حصري لصفحة روايات رولا حماتي دبّستني في اخت جوزي الحامل وقعدتها عندي في البيت من غير ما تاخد رأيي حتى! ولما اعترضت، جوزي زعقلي وقال لي: — «لمّي لسانك وظبطي كلامك!».. ماردتش عليه. وبعد ١٢ يوم بالظبط، بعت الشقة من وراه وأخدت شنطتي وطلبت تذكرة ذهاب فقط على إنجلترا. أول مرة جوزي يتكلم معايا كأني خدامة في بيتي، كانت أمه واقفة وراه وبتبتصللي بابتسامة شماتة. المرة التانية، فهمت إن ده مش مجرد خناق عادي.. دي كانت رسالة وتهديد صريح. كل حاجة بدأت من ٣ أسابيع، لما حماتي «فايزة» ظهرت على باب شقتنا في التجمع الخامس، ومعاها شنطتين، ومخدة حمل ضخمة، واخت جوزي «نورهان» اللي كانت في الشهر التامن. — «عقد شقتها خلص»، قالتها فايزة وهي داخلة على المطبخ على طول كأن البيت بيتها. — «ست نورهان هتقعد هنا لحد ما تولد وتقوم بالسلامة». بصيت لجوزي، «طاهر»: — «أنت مش قايل لي إنهم جايين يقضوا الويك إند بس؟» من غير ما يرفع عينه من الموبايل رد ببرود: — «الظروف اتغيرت خلاص». — «وهو محدش فكر يفكر حتى وياخد رأيي؟» فايزة فتحت التلاجة وبدأت تفتش فيها كأنها عايشة معانا من سنين: — «الأهل ما بيستأذنوش يا حبيبتي». نورهان اترمت على الكنبة في الصالة وهي بتتنهد: — «روّقي كده يا مريم، مش هنقعد طول العمر يعني». ده اللي قالوه وقتها.. في أقل من ٤ أيام، أوضة الضيوف اتحولت بقدرة قادر لأوضة بيبي. كراتين ملية الممر، حفاضات مرمية على سفرة الأكل، وعفش وديكورات أنا عمري ما وافقت عليها. فايزة شقلبتلي المطبخ رأسًا على عقب. رمت بهاراتي وتوابلي في الزبالة عشان على كلامها "ريحتها نفاذة وبتقلب بطن نورهان". نقلت أوراقي ومستنداتي المهمة من على المكتب. ولما خلصت كل ده، أعلنت بكل بساطة إني أنا اللي هكون مسؤولة أودّي نورهان دكاترتها ومتابعاتها عشان أنا "بشتغل من البيت". — «أنا عندي اجتماعات شغل وشغالة طول اليوم!» فايزة ضحكت بقلة قيمة: — «قعدة اللاب توب والكمبيوتر دي مش شغل بجد يعني زي شغل الرجالة». ما رديتش. أنا كنت مسؤولة قسم الإلتزام المالي في شركة متعددة الجنسيات، ومرتبي كان تقريبًا ضعف مرتب طاهر. بس عشاني عمري ما اتكلمت في فلوس ولا تباهيت بمرتبي قدام أهله، هما قرروا من دماغهم إن شغلي ده مجرد تسلية وتضييع وقت! الموضوع انفجر على العشاء. رجعت المطبخ بعد اجتماع طحن قعد ٣ ساعات، لقيت فايزة بتظبط السفيرة ومجهزة أطباق لـ ٧ أفراد! — «مين اللي جاي؟» — «خالاتك وابن عمتك»، ردت ببرود. — «نورهان محتاجة تحس بلمّة العيلة حواليها». — «دي شقتي! مفيش حد يدخل هنا أو يعزم ناس من غير ما نعرفني قبلها!» فايزة بصت لي كأنها بتسمع كلام عيال صغيرين، ونورهان طلعت من الصالة ببرود: — «وبعدين أنا مش عاجبني الأكل ده، مش قادرة آكله، عايزة حاجة تانية». بصيت للحلة اللي كنت طبخاها بالعافية قبل ما أبدأ شغلي الصبح، وبعدين بصيت لطاهر: — «اطلب اختك دليفري من برة». تكشيرته زادت وقال بكل بساطة: — «وليه ما تقوميش تعمليلها حاجة تانية؟ أنتِ واقفة أهو!» في اللحظة دي، فيه حاجة جوايا اتكسرت وتدمرت تمامًا. — «عشان أنا مش خدامة عند حد هنا!» فايزة ضحكت بصوت عالٍ: — «أنتِ اتجوزتي في العيلة دي، والمفروض تتعلمي إزاي تكوني خدومة ولها لازمة!» بصيت لجوزي في عينه مباشرة: — «يا إما تتعدلوا وتحترموني في البيت ده، يا إما تلموا كراكيبكم وتغوروا من هنا!» كرسي طاهر اتهز بعنف وهو بيقوم وقف: — «لمّي لسانك وظبطي كلامك!» — «لا! أنت اللي تظبط كلامك وتعرف إزاي تمنع أهلك يقلوا مني!» وشه اتغير وملامحه بقيت قاسية، فايزة مربعة إيدها وبتتفرج، ونورهان مبتسمة ابتسامة خبث. طاهر قرب مني خطوة: — «قلت لك.. ظبطي كلامك أحسن لك!» البيت كله سكت. كان ممكن أصرخ.. كان ممكن أدخل معاهم في خناق لوش الصبح. بس في اللحظة دي بالذات، فهمت حاجة مهمة قوي. هما فاكرين إن الشقة دي ملكنا إحنا الاتنين.. ملكي ومناصفة مع طاهر. بس الحقيقة إنها ما كانتش كده خالص. الشقة دي أنا اشتريتها بفلوسي وشقايا قبل ما أعرف طاهر بـ ٦ سنين كاملة. وقبل ما نتجوز، المحامي بتاعي أصر نكتب عقد اتفاق ونظام مالي وفصل ملكية للممتلكات. وطاهر ما صدق ومضى من غير ما يقرأ التفاصيل كاملة حتى. عمرو ما سأل ليه كتبنا العقد ده، عمره ما سأل أنا دفعت كام في الشقة دي، ولا عمره فكر يسأل العقد باسم مين في الشهر العقاري! بالنسبة له، مجرد إنه اتجوزني، فكل حاجة بتاعتي بقت بتاعته ومملوكة ليه تلقائيًا. بصيت له كام ثانية ببرود، وبعدين هزيت راسي: — «تمام.. ماشي». طاهر بان عليه الذهول واللخبطة، كان مستني مني مناهدة وزعيق. فايزة ابتسمت بنصر، ونورهان رجعت كملت قعدتها على الكنبة. في الليلة دي، استنيت لحد ما سمعت صوت شخير طاهر وطالع من النوم العميق. تسحبت ودخلت مكتبي. طلعت علبة حديد صغيرة من آخر الدولاب. جواها عقد الشقة المسجل، عقد فصل الملكية، وكل أوراق الشراء الأصلية. قريت السطر اللي حافظاه عن ظهر قلب: الشقة ملكية خاصة وحصرية لـ (مريم)، ولا يحق للزوج أي نسبة أو تصرف فيها. طاهر ملوش أي حيلة أو حق يمنع أي بيع. بصيت ناحية أوضة النوم.. الراجل اللي نايم هناك ده، كان واعدني من ٣ سنين إن بيتنا ده هيكون المكان الوحيد اللي عمر ما حد يقدر يضايقني فيه أو يخوفني. فتحت اللاب توب، كانت الساعة ١:١٤ بعد نص الليل. كتبت إيميل لـ «أمل»، المحامية بتاعتي. كتبت كلمتين بس في عنوان الإيميل: (البيع فورًا). إيدي وقفت ثواني فوق الماوس.. وبعدها دوست إرسال. وفي الوقت اللي كان طاهر نايم فيه وهو فاكر إنه كسب المعركة وكسر كلمتي، أنا كنت لسه بايعة الأرض والشقة من تحت رجليه ورجل أهله! الجزء الثاني: في اليوم التالي صحيت هادية غريبة.. طاهر افتكر إن سكاتي ده استسلام وخضوع. ونحنا بنتفطر، باس رأسي وقال لي بثقة: — «كده تمام.. ابتديتي تفهمي وتظبطي». فايزة كانت بتبتسم في المطبخ بنصر، وأنا ابتسمت معاهم بنفس الهدوء. على مدار الـ ١٢ يوم اللي بعدهم، بطلت أناهد أو أتكلم نهائي. نورهان طلبت سرير جديد للبيبي، ما فتحتش بوقي. فايزة جابت نجار وغيرت طقم الأقفال وعملت لنفسها نسخة من المفاتيح، ما اعترضتش. طاهر حتى أعلن على العشاء إن أمه غالباً هتقعد معانا فترة بعد ما نورهان تولد: — «كام شهر بس يا مريم عشان تطلع معاها بالبيبي». وفايزة زودت فوق كلامه: — «وبعدها نبقى نشوف بقى الظروف». كانوا بيخططوا لمستقبلهم وبيبنوا حياتهم جوة شقة عمرا ما كانت ملكهم.. وفي نفس الوقت، أنا كنت ببهدل كل اللي بنوه وبسحبه من تحت رجليهم بالراحة. المحامية أمل خلصت كل حاجة بسرعة، وراجعت عقد الملكية وعقد فصل الممتلكات: — «طاهر ملوش أي إمضاء ولا صفة قانونية.. الشقة ملكك أنتِ بس بنسبة ١٠٠٪». اتفقت مع سمسار متخصص في البيع السريع والسري.. ما كنتش عايزة يفط، ولا سماسرة رايحين جايين الشقة، ولا أي حاجة تخلي طاهر يشك. عرضنا الشقة بسعر أقل سنة بسيطة من سعر السوق، وخلال ٤٨ ساعة جالي عرض كاش من شركة استثمار عقاري عايزة تشتري الشقة عشان تجددها بالكامل. وافقت على طول، والبيع كان هيخلص في خلال ١٠ أيام. في يوم الصبح، نورهان لقيتني بلم الكاسات الكريستال وبحطها في كراتين: — «أخيرًا قمتِ تنظفي وتكركبي البيت؟» — «حاجة شبه كده». ضحكت باستخفاف: — «ماما بتقول إنك كنتِ عاملاها دراما من لا شيء، بس كويس إن طاهر عرف يوقفك عند حدك ويظبطك». حطيت الكاسة في الكرتونة وبصيت لها.. ضحكتها اختفت في ثانية من نظرتي. دخلت فايزة وهي ماسكة كروت ألوان ودهانات: — «إحنا هندهن أوضة البيبي زيتي هادي.. وعايزاكِ كمان تفضي المكتب بتاعك قبل الجمعة، عشان نورهان تلاقي حتة هادية ترضع فيها الولد». برشت بعيني: — «المكتب بتاعي؟» — «أه، ممكن تقعدي باللاب توب بتاعك على سفرة الأكل عادي يعني». لأول مرة كنت معجبة بقمة الثقة والجراءة اللي عندها! الست كانت بتقسم أوض شقة ما كلفتش خاطرها حتى تسأل مين صاحبها الحقيقي! رديت بمنتهى الثبات: — «يوم الجمعة هيكون كل حاجة جاهزة زي ما أنتِ عايزة بالظبط». بالليل، طاهر دخل عليا وأنا بسحب نسبيًا أوراق ومستندات: — «أمي بتقول إنك بقيتِ عاقلة وهادية خالص». — «أصل بقيت بفكر كتير». — «بتفكري في إيه؟» قفلت الملف: — «في قد إيه الحياة ممكن تتغير في ثانية». ضحك وقال: — «ما تبدأيش بقى في الكلام الغريب بتاعك ده تاني». وفجأة عينه جت على ملف فوق المكتب مكتوب عليه (عقد الملكية). — «إيه الأوراق دي؟» قفلت الملف بسرعة: — «شغل عادي». صدقني على طول.. عشان طول ٣ سنين جواز، عمره ما اهتم يعرف شغلي ده عبارة عن إيه أصلاً. بعدها بليلتين، فايزة رفعت كاستها على العشاء: — «في صحة البداية الجديدة لنورهان والبيبي». شربوا كلهم، وبعدها كملت: — «وعشان الشقة دي تفضل ديماً بيت العيلة البركة». طاهر ابتسم: — «أنا بقول بعد كده ندخل اسم أمي معاكِ في العقد كمان يا مريم عشان نمنع أي مشاكل مستقبلاً». بصيت له: — «ندخل اسم أمك في العقد؟» — «أه، ما هي الشقة في الأول والأخر بقت بتاعتنا كلنا». لقيت ابتسامة طلعت مني غصب عني: — «لا يا طاهر.. هي في الحقيقة مش بتاعتكم خالص». الثلاثة ضحكوا افتكروها دعابة.. وأنا ضحكت معاهم. بعد ٣ أيام، وقعت عقد البيع النهائي. الفلوس دخلت حسابي الشخصي في البنك الساعة ١١:٠٦ الصبح. الساعة ١١:١٧ كنت حجزت تذكرة طيران ذهاب فقط. مش لشارم ولا للغردقة.. على لندن على طول. أمي الله يرحمها كانت مولودة في بريطانيا، وأنا معايا الجنسية البريطانية من زمان. طاهر كان عارف المعلومة دي، بس عمره ما تخيل إني في يوم هستخدمها عشان أختفي من حياته تماماً. في اليوم ده، عملت له أكله المفضل على العشا. أكل وهو مش واخد باله إن نص هدومي اختفت من الدولاب، ولا شاف الشنطة الكبيرة المستخبية في شنطة عربيتي، اللي كان فيها هدومي، اللاب توب، مجوهراتي، وكل وثيقة تهمني في الدنيا. مشيت يوم الخميس الصبح. طاهر كان فاكر إني مسافرة مأمورية شغل ليومين. حتى ما رفعش عينه من الموبايل وأنا بسحب الشنطة للباب: — «هاتي لي معاكِ حاجة وحلوة وانتِ راجعة». وفايزة زعقت من المطبخ: — «وقبل ما تمشي قولي للشغالة تغير ملايات نورهان الأول!» وقفت على الباب، بصيت لهم آخر بصرة: — «من عيوني». وقفلت الباب ورتياح. على الضهر، كنت بخلص إجراءات التفتيش في مطار القاهرة.. وبليل كنت بطير فوق البحر المتوسط. وتاني يوم الصبح، وأنا بصحى في لندن، كان فيه محامي بيخبط على باب الشقة اللي هما فاكرين إنها ملكهم! الجزء الثالث: تليفوني بدأ يرن الساعة ٨:٢٣ الصبح. طاهر. وبعدها يرن تاني.. وتالت. لما بصيت على الشاشة، لقيت ٣٧ مكالمة فائتة. استنيت.. والمكالمة رقم ٣٨ هي اللي رديت عليها. — «أنتِ هببتِ إيه؟!» صوته كان عالي لدرجة إني أبعدت التليفون عن ودني. قربت من شباك الأوتيل، الدنيا كانت بتمطر والبيوت رمادية.. ولأول مرة من أسابيع، مفيش حد داخل المطبخ بتاعي من غير إذن. — «صباح الخير يا طاهر». — «فيه محامي واقف على الباب هنا! بيقول إنك بعتِ الشقة!» — «أه، بعتها». سكت ثواني.. — «إيه؟» — «بعت شقتي». سمعت صوت فايزة بتصرخ في الخلفية: — «ما تقدرش تعمل كده! دي بتستعبط!» ابتسمت: — «عملتها خلاص». طاهر وطى صوته وبيحاول يستوعب: — «الغِ البيع ده فورًا!» — «ما أقدرش». — «لا تقدرِ!» — «البيع اتقفل رسمياً ومسجل من إمبارح». سكت تاني، وبعدها قال: — «أنتِ محتاجة إمضتي عشان تبيعي!» — «لا مش محتاجة». — «أنا جوزك!» — «ده ما يخليكش صاحب الممتلكات يا طاهر». — «مريم بلاش العبط ده ورجعي الشقة!» — «أنا مش بتعبط ولا بهزر». اتنفس بغضب: — «أنتِ فين بالظبط؟!» — «دي حاجة تخصني لوحدي». — «يعني إيه الكلام ده؟!» بصيت لانعكاسي في الإزاز: — «يعني أنت عمرك ما تكرمت وسألت الشقة دي ملك مين من الأساس». — «دي كانت شقتنا!» — «لا، كانت شقتي أنا». — «إحنا كنا عايشين فيها!» — «ونورهان كمان عايشة فيها، وهل ده يخليها بتاعتها؟» فايزة رجعت تصرخ تاني: — «قولها هنرفع عليها قضايا ونحبسها!» طاهر كرر الكلام: — «أمي بتقولك هنرفع عليكِ قضية!» — «اعملوا اللي تعملوه». — «إحنا معانا بيبي جاي في السكة!» — «اختك هي اللي معاها بيبي في السكة». — «دي اختي يا مريم!» — «خلاص، يصرف عليها من مرتبك واصرف عليها أنت». سمعت صوت رزعة عادية في الشقة، غالباً رمى حاجة في الأرض: — «وهنقعد فين دلوقتي؟ هنروح فين؟!» لقطع ثواني ماردتش.. افتكرت ليلة العشاء، ونظرة الشماتة في عين فايزة، وابتسامة نورهان، وصوت طاهر وهو بيزعق لي عشان أظبط كلامي. ورديت عليه بنفس الجملة اللي أمه قالتها لي حرفياً: — «اتعلموا تكونوا مفيدين ولكم لازمة بقى». وقفلت السكة في وشه. كنت فاكرة إن دي النهاية، بس كانت مجرد البداية. فايزة جابت محامي وحاولت ترفع قضية بطلان بيع وتدعي إن البيع صورى عشان طاهر جوزي. المحامي ساب القضية وهرب أول ما شاف عقد فصل الملكية وعقد الشراء الموثق باسمي قبل الجواز. طاهر جاب محامي تاني، وقعد معاه ٩ أيام وبعدها قاله القضايا دي خسرانة. في الوقت ده، أمل المحامية بتاعتي رفعت قضية الطلاق. طاهر رن كتير، ما رديتش. بعت رسائل، ما عبرتوش. وبعدها بدأت الإيميلات توصل.. في الأول كانت تهديدات، وبعدها ترجي وتوسلات، وفي الآخر اعتذارات: "مريم، أنا بالغت واندفعت.. أمي هي اللي كانت بتضغط عليا.. ممكن نصلح كل حاجة، بلاش تهدّي ٣ سنين عشان خناقة!" بس الخناقة دي عمرها ما كانت هي المشكلة.. المشكلة كانت في كل اللي حصل قبلها. في كل مرة طاهر ساب أمه تتدخل في حساباتنا.. في كل مرة نورهان استخدمت حاجتي الشخصية من غير ما تستأذن.. في كل مرة كان بيقول لي: "عدي الموضوع وما تعمليش مشكلة". كل إهانة صغيرة كانت بتتراكم فوق الثانية لحد ما بنوا سجن كبير جوة بيتي.. وأنا عشت فترة طويلة محبوسة جواه. بعد ٣ أسابيع، أمل كلمتني: — «طاهر عايز يتفاوض». — «عايز إيه؟» — «عايز نسبة من فلوس الشقة». ضحكت: — «بأي أمارة؟» — «بيقول إنه كان بيشارك في مصاريف البيت وهو عايش فيه». — «ما هو كان بياكل ويشرب برضه، هيقاضي السوبرماركت كمان؟» أمل ضحكت: — «أنا فهمته كده بالظبط». طاهر ما أخدش جنيه واحد من البيع. العقد المالي كان واضح وصريح: حساباته بتاعته، وحساباتي بتاعتي.. ديونه يلبسها لوحده، وأملاكي قبل الجواز بتاعتي أنا وبس. أكتر حاجة أوجعته مش إنه خسرني.. أكتر حاجة وجعته إنه اكتشف إن الأمان المالي اللي كان عايش فيه وواخده كأمر مسلم بيه، عمره ما كان حقه اصلاً. في الوقت ده، فايزة ونورهان اضطروا يأجروا شقة صغيرة جداً على قد حالهم. عرفت من معارف إن معظم العفش وسرير البيبي الكبير اللي اشتروه على حسابي اترمى في مخزن، لأن السرير ما دخلش اصلاً من باب الشقة الجديدة. وطاهر اضطر يقعد معاهم "مؤقتاً".. وكلمة مؤقتاً دي امتدت لشهور طويلة. أنا كملت شغلي من لندن، والشركة وافقت تنقلني لمقرهم الأوروبي. بعد ٦ شهور، سبت الأوتيل وأجرت شقة منورة في منطقة "ريتشموند" على نهر التايمز. شقة بأوضتين، وترأس صغير.. وفيها حاجة ما كانتش عندي من سنين: الهدوء والأمان. مفيش حد بيفتح تلاجتي، مفيش حد بيقرر مين يدخل بيتي، مفيش حد بيحول مكتبي لأوضة رضاعة، ومفيش حد يقولي قومي اطبخي. في يوم، أمل بعتت لي أوراق الطلاق النهائي. فتحت الملف وأنا قاعدة قدام الشباك.. قريت اسمي، وقريت اسم طاهر، ووقعت. ما حسيتش بفرحة، ولا بحزن.. حسيت براحة ونفس عميق، كأن فيه باب مقفول في صدري اتفتح على آخره. بعدها بأسبوع، استلمت آخر إيميل من طاهر، كان كاتب فيه كلمة واحدة: "أنتِ دمرتِ عيلتي". بصيت للرسالة كتير.. زمان كنت هحس بالذنب، وكنت هكتب رد من ١٠ فقرات عشان أبرر نفسي. في اليوم ده، كتبت جملة واحدة.. وبعدين مسحتها. أنا مش محتاجة أوضح له أي حاجة. مسحت الإيميل وخلاص. لأني ما دمرتش عيلته.. أنا بس بطلت أُموّل الوهم بتاعهم، وبطلت أخليهم يفتكروا إن بيتي، وشغلي، ووقطي، وسكاتي.. ملك ليهم. بالليل، نزلت أتمشى على النيل بتاعهم هناك في التايمز. الجو كان براد، حطيت إيدي في جيوب الجاكيت، صوابعي لمست ميدالية المفاتيح.. مفتاحين بس: واحد بيفتح شقتي، والثاني بيفتح مكتبي. وقفت لحظة.. افتكرت شقتي القديمة في التجمع، والمطبخ، وفايزة وهي بتقول «الأهل ما بيستأذنوش»، وطاهر وهو فاكر إن كل حاجة بتاعتو لمجرد إننا اتجوزنا. بصيت للمفاتيح في إيدي.. وابتسمت. لأول مرة من زمان، كل باب أقدر أفتحه بالمفاتيح دي، بيدخلني لمكان مفيش فيه حد يقدر يفكرني مين صاحب البيت.. عشان دلوقتي، كل حاجة بقت ملكي أنا وبس.