لو هتمضي حصري لصفحة روايات رولا

​حطيت على الترابيزة قضايا ومحاضر طلاق من اتنين أزواج سابقين. ما كانش فيها حكايات ولا شو، كانت مجرد تواريخ، وبلاغات، وتسويات، وأوامر بعدم التعرض.
​ثريا بصت لرانيا:
— أنتِ اتجوزتِ مرتين قبل كده؟!
​— دي حاجة ما تخصكيش.
​— أنتِ قايلالي إنك ما اتجوزتيش خالص!
​رديت أنا:
— وابنك برضه ما قالش لمراته إن عنده ست تانية.
​ابتسامة رانيا اختفت تماماً.
​تليفونها رن. بصت في الشاشة وراجعت ورا شوية.
​— في إيه؟ مالك؟
ثريا بتسألها، بس رانيا ما ردتش عليها. جابت تليفونها في شنطتها ولمت حاجتها بسرعة.
​— الكلام ده مش هيغير حاجة. شريف خلاص اختار.
​— مظبوط جداً —رديت بثبات— يبقى هو كمان اختار الدين والدفع.
​ثريا وقفت وهي مهزوزة:
— استني بس.. احنا ممكن نتكلم مع شريف، ممكن نلغي كل حاجة ونصلحها.
​— أنا عن نفسي لا.
​مسكت ورقة الاتفاق اللي كانوا مجهزينها، وقطعتها قدامهم حتت صغيرة.
​— الـ 120 ألف جنيه خليهم معاكي ينفعوكم. المحامية بتاعتي هي اللي هتتواصل مع ابنك.
​رانيا قربت مني أوي لدرجة إني شمت ريحة برفيومها:
— أنتِ مش عارفة أنتِ بتلعبي مع مين وبتعادي مين.
​بصيت في عينها مباشرة:
— لا عارفة، وعشان كده بالظبط أنا أمنّت نفسي وعملت نسخ.
​خرجت وأنا ماسكة علبة مجوهراتي، وورقي، وشنطتي. المرة دي ما حدش كان بيطردني ولا برميني برة.. أنا اللي كنت بظرف الباب وبقفله ورايا للأبد.
​بعد أسبوعين، شريف أنكر علاقته برانيا تماماً في أول جلسة وتجمع قانوني. وبعدها نزلت الصور، والحجوزات، والرسائل، والتحويلات النقدية. ساعتها اضطر يغير كلامه وروايته.
​بس القلم الصح والصدمة الحقيقية ما كانتش جِت لسه.
​المحامية بتاعتي جيلها إخطار رسمي من البنك: القرض أبو 4 مليون و800 ألف جنيه دخل في مرحلة التعثر وعدم السداد..
​وشريف كان هو الضامن المتضامن الوحيد اللي عنده أملاك وحسابات معتمدة ومثبتة ينفع يتحفظ عليها.الطلاق مشي في إجراءاته والوهم بتاع شريف كان بيهرب وبيتهد بسرعة ما كنتش أنا نفسي أقدر أخطط لها ولا أتمناها. رانيا بطلت تتكلم عن الحب والرومانسية، وبدأت تتنطط عليه وتطالبه بـ “الالتزام باللي اتوقع عليه”. المكتب اللي توعد بيه ما اتفتحش خالص، والمقر اللي ورّهوله على إنه هيبقى شركته الجديدة طلع تبع شركة تانية أصلًا وفي طريق التحفظ عليه والمزاد.
​ثريا اتصلت بيا 11 مرة في يوم واحد. ما رديتش. وبعدها بعتتلي فويس:
— يا داليا، أرجوكي.. أنتِ بتفهمي في الشغلات دي. قولي لشريف يعمل إيه والتصرف الصح إيه.
​حفظت الفويس عندي وما رديتش برضو.
​في الجلسة الأخيرة، شريف جه بنفس البدلة الكحلي اللي كان بيلبسها في الاجتماعات المفتكسة والمهمة، بس كان طالع واحد تاني خالص. كان خاسس أوي، وعينيه زايغة وبيهرب من إنه يحط عينيه في عيني.
​محاميه حاول يقلل مبلغ التعويض وبيدّعي إن انفصالنا كان بسبب “عدم التوافق”. بس المحامية بتاعتي عرضت التسلسل الزمني باليوم والساعة، وأدلة العلاقة، والرسائل اللي من ثريا وهي بتضغط عليا عشان أسيب البيت وأطلع منه بره مقابل شوية الفلوس.
​القاضي ما عملش من الموضوع فيلم ولا دراما، وما كانش محتاج أصلاً؛ الحقايق لما تتترب صح وبثبات بتكون كافية أوي.
​أخدت حقوقي الكاملة والتعويض المظبوط، وتقسيم عادل للي بيننا. ما بقيتش غنية من ورا الموضوع، وما كنتش محتاجة أبقى غنية أصلاً.. كل اللي كسبته الحقيقي إني خرجت من غير ما أشيل شيلة ولا ديون ما ليش أي يد فيها ولا وافقت عليها.
​افتكرت إن القصة خلصت لحد هنا.
​بعد 3 شهور، جالي اتصال من الباحث اللي تبع مكتب التحريات:
— في جديد في موضوع شريف.
​رانيا وأبوها كانوا استخدموا توقيع شريف في أوراق داخلية كتيرة أوي أكتر من اللي كان فاكرها. ما يقدرش حد يقول إنها مزورة لأن توقيعه عليها حقيقي وفي السليم؛ المشكلة إنه كان بيوقع على رزَم أوراق كاملة من غير ما يقراها، وهو مقتنع ومخدوع إنها إجراءات فتح الشركة والمكتب بتاعه. ودلوقتي في التزامات بالهبل نازلة على دماغه هو.
​ودي كانت المفاجأة التانية: نفس الجبن والنذالة اللي خلوه يسيب غيره يقرر عنه، هما هما اللي حولوه لأفيد وأسهل حلقة في سلسلة نصابين محتاجين حد مدمس ومطيع يشيل الشيلة.
​أنا ما شمتش في خرابه، بس في نفس الوقت ما جريتش عشان أنقذه.
​رانيا سابته وتبخرت أول ما فهمت إنه خلاص جاب آخره وما بقاش منه رجاء ولا ينفع تاخد منه قروض تانية. وثريا، اللي قعدت شهور تتفشخر وتتمنظر إن ابنها هيدخل “مجتمع الفن الهانم”، راحت تدور على عيلة الألفي، ورجعت بتعيط بعد ما طردوها وما رضوش حتى يدخلوها من الباب.
​أنا غيرت الشقة، وكملت في شغلي، وبدأت أتدرب وأتسلق في صالة ألعاب صغيرة. كنت بحب الرياضة دي لأن ما حدش ينفع يطلع المكان بدالك؛ لو إيدك سابت المقبض، بتقع كام متر، وبعدها بتقوم وتحاول تاني.
​في يوم الصبح، وأنا داخلة برج الشركة اللي فيها مكتبي، لقيت شريف واقف عند البوابات الإلكترونية.
كان قميصه مكرمش، وتحت عينيه سواد وشفاطة رهيبة.
​— داليا.
​كملت مشي وما وقفتش.
​— أنا محتاج 12 دقيقة بس من وقتك.
​— تقدر تحجز استشارة مع شركة متخصصة.
​— أنا مش عايز شركة.. أنا محتاجلك أنتِ.
​وقفت.
​ولأول مرة، نطق الحقيقة وقال اللي جوازنا كان عليه من الأول.
هو ما كانش بيحبني كشريكة حياة.. هو كان بيستخدمني كدرع يحميه.
​كمل كلامه بلهفة:
— أنتِ على طول بتعرفي تتصرفي وتعملي إيه.. تقدر تتكلمي مع البنك، وتراجعي العقود، وتطلعينا منها.
​— أكيد أقدر أحل أي أزمة.. بس الأزمة دي مش بتاعتي.
​نزل على ركبه قدام الموظفين والأمن واللي طالع واللي نازل.
— سامحيني.. رانيا ضحكت عليا وخدعتني، وأمي كمان كانت غلطانة.. لو نرجع ونبدأ من جديد، أنا…
​— لأ.
​بصلي وكأنه عمره ما سمع الكلمة دي مني قبل كده.
​— أنا دافعت عنك سنين طويلة في مشاكل أنت اللي بتعملها لنفسك وتوقع نفسك فيها. كنت بشرحلك، وأغطيك، وأهديك، وأتفاوض بدالك.. وكل مرة حد كان بيمس كرامتي ويقل مني، كنت أنت بتسمي سكوتك وجبنك “سلام”.
​— أنا اتغيرت.
​— يمكن تتغير، بس مش محتاج تثبت ده معايا ولا على حسابي.
​حاول يمسك الجاكيت بتاعي، فالأمن قرب على طول:
— يا أستاذ، ما ينفعش تعطلها كده.
​شريف نزل إيده بالبطيء:
— داليا، عشان خاطري.. أنا خايف.
​بصيت فيه لحظة. ما حسيتش بكره، وده كان أغرب إحساس.. أنا بس شفت قدامي راجل خلط بين الطمع والفضيلة، وبين الخنوع والذكاء.
​— يبقى اتعلم تعدي خوفك وتواجهه من غير ما تحط ست تانية قدامك تحميك.
​عديت الكارت بتاعي، والبوابة اتفتحت.
من ورايا، شريف نادى اسمي تاني.
ما بصيتش ورايا ولا التفتّ.
​في اليوم ده بعد الضهر رحت أتدرب على التسلق. وصلت لمسار بقالي أسبوعين مش عارفة أخلصه. وفي نص الحيطة، إيدي بدأت تترعش. زمان كنت هتدور على حجة، بس اتنفست، ونقلت ثقل جسمي، ولقيت مسكة صغيرة على اليمين.
​طلعت.
ولما دوست على الزرار فوق في القمة، الصوت المعدني خاني وأنا ببتسم.
​سنين طويلة كنت فاكرة إن حب حد معناه إنك تبقى ملجأه وأمانه. وبعدها فهمت حاجة أصعب: لو عشان تسند بني آدم تاني لازم تصغّر نفسك وتقلل منها، ده ما يبقاش حب.. ده يبقى استنزاف.
​ثريا كانت عاوزه كنة بلقب وعيلة ومعارف. وشريف كان عايز ست تشيل عنه قرف الحياة من غير ما تحسسه بإنه ضعيف. ورانيا كانت عايزة اسم نظيف تغطي بيه شغلها الشمال. التلاتة كانوا مستنيين مني أقبل بالدور اللي رسموهولي.
​أول قرار حقيقي ملكي كان إني أخرج من البيت ده من غير ما أوقع.
والقرار التاني كان إني ما أرجعش لما بدأوا يترجوا ويتوسلوا.
​والقرارين دول بالذات.. كانوا أغلى وأهم من أي تعويض في الدنيا.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *