مجوهرات حصري لصفحة روايات رولا

حصري لصفحة روايات رولا
الجزء الأول
​— شيلي القرف ده من على الفستان! لو معندكيش جوهرة عدلة تلبسيها، على الأقل متفضحيناش قدام الناس وتجيبي لنا العار.
​شاهيناز مأستنتش حتى تاخد رد. وقبل ما ندى تلم نفسها وترجع لورا، كانت حماتها مدت إيديها وبكل غشم شدت الدبوس المعدن الصغير اللي كان متثبت جنب رقبتها، ونترته حيلها. القماش الكحلي اتشد والبروش جرح جلدها.
​ندى وقفت مكانها مش بتتحرك من الصدمة.
​— هاتيها، لو سمحتي.
​— هي ايه دي؟ — شاهيناز ضحكت ضحكة مسخرة وبايخة—. دي شبه الفيش البلاستيك بتاعة الأسواق القديمة.
​وراحت رمياها جوة شنطتها.
​أحمد، جوز ندى، خرج من الاوضة وهو بيقفل زراير بليزر المعازيم. كان سامع الصوت العالي من جوة، بس عمل زى كل مرة: يحاول يقفل الموضوع ويهديه قبل ما يفهم اصلاً ايه اللي حصل.
​— يا أمي، يا ندى، يلا بينا بقا. ده حفل تكريم عمي حسام.
​— أنا بس شلت البتاعة المصلدية العجيبة دي — شاهيناز قالتها وهي بتبص لندى بقرف—. النهاردة الحفلة فيها دكاترة، وأساتذة جامعة، وناس لها وزنها. مش عاوزة حد يفتكر إننا جايبين ناس من الشارع.
​ندى بصلت لجوزها بقلة حيلة.
​— قولها ترجعها لي يا أحمد.
​أحمد اتنهد بنفاذ صبر:
— ندى، بلاش نكد وتعملي مشكلة من لا شيء. لو أمي شايفاها مش مناسبة للمناسبة دي، خلاص سبيها النهاردة وهي بكرة هترجعها لك.
​الكلمتين دول وجعوا ندى أكتر من شدة الدبوس في جلدها.
​ما كانتش أول مرة أحمد يشتري راحة بال أمه على حساب إنه يسمع مراته أو يقف جنحها.
​بعد ساعة، كانوا وصلوا لمطعم وفندق كبير في الزمالك بيطل على النيل. شاهيناز كانت منظمة كل فتفوتة في حفلة أخوها: ورد أبيض، ويترات ببدل شيك، صور عائلية، أماكن متقسمة بالاسم، ومنيو أكل بقالها أسبوعين بتتفشخر بيه قدام القرايب.
​ندى حطوها تقعد تقريباً في آخر الترابيزة من ورا.
​قدامها كان قاعد الدكتور صلاح، جراح متقاعد مقضي طول عمره يخدم في المستشفيات الحكومية والقصر العيني.
​وهم قاعدين بياكلوا، شاهيناز طلعت تليفونها من الشنطة، فالدبوس المعدن وقع منها ونزل يرن جنب كاس المية.
​— أهو كنزك وقع أهو — أحمد وشوش مراته—. ابقي لميه وأنت قايمة.
​ندى ماردتش ولا كلمة.
​بس الدكتور صلاح لمح الدبوس.
​في الأول ضيق عينيه وركز معاه، وبعدين مد إيده ومسكه بصباعين ورفعه لفوق عشان يشوفه تحت إضاءة النجف.
​ملامح وش الدكاترة الهادية بتاعته اتغيرت تماماً.
​— الدبوس ده بتاع مين؟
​شاهيناز ردت بتكبر وسخرية:
— بتاع مرات ابني. كانت جاية تقرفنا ولابساه في الفستان، حاجة كدة مالهاش أي قيمة.
​الدكتور رفع عينيه وبصلها بحدية:
— مالهاش قيمة؟
​الترابيزة كلها بدأت تسكت والصوت يهدى تدريجياً.
​ندى حست بضربات قلبها بتجري وزي ما تكون بتدب في ودنها.
​الدكتور صلاح مسك الدبوس وحطه قدام ندى بالراحة وباحترام شديد، كان عكس الغشم اللي شاهيناز شدته بيه تماماً.
​— الدبوس ده بتاعك أنتِ؟
​— أيوه.
​— أنتِ متبرعة دائمة بالدم من إمتى؟
​أحمد لف لمراته وهو مستغرب:
— متبرعة ايه؟
​الدكتور هز رأسه وهو بيبص للكل:
— الوسام ده كان بينزل من كام سنة في حملات ومراكز نقل الدم القومية، وده تكريم خاص جداً للناس اللي بتيجي تتبرع بانتظام وبشكل مستمر. ده مش حاجة بتتاخد عشان حد جه مرة واحدة اتبرع واتصور صورة عشان يتفشخر بيها.
​شاهيناز ضحكت ضحكة توتر:
— يعنى… كبرت الموضوع ليه يا دكتور؟ ما ناس كتير بتتبرع يعنى!
​الدكتور صلاح بصلها بنظرة ناشفة:
— ناس كتير بتقول إنها هتتبرع يا مدام. لكن قليليين أوي اللي بيفضلوا يرجعوا ويكرروا ده لسنين طويلة.
​ندى ووطت وشها للأرض وقالت بصوت هادي:
— أنا بدأت من أيام ما كنت في كلية طب. وعمري ما حسيت إن دي حاجة مستاهلة أقعد أتكلم عنها وأتباهى بيها قدام حد.
​أحمد كان قاعد مبهوق ومش فاهم حاجة:
— أنتِ معقولة طول السنين دي ولا مرة قولتي لي؟
​ندى بصت في عينيه مباشرة:
— هو أنت في مرة سألتني الدبوس ده بتاع ايه اصلاً أو معناه ايه عندك؟
​محدش على الترابيزة فتح بقؤه كلمة.
​بس المصيبة بجد حصلت بعد ما العشا خلص والناس بتقوم.
​جنب الردهة وبتاع أمانة المعاطف، نهى، بنت عم أحمد، قربت من شاهيناز وقالت لها بصوت واطي بس مسموع:
— يا طنط، أنا مش فاهمة أنتِ ليه عملتي نفسك مش عارفة الدبوس ده بتاع ايه؟ ده من ٣ سنين أنتِ بنفسك فتحتي جواب جاي لندى من مركز بنك الدم، وكان فيه إخطار إنهم هيكرموها بالدبوس ده عشان إنقاذها لفصيلة نادرة!
​ندى كانت واقفة على بعد مترين بس.
​وسمعت كل كلمة اتقالت.
​وما كانتش متخيلة أبداً الجملة دي مستخبي وراها ايه، وأي سر هتقلب بيه الدنيا…​الجزء الثاني
​— جواب ايه؟ — ندى سألت بذهول.
​نهى وشها اصفرّ وماقتش عارفة تودي وشها فين، وشاهيناز اتنطرت بسرعة واتكلمت بغل:
— أنا مش فاهمة البت دي بتخرف بتقول ايه! هو أنا فاضية أتابع الجوابات اللي بتيجي؟ البيت بيتدخل فيه ميات الجوابات كل يوم.
​— بس أنا كنت واقفة جنبك يا طنط وأنتِ بتفتحيه — نهى قالتها وهي خايفة بس مش قادرة تسكت—. وقلتي نصاً: «أهي الهانم رايحة تعمل فيها بطلة وملاك رحيم تاني».
​أحمد بص لأمه وهو مش مصدق:
— الكلام ده حصل بجد يا أمي؟
​— ده كلام فارغ من سنة السكتة! — شاهيناز ردت بزعيق—. هو أنا هافتكر كل ورقة دخلت البيت من كام سنة؟
​ندى ما اتكلمتش ولا دخلت في مجادلة معاهم. أول ما رجعوا الشقة بالليل، فتحت اللاب توب بتاعها ودخلت على الإيميل، وبدأت تدور في الرسائل القديمة. وفعلاً، لقت إيميل من المركز القومي لنقل الدم بياكدوا فيه إنهم بعتوا لها الإخطار المطبوع بدعوة التكريم على عنوان بيت شاهيناز، عشان ندى وأحمد في الوقت ده كانوا قاعدين عندهم مؤقتاً عقبال ما شقتهم تتشطب.
​ولقت كمان مع الإيميل إشعار استلام الجواب بالبريد.
​أحمد قعد جنبها وقرا الكلام على الشاشة، وهز رأسه وقال بتحفظ:
— يمكن اتعجن في وسط البوسطة ولا ضاع يا ندى…
​ندى كانت لسة هتترد، بس الموبايل رن برسالة من نهى:
«ندى، أنا آسفة جداً إني متكلمتش من زمان. طنط شاهيناز فتحت الجواب فعلاً، وقرت إنهم هيكرموكي عشان بقالك سنين بتتبرعي بانتظام، وقالت بالنص: بدل ما تروح تلعب دور البطلة على الغرابا، كانت قعدت شالت معايا شغل البيت».
​أحمد قرا الرسالة، وحط الموبايل على الترابيزة بالراحة… ولأول مرة، مالقاش أي مبرر ولا كلمة يدافع بيها عن أمه.
​يوم السبت، نزلوا يروحوا بيت شاهيناز بحجة إنهم بيدوروا على ورق قديم لأحمد. شاهيناز فتحت لهم الدولاب اللي حاطة فيه أظرف ودوسيهات المنظمة بالمليم: فواتير الكهرباء، ضمانات الأجهزة، كشوفات الحسابات، كلها متصنفة ومتأرخة بخط إيدها.
​بعد حوالي ثلث ساعة، أحمد شد ظرف أبيض من وسط الدوسيهات.
​كان مكتوب عليه اسم «ندى».
وعليه لوجو المركز القومي لنقل الدم.
والظرف كان مفتوح.
​وعلى ظهر الظرف من ورا، كان مكتوب بخط إيد أزرق: «تم الاستلام ۱۴/۰۳».
​الكل عارف خط شاهيناز كويس جداً.
​— أمي — أحمد قالها وصوته طالع مهزوز—. أنتِ اللي كاتبة التاريخ ده؟
​— أيوة يمكن… أنا متعودة أكتب تاريخ أي جواب بيوصل.
​ندى سحبت الورقة من جوة الظرف. الورقة كان فيها دعوة رسمية بحضور حفل تكريم المتبرعين الدائمين.
​— يعني كنتِ عارفة يا طنط.
​شاهيناز لوّت بوزها وقالت بعصبية:
— كنت عارفة إنك بتتبرعي! لكن معرفش إن البتاعة المعدن دي هي الوسام نفسه يعني!
​ندى فضلت تقلب في باقي الدوسيه. وفجأة لقت ظرف تاني من نفس المركز، بعده بسبع شهور، ومفتوح برضه! جوه الظرف كان فيه دعوة لتجمع سنوي للمتبرعين بمناسبة اليوم العالمي للمتبرعين بالدم.
​— وده كمان نسيتيه؟ — ندى سألتها.
​— جل من لا يسهو! طار من دماغي!
​— نسيتي جوابين ورا بعض من نفس الحتة، في الوقت اللي أنتِ شايلة فيه فواتير النور من سنة ۲۰۰۸؟
​شاهيناز اتعصبت وصوتها علي:
— أيوة! عشان دي ورق مالوش أي تلاتين لازمة!
​السكوت نزل على الاوضة زي الصاعقة.
​أحمد بصلها وشرر طالع من عينيه:
— وعرفتِ منين إنه مالوش لازمة… لو أنتِ اصلاً مقريتيهوش زي ما بتقولي؟
​شاهيناز اتلخبطت وفتحت بقها، بس الكلام هرب منها. الكذبة اتفركت تماماً قدامهم.
​في اللحظة دي، أحمد مسك تليفونه وبدأ يقلب في شات قديم بينه وبين أمه من ۳ سنين. لقى مسج أمه بعتاهوله في نفس يوم حفل التكريم الأولاني:
«مراتك فضلت الغرباء على عيلتك تاني. الناس كلها كانت معزومة عندنا وتسأل عليها وهي رايحة تعمل فيها الملاك الطاهر اللي بينقذ البشرية».
​أحمد رفع عينيه لأمه وقال بصوت مرعب:
— أنتِ اليوم ده جيتي قلتِ لي إن ندى مطنشانا ومش فارق معاها العيلة عشان كده ما حضرتش. أنتِ كنتِ عارفة إنها رايحة تتكرم؟
​شاهيناز ضغطت على سنانها:
— كنت أعرَف حاجة شبه كده…
​— شبه كده ولا عارفة بالظبط؟
​شاهيناز ضربت الترابيزة بإيدها وزعقت:
— أيوة كنت عارفة! وكانت حرقاني! طول الوقت الناس بتقول ندى المحترمة، ندى اللي بتعمل الخير، ندى الملاك! وكأن محدش في البيت ده بيعمل حاجة ولا ليه قيمة غيرها!
​ندى حست ببرودة في أطرافها.
​الموضوع طلع أكبر بكثير من مجرد دبوس أو جوابات مستخبية.
​شاهيناز كانت بتستغل كل مرة ندى تروح فيها تتبرع أو تحضر حاجة تابعة لبنك الدم، عشان تقنع أحمد إن مراته أنانية، ومهملة، ومش فارق معاها بيتها ولا عيلته.
​وفوق كل ده، وقبل ما اليوم يخلص، نهى بعتت صورة قديمة على الموبايل.
​الصورة كانت شاهيناز واقفة فيها في المطبخ، ماسكة الجواب الأولاني بإيد، وبالإيد التانية بتشاور بأصبعها على رسمة الدبوس المطبوعة في الورقة وبتضحك بتريقة!
​الجزء الثالث
​أحمد كبّر الصورة على شاشة الموبايل لحد ما الضوء عكس على وشه.
​المشهد واضح ومش محتاج أي توضيح.
​الصورة متصورة في مطبخ شاهيناز من ۳ سنين. على الرخامة كان فيه الظرف المفتوح، وورقة التكريم، وفي الزاوية رسمة الدبوس اللي بيسلموه للمتبرعين المثاليين.
​وكانت شاهيناز ماسكة الورقة بنفسها.
​نفس الست اللي وقفت قدام كل المعازيم في الزمالك وقالت بكل بجاحة إنها عمرها ما شافت «البتاعة الرخيصة دي»!
​ندى حست بزهق وتعب نفسيّ رهيب.
​طول السنين اللي فاتت كانت بتبلع الإهانات الصغيرة، وتطنش كلام حماتها على لبسها وشغلها ومواعيدها، عشان بس الشاحنات ما تقومش في البيت. وكان رد أحمد الدائم:
«يا ندى كبري دماغك دي أمي».
«معليش هي طريقتها كده».
«بلاش نعمل مشكلة عشان خاطري».
​ندى فهمت فجأة إن الجمل دي ما كانتش بتهدي المشاكل… دي كانت بس بتحدد مين اللي المفروض يستحمل ويتظلم وهو ساكت.
​— عاوز أسألك سؤال يا أحمد — ندى قالت بالليل.
​أحمد كان لسة باصص في الصورة ومش قادر يرفع عينيه:
— اسألي يا ندى.
​— لما أمك شدّت الدبوس من فستاني ونترته، أنت حسيت بايه؟
​سكت شوية وبعدين قال:
— حسيت إنها بتكبر الموضوع على الفاضي.
​— لا، أنا بكلمك عن لحظة ما شدّت حاجة من على جسمي بالعافية وأنا قلت لها هاتيهه، وأنت جيت عليا أنا.
​أحمد نزل الموبايل وحط وشه في الأرض:
— قلت في بالي مش مستاهلة نباظ اليوم وحفلة عمي.
​— أهو ده أصل المشكلة يا أحمد.
​— عارف إنني غلطت…
​— لا أنت مش فاهم قصدي. قيمة الدبوس دي مش هي المهمة. حتى لو كان دبوس بربع جنيه، ده حقي ومُلكي. لما أقول لحد رجعلي حاجتي، أنت المفروض تتكلم، مش تقول لي أنا اسكتي عشان المركب تسير!
​أحمد حط إيده على وشه وما ردش.
​— أنا مش عاوزاك تدعمني دلوقتي عشان عرفت إن الدبوس ده وراه قصة إنسانية… أنا كنت أستاهل منك احترام لحاجتي ولشخصي حتى لو ماسكة قشاية!
​الأسبوع اللي بعده، شاهيناز طلبت تعمل عزومة عائلية «عشان تصفي النفوس وتوضح سوء الفهم». وكانت عاوزة تعزم نفس الناس اللي كانوا في حفل الزمالك. وكانت فاكرة إنها هتلم الموضوع بطريقتها.
​— أنا هافهمهم إنني ببساطة مشبهتش على شكل الدبوس — شاهيناز قالت لأحمد في التليفون.
​ندى كانت سامعة من المطبخ، وقالت بثبات:
— نروح يا أحمد.
​أحمد بصلها باستغراب:
— أنتِ متأكدة؟
​— أيوة. طالما هي عاوزة توضح قدام الكل، يبقى الموقف يوضح كامل.
​يوم الأحد، ندى لبست فستان شيك، وثبّتت الدبوس في مكانه جنب كتفها.
​أحمد بصلها وقال:
— لابساه عشان تدايقيها؟
​— لا، لابساه عشان مش هسمح لأي حد بعد النهاردة يخليني أستعر من حاجة بحبها.
​العزومة كانت في بيت عم أحمد. كان قاعد الدكتور صلاح، ونهى، وعدد من القرايب.
​قبل الحُلو، شاهيناز وقفت وقالت بصوت عالي:
— أنا عاوزة أقفل الموضوع ده خالص. أنا أخطأت لما شفت حتة معدنة افتكرتها فالصو وتصرفت بعصبية. لو كنت أعرف إنها وسام رسمي ما كنتش مديت إيدي عليها.
​ندى سابتها لما خلصت كلامها خالص.
​وبعدين طلعت دوسيه أبيض وحطته على الترابيزة.
​شاهيناز لونها اتخطف.
​— أنا مش جاية أتخانق يا طنط — ندى قالت بضوت هادي جداً—. أنا بس جاية أكمل التوضيح اللي حضرتك بدأفيه.
​حطت الجوابين المفتوحين على الترابيزة.
وبعدين إشعار الاستلام.
وأخيراً… الصورة المطبوعة وهي ماسكة الورقة وبتبص لرسوم الدبوس!
​نهى اتكلمت فوراً:
— الصورة دي أنا اللي مصوراها بنفسي يوم ما الجواب وصل.
​شاهيناز اتعصبت وزعقت:
— وده يثبت ايه يعني؟! يثبت إنني فاكرة شكل كل دبوس ينزل في البلد؟!
​— يثبت إنك كنتِ عارفة إن فيه تكريم — ندى ردت بنبرة ثابتة—. ويثبت إنك فتحتي جواباتي الشخصية وخببتيها عني.
​— عشان كنت اتخنقت! — شاهيناز انفجرت وصوتها جهور في الصالة—. اتخنقت من سيرة ندى الملاك! ندى الطيبة! ندى اللي بتنقذ الأرواح! وكأن البيت ده محدش فيه بيقدم حاجة ولا ليه قيمة غير الهانم!
​الكل اتصدم من كمية الغل اللي خرجت في الجملة.
​أحمد بصلها وكأنه بيشوف أمه لأول مرة في حياته:
— أنتِ كانضايقك إن الناس بتبص لمراتي باحترام؟
​— كان بضايقني إنك بقيت تبصلها إنها هي اللي صح دايماً وأنا العجوزة اللي بتدخل في اللي مالهاش فيه!
​الدكتور صلاح اتكلم بصوته الرزين:
— يا مدام… اللي بيعمل الخير وبيتبرع بدمه للناس ما بياخدش من نصيب حد تاني في الاحترام. المكانة في القلوب مش تورتة بنتقاسمها.
​شاهيناز بصت للدكتور بغيظ:
— أنت مكنتش عايش معانا عشان تفهم!
​— أنا ممُكن أكون معشتش معاكم — الدكتور صلاح رد بصرامة—. بس أعرف كويس إن لما حسنات غيرك تضايقك وتحسسك بالتهديد، يبقى العيب مش في الخير… العيب فيك أنت.
​شاهيناز ملقتش كلمة ترد بيها.
​أحمد وقف وقال بصوت صارم:
— أمي… كفاية لحد كده.
​— أنت بتصغرني قدام الناس يا أحمد؟
​— لا يا أمي، بس أنا طول السنين اللي فاتت كنت ببسمع منك أنتِ بس وما بسألش ندى. أنتِ أمي على عيني وراسي، بس هي مراتي، ومحدش فيكم يملك الحقيقة المطلقة ولا من حقه يظلم التاني.
​أحمد بص لمراته وقال قدام الكل:
— لما ندى كانت بتتأخر في شغلها، كنتِ بتقولي لي بايعة بيتك. ولما تروح تتبرع، تقولي بتتهرب من العيلة. وأنا للأسف كنت باخد كلامك وأكرره من غير ما أفكر.
​ندى بصت لأحمد… كانت دي أول مرة يتكلم بشجاعة ويتحمل مسؤوليته من غير ما يستخبى ورا أمه.
​من اليوم ده، ندى ما طلبتش تقطع العلاقة نهائياً، بس حطت حدود حديدية:
محدش يتدخل في خصوصياتها، جواباتها توصل على شقتها بس، وشاهيناز مالهاش أي سلطة أو كلمة على حياتهم. وأحمد وافق وبصم بالعشرة.
​بعد شهر… ندى جاتلها دعوة ثانية لتجمع المتبرعين بمناسبة تقفيل سنين جديدة في التبرع.
​المرة دي، حطت الكارت على الترابيزة وقالت بثقة:
— أنا رايحة الحفلة دي النهاردة.
​أحمد ابتسم وقالها:
— أعدي عليكِ آخدك ونطلع نتعشى برة بعد ما تخلصي؟
​— أيوة يا أحمد، ياريت.
​ندى لبست جواكتها البسيطة، وثبتت الدبوس القديم على الياقة.
​في بنك الدم، ما كانش فيه مظاهر فخمة ولا كاميرات ولا شو… كان فيه شوية قهوة وشاي، وممرضات بيسلموا على الناس بالاسم، ومتبرعين قاعدين يدردشوا عن الشغل والمواصلات والأولاد.
​الجو البسيط ده لمس قلب ندى أوي.
​محدش هناك كان عامل نفسه بطل… كانوا مجرد ناس عاديين، قرروا يرجعوا كل فترة يساعدوا غيرهم من غير مقابل.
​الدكتور صلاح كان هناك برضه، ولما شافها، شاور على الدبوس وابتسم:
— رجع مكانه المضبوط.
​ندى لمست المعدن الصغير وقالت:
— وأنا كمان رجعت لمكاني المضبوط.
​قبل ما تخرج من البيت، ندى بصت لنفسها في المراية.
​طول السنين اللي فاتت كانت بتقلل من نفسها ومن نجاحاتها عشان محدش حواليها يضايق. كانت فاكرة إن التواضع معناه إنها تصغر نفسها.
​بس خلاص… الجرح اللي في جلدها التأم، والدبوس المعدن، رغم إنه قديم ومطفي، بقى يفكرها بحاجة واحدة بس:
​إن العمل الطيب مش شرط تتباهى بيه، بس سكوتك عنه مش معناه أبداً إنك تسمح لأي حد يقلل منه… أو يمتد إيده ويقت..ل قيمتك في عين نفسك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *