دبستني
طاهر ما أخدش جنيه واحد من البيع. العقد المالي كان واضح وصريح:
حساباته بتاعته، وحساباتي بتاعتي.. ديونه يلبسها لوحده، وأملاكي قبل الجواز بتاعتي أنا وبس.
أكتر حاجة أوجعته مش إنه خسرني.. أكتر حاجة وجعته إنه اكتشف إن الأمان المالي اللي كان عايش فيه وواخده كأمر مسلم بيه، عمره ما كان حقه اصلاً.
في الوقت ده، فايزة ونورهان اضطروا يأجروا شقة صغيرة جداً على قد حالهم.
عرفت من معارف إن معظم العفش وسرير البيبي الكبير اللي اشتروه على حسابي اترمى في مخزن، لأن السرير ما دخلش اصلاً من باب الشقة الجديدة.
وطاهر اضطر يقعد معاهم “مؤقتاً”.. وكلمة مؤقتاً دي امتدت لشهور طويلة.
أنا كملت شغلي من لندن، والشركة وافقت تنقلني لمقرهم الأوروبي.
بعد ٦ شهور، سبت الأوتيل وأجرت شقة منورة في منطقة “ريتشموند” على نهر التايمز.
شقة بأوضتين، وترأس صغير.. وفيها حاجة ما كانتش عندي من سنين:
الهدوء والأمان.
مفيش حد بيفتح تلاجتي، مفيش حد بيقرر مين يدخل بيتي، مفيش حد بيحول مكتبي لأوضة رضاعة، ومفيش حد يقولي قومي اطبخي.
في يوم، أمل بعتت لي أوراق الطلاق النهائي.
فتحت الملف وأنا قاعدة قدام الشباك.. قريت اسمي، وقريت اسم طاهر، ووقعت.
ما حسيتش بفرحة، ولا بحزن.. حسيت براحة ونفس عميق، كأن فيه باب مقفول في صدري اتفتح على آخره.
بعدها بأسبوع، استلمت آخر إيميل من طاهر، كان كاتب فيه كلمة واحدة:
“أنتِ دمرتِ عيلتي”.
بصيت للرسالة كتير.. زمان كنت هحس بالذنب، وكنت هكتب رد من ١٠ فقرات عشان أبرر نفسي.
في اليوم ده، كتبت جملة واحدة.. وبعدين مسحتها.
أنا مش محتاجة أوضح له أي حاجة.
مسحت الإيميل وخلاص.
لأني ما دمرتش عيلته.. أنا بس بطلت أُموّل الوهم بتاعهم، وبطلت أخليهم يفتكروا إن بيتي، وشغلي، ووقطي، وسكاتي.. ملك ليهم.
بالليل، نزلت أتمشى على النيل بتاعهم هناك في التايمز.
الجو كان براد، حطيت إيدي في جيوب الجاكيت، صوابعي لمست ميدالية المفاتيح..
مفتاحين بس: واحد بيفتح شقتي، والثاني بيفتح مكتبي.
وقفت لحظة.. افتكرت شقتي القديمة في التجمع، والمطبخ، وفايزة وهي بتقول «الأهل ما بيستأذنوش»، وطاهر وهو فاكر إن كل حاجة بتاعتو لمجرد إننا اتجوزنا.
بصيت للمفاتيح في إيدي.. وابتسمت.
لأول مرة من زمان، كل باب أقدر أفتحه بالمفاتيح دي، بيدخلني لمكان مفيش فيه حد يقدر يفكرني مين صاحب البيت..