.
​فتحت الظرف.
— قبل ما تطردوني، لازم تعرفوا مين بالظبط اللي بيشتري المستقبل الباهر بتاع شريف.
​حطيت على الترابيزة نسخ من السجلات التجارية، والقضايا، وحركة الشركات.
​رانيا وقفت فجأة وشها اتغير:
— اللي بتعمليه ده غير قانوني!
​— كل الورق ده طالع من سجلات متاح الاطلاع عليها وملفات مستخرجة بالقانون. والورق الأصلي مش هنا أصلاً.
​ثريا مسكت ورقة وإيدها بترعش:
— إيه الكلام ده؟ يعني إيه؟
​— يعني المقر اللي بيقولوا هيسلموه لشريف محجوز عليه مرتين. وابنك الموقع كضامن لـ 4 مليون و800 ألف جنيه ديون.
​وش ثريا اتخطف ولونه هرب منه:
— رانيا.. قوليلي إنها بتكدب!
​رانيا ما ردتش ولا كلمة.
​كملت كلامي:
— وده بقى.. الجزء اللي المفروض يقلقك أكتر يا ثريا هانم.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *