طيارة خاصة ج ٢
حصري لصفحة روايات رولا
الجزء الثاني
بصيت من الشباك.. الصفقة، والمجلس، والمحامين.. عشرات الناس اكيد مرعوبين دلوقتي عشان كنسلت من غير أسباب. إمبارح، كان الموضوع ده هي بانلي كارثة.. النهار ده، باين زي دوشة مفيش منها فايدة.
“لا.”
“بكرة؟”
“لا.”
رفعت رأسها: “ولا يوم الخميس؟”
ابتسمت: “مفيش أسوان الأسبوع ده.”
عينيها وسعت: “بجد؟”
“بجد.”
“والشغل؟”
“الشغل هيستنى مش هيطير.”
فكرت في دي: “تيتة بتقول إن شغلك مهم أوي.”
“هو مهم فعلاً.”
“أهم مني؟”
السؤال كان هادي وبسيط.. وده اللي خلاه يوجع أكتر.
مسكت إيدها: “لا.”
كانت بتبصلي.. وعارف إن إجابة سريعة مش هتكفي: “ساعات بتصرف كإنه أهم..”
عينيها فضلت في عيني: “..وده غلطتي أنا.”
كانت مستغربة.. الكبار غالباً مبيعترفوش بأخطائهم قدام الأطفال كتير.
“أنا افتكرت إنك لازم تشتغل..”
“أنا لازم أشتغل فعلاً.”
“عشان تشتري البيت؟”
ضحكت: “أيوه.. وحاجات ثانية.”
“وأكل بندق؟”
“بندق ده مكلف جداً ومفلسنا!”
ابتسمت.. وبعدين بقت جادة تاني: “مامي بتشتغل هي كمان.”
“صح.”
“تيتة بتقول إن مامي بتشتغل عشان بتحب تبعد عنا.”
فكي اتشد.. وجبرت نفسي أستنى قبل ما أرد:
“تيتة مكنش مفروض تقول كدة.”
“هو ده صح؟”
“لا.”
“مامي بتحبني؟”
لفتلها بالكامل: “أمك بتحبك أكتر من أي حاجة في الدنيا دي كلها.”
ليلى كانت بتتبع الخياطة بتاعة ودن بندق: “أمال ليه مقالتلكش السر؟”
أهو ده.. جوهر الموضوع كله.
كان ممكن أحمي سارة.. كان ممكن أقول إن حاجات الكبار معقدة، وكان ممكن أشرح الخوف والتهديدات والاختيارات الصعبة.. بس ليلى كانت محتاجة حاجة أبسط.
“عشان مامي كانت خايفة.”
“هو الكبار بيخافوا؟”
“طول الوقت.”
“انت؟”
“أيوه.”
“انت خايف من إيه؟”
بصيتلها: “خايف أفقد ثقتك فيا.”
كشرت خفيف: “ما انت مفق دتهاش.”
زوري اتقفل: “انت كنتِ خايفة تحكيلي الصبح..”
“دي كانت تيتة..”
“عارف..”
“بس انت سمعتني.”
هزيت رأسي: “وأنا هسمعك أكتر بعد كده.”
سندت على دراعي تاني: “أوكيه.”
الكلمة دي كانت أصلب وأقوى من أي عقد شغل مضيته في حياتي.
لما وصلنا البيت، سارة كانت واقفة على السلم برة. مأستنيتش العربية تقف تماماً.. الباب اتفتح، وليلى جريت: “مامي!”
سارة نزلت على ركبتها، واتقابلوا في نص المشاية.
سارة حضنتها بكل قوتها.. وليلى حضنتها هي كمان: “أنا كويسة..”
“أنا عارفة..”
“بابا جه..”
“أنا عارفة..”
“تيتة إدتني دوا..”
سارة غمضت عينيها: “أنا عارفة يا حبيبتي..”
“أنا مش غلطانة، صح؟”
“لا!” سارة بعدت وحضنت وش ليلى بين إيديها: “انتي عمرك ما هتبقي غلطانة لما تحكيلنا عن حاجة تخوفك.. أبداً!”
“بابا قال كده برضه.”
سارة بصتلي.. ولمدة ثواني محدش فينا اتكلم. وبعدين ليلى لمست خد أمها:
“مامي؟”
“نعم؟”
“انتِ كمان لازم تبطلي أسرار.”
سارة بصت لبنتنا.. وبعدين بصتلي، وصوتها اتكسر: “أيوه.. أنا كمان هبطل.”
مأعملناش المحادثة فوراً.. وده كان مهم.
النسخة القديمة مني كانت هتطلب إجابات من أول ما أدخل من الباب. بدال ده، قعدنا مع ليلى بينما الدكتور بتاع الأطفال بيفحصها.
كانت سليمة وزي الفل.. الجرعات اللي إيفون إدتهالها كانت خفيفة ومسببتش أي أثر دائم. الفحص العصبي كان طبيعي، والدكتور أوصى بمتابعة عشان الصداع بس مفيش أي مؤشرات خطر فورية.
ولأول مرة طول اليوم، أخذت نفس طبيعي.
بعدها، ليلى أكلت ساندوتش جبنة شيدر سايحة في المطبخ.. سارة قطعتها مثلثات، وأنا صبيت شوربة طماطم. الشغالة كانت بتحاول تساعد، بس أنا مشيت الشغالين بدري.
قعدنا إحنا التلاتة سوا.. مفيش تليفونات.. مفيش مساعدين.. ومفيش أسرار.. على الأقل مفيش أسرار اتقالت.
ليلى حكتلنا عن بنت اسمها ميار غشت في امتحان الإملاء.. سارة قالتلها إن الغش غلط، فـ ليلى شاور بالمعلقة علينا فوراً: “والأسرار غلط برضه!”
سارة بصتلي.. وأنا عضيت شفتي من جوة عشان مأضحكش.
“أيوه،” سارة قالت: “والأسرار غلط برضه.”
ليلى هزت رأسها براحة ورضا.
بعد 20 دقيقة، نامت على الكنبة بتاعة المكتبة وبندق تحت دقنها. غطيتها ببطانية ووقفت.
سارة كانت مستنية جنب البيانو.. البيانو! بقيت ببص للزراير بطريقة مختلفة دلوقتي.
“اعزفيها.”
اترددت: “المعزوفة؟”
“أنا مقدرش..”
“انت سمعتي ليلى..”
“أيوه.”
“يبقى وريها لي.”
سارة قعدت على بنك البيانو.. ولمدة ثواني إيديها فضلت ثابتة، وبعدين حطت صباعين على الزراير.
لحن بسيط ملا الأوضة.. هادي، مش منتظم، شبه أغنية المهد (النونو).
خمس نغمات بتطلع.. تلاتة بتنزل.. سكتة.. وبعدين النغمة تتعاد تاني.
مكانتش معزوفة استثنائية.. وده اللي خلاها مرعبة أكتر!
أتخيلت نايثان وهو طفل بيلعبها في مطبخ أصفر.. واتخيلت ليلى بتحلم بيها بعد عقود!
سارة وقفت: “هي عزفت أكتر من كدة.”
“قد إيه؟”
“تقريباً دقيقة كاملة.”
“وانت عمرك ما سمعتيها؟”
“أبداً.”
“متأكدة؟”
“أيوه.”
قعدت جنبها.. ولفترة فضلا بنبص لبنتنا وهي نايمة في الناحية الثانية من الأوضة. وبعدين سألتها:
“ليه متثقيش فيا؟”
سارة غمضت عينيها: “أنا وثقت فيك.”
“مش ده اللي حصل.”
“أنا وثقت فيك كـ جوزي..”
“بس مش لدرجة تحكيلي إن فيه حد هدد بنتنا؟”
إيديها شبكت في حجرها: “الرسالة كان فيها صورة طيارتك..”
“وبعدين؟”
“نايثان مات في حادثة!”
“هو ماماتش!”
“أنا مكنتش اعرف ده وقتها!”
“انت عرفتِ إنه عايش من سنة!”
“أيوه..”
“وبرضه محكيتليش!”
بصتلي: “عشان لما دانيال كلمني، قال إن الناس اللي نايثان بيستخبى منهم مرتبطة بحد قريب من عيلتنا.”
حسيت بحاجة بتشد في صدري: “قريب قد إيه؟”
“مكانش يعرف.”
“وانت افتكرتِ إن الحد ده ممكن يكون أنا؟”
“لا!” الرد كان فوري وقاطع.
“أمال مين؟”
بصت ناحية الباب: “حد حواليك..”
شركائي في الشغل.. الموظفين.. الحراسة.. أصدقاء العيلة.. كان فيه آلاف الاحتمالات.
“ليه متكيليش بيني وبينك في السر؟”
“عشان الرسالة الأولى جتي بعد تلات أيام من يوم ما قابلت دانيال!”
ده غير كل حاجة.. بصيتلها وأنا مصدوم: “حد كان عارف..”
“أيوه.”
“انت قابلتِ دانيال في السر؟”
“في الشيخ زايد.”
“وبعد تلات أيام حد صور ليلى وهي نايمة؟”
“أيوه.”
“فـ افتكرتِ إنك متراقبة؟”
“أيوه.”
“ليه دخلتِ إيفون؟”
“عشان دانيال كان بيثق فيها.”
بصيت ناحية ليلى: “وعشان انتِ مكنتيش بتثقي فيا.”
عين سارة اتملت دموع: “عشان انت كنت هتتصرف!”
كنت هجادل.. بس سكت.. كان عندها حق.
لو كانت ورتني الفيديو من تلات شهور، كنت هجمع الحراسة والمحامين والظباط.. كنت هجيب دانيال وأتتبع نايثان، وأفحص كل كاميرات وسجلات البيت.. كنت هقلب الدنيا!
ولو كان فيه حد بيراقب فعلاً— كانوا هيعرفوا.
سارة زقت إيدها ناحية إيدي.. كنت هسحب إيدي.. تقريباً.. بس سبتها تاخدها.
“أنا كنت خايفة قوتك وتصرفك يخليك مكشوف واضحة ليهم،” همست: “أنا كنت محتاجاك عايش أكتر ما كنت محتاجة تكون عارف.”
بصيت لبنتنا النايمة: “كان مفروض تحكيلي برضه.”
“عارفة..”
“انت سبتِ ليلى تشيل حاجة هي مش فاهمَاها.”
“عارفة..”
“وسبتِ أمك ترعبها.”
“أنا مكنتش اعرف إنها بتعمل كده!”
“أنا مصدقك.”
سارة بصتلي بحدة.. دي كانت أول مرة أقول الكلمات دي من ساعتها.
عصرت إيدها: “أنا غضبان.”
“عارفة..”
“ومعرفش هاخد وقت قد إيه عشان أبطّل أكون غضبان.”
هزت رأسها بـ “فاهمة”.
“بس أنا مصدق إنك كنتِ بتحاولي تحمينا.”
وشها انكسر، وميلت لقدام وحطت جبهتها على كتفي.. حضنتها.
مش عشان كل حاجة اتغفرت.. ولا عشان كل حاجة اتصلحت.. بس عشان الجواز، زي ما أدركت، مش هو غياب اللحظات المكسورة؛ هو قرار إنكم تقعدوا جنب بعض وتشوفوا القزاز المكسور سوا.
”أنا آسفة،” همست.
“أنا عارف..”
“أنا كنت خايفة أوي.”
“عارف..”
“أنا افتكرت إني لو فضلت مسيطرة على الموضوع، دانيال هيقدر يفهمه ويحله.”
“وهو مفهموش.”
“لا..”
“ولا نايثان كمان.”
“لا..”
“وأمك زادت الطين بلة.”
ضحكة ضعيفة طلعت منها: “عندها موهبة في الموضوع ده.”
ابتسمت رغماً عني.. وبعدين سارة رفعت رأسها:
“فيه حاجة ثانية..”
طبعاً فيه حاجة ثانية! بصيتلها باستغراب.
وقفت ومشت ناحية الدولاب المقفول جنب الدفاية.. ومن ورا ألبوم الصور، طلعت ظرف أبيض.
اسم مكتوب على وش الظرف.. مش مطبوع، مكتوب بخط الإيد.. وأنا عرفت الخط ده فوراً.
خط أمي!
نفسي اتقطع: “أمي متوفية من 12 سنة!”
“أنا عارفة..”
“جبتِ الظرف ده منين؟”
“وصل من تلات شهور..”
في نفس وقت الفيديو!
“في البوسطة؟”
“لا..” بصت لـ ليلى: “..كان تحت مخدة ليلى.”
وقفت: “إيه؟!”
“لقيته الصبح بعد أول فيديو.”
“ومفتحتيهوش؟”
“كان مقفول بالشمع.”
خدت الظرف.. الورق كان مصفر من الطروف، قديم فعلاً. أمي كان ليها طريقة مميزة في كتابة اسمي.. كانت بتكبر حرف الـ و زياده.. طول عمرها كدة.
مشيت صباعي على الحبر: “عرفتِ منين إن ده خطها فعلاً؟”
“معرفش..”
كسرت الشمع المكتوب بيه.. جوة كان فيه ورقة واحدة. الأشكال الأولى لاسم أمي كانت بارزة في أول الورقة فوق.
فتحتها.. تلات جمل بس! ده كل الموضوع.
قريتهم مرة.. والثانية..
سارة كانت بتبص على وشي: “مكتوب إيه؟”
مكنتش قادر أرد. لمست دراعي: “إيه؟”
ديتها الورقة.. وقرت بصوت عالي:
“لو تقرأ الكلام ده، يبقى فيه حد بدأ يسأل عن سجلات مؤسسة مرعي تاني..”
سارة وقفت.. عينيها راحت للجملة الثانية:
“ماتثقش في ملف الـ DNA..”
وبعدين الجملة الثالثة.. وصوتها اختفى تماماً.
خدت الورقة منها تاني.. الجملة الأخيرة كانت مكتوبة بضغط أتقل من التانيين، كإن أمي كانت بتضغط بالقلم جامد على الورق:
“نايثان كول عمره ما كان هو السر الحقيقي.”
سارة بصتلي.. وأنا بصيت لبنتنا النايمة بسلام تحت البطانية.
وبعدين سمعت صوت عربية برة.. أضواء العربية جابت حيطة المكتبة.
سارة اتوترت.. وماركوس دخل من الباب الجانبي بعد 30 ثانية، وش باين عليه إن فيه حاجة جديدة حصلت.
“إيه؟”
“لقينا مصدر الكاميرا اللي جوة أوضة ليلى.”
جسمي كله اتجمد: “مين؟”
“مش مين يا فندم..” مسك كيس أ his بلاستيك شفاف فيه حاجة صغيرة: “أبوجورة أطفال.. على شكل هلال.”
أنا عارفها.. ليلى كانت بتستخدمها كل ليلة من وهي عندها أربع سنين!
“دي جت منين؟”
ماركوس بص لـ سارة، وبعدين لي:
“حسب سجل الشراء.. الأبوجورة دي اتطلبت من تلات سنين.”
“باسم مين؟”
ملامحه اتشدت: “الأكاونت اتفتح باسم والدتك.”
بصيتله: “أمي كانت متوفية وقتها اصلاً!”
“أنا عارف..”
سارة قربت: “ممكن الحساب يكون مزور؟”
“أيوه..”
“بس؟”
ماركوس اتردد.. وأنا عارف التررد ده معناه إيه.. فيه حاجة ثانية.
“إيه تاني؟”
“تتبعنا طريقة الدفع..” إداني تليفونه.. على الشاشة كان فيه سجل بنكي قديم: “الحساب يخص صندوق ائتماني عائلي.”
عرفته فوراً.. أمي كانت عملته وأنا مراهق، وكان مفروض اتقفل بعد وفاتها! أو ده اللي أنا صدقته.
سارة همست: “إزاي ده ممكن؟”
ماركوس نزل بالشاشة: “فيه 12 معاملة تمت من الصندوق ده من يوم ما اتوفت..”
بصيت للتواريخ.. معاملة كل سنة.. مبالغ صغيرة في الأول، وبعدين كبرت: مخازن.. خدمات شحن وتوصيل.. معمل خاص.. الأبوجورة.. ودفعية اتعملت الصبح النهار ده!
النهار ده!
بصيت لـ ماركوس: “لمين؟”
“بنتأكد من المستلم..”
“قولي اللي عندك!”
عمل زوم.. ظهر اسم شركة: “خدمات حفظ عائلة ورساني.”
أنا عمري ما سمعت الاسم ده قبل كدة.. سارة اتجمدت جنبي: “ورساني..”
اسم عيلتي!
“أيوه.”
ماركوس جاب صفحة ثانية: “فيه أكتر..”
الصندوق كان ليه مدير مخول بالتوقيع.. مش أبويا، ولا المحامي بتاعي، ولا سارة.
قريت الاسم مرتين قبل ما عقلي يستوعب:
“د. إلهام ورساني.. أمي!”
سارة كانت بتبص للشاشة: “ده اكيد تزوير هوية!”
ماركوس مردش..
“ماركوس!”
بصلي: “إحنا جيبنا توقيع التفويض الأخير..” فتح ملف متصور.. التاريخ كان من ست أيام فاتوا!
في الآخر كان فيه توقيع: إلهام م. ورساني.. توقيع أمي بنفس الـ إ الكبيرة، ونفس الخط المفرود.. ونفس الشرطة الصغير تحت الاسم!
قلبي بدأ يدق بجنون: “ده ممكن يترسم ويتزور!”
“أيوه.”
“لازم يكون متزور!”
“أيوه.”
بس هو لسة مخلصش كلامه.. أنا عارف.
“إيه؟”
ماركوس بص ناحية ليلى، وبعدين وطي صوته:
“البنك بطلب تأكيد صوتي للتحويلات اللي فوق الخمسين ألف.”
صوابع سارة مسكت في إيدي: “التحويل بتاع الصبح كان بـ 75..”
بصيتله: “يعني فيه تسجيل صوتي؟”
“أيوه.”
“سمعته؟”
وش ماركوس كان أبيض: “سمعته..”
صوت أمي عايش في ذاكرتي.. دافي، هادي، وفيه نبرة ضحك خفيفة حتى وهي زعلانة. كانت بتناديني “ويليام” لما أكون عملت حاجة غلط، و”ويل” لما تكون فخورة بيا.
12 سنة متوفية.. 12 سنة أعياد ميلاد من غيرها.. 12 سنة وأنا لسة أوقات بستنى أسمع صوتها في المطبخ.
مديت إيدي: “شغله.”
سارة همست: “ويل..”
“شغله يا ماركوس!”
ماركوس داس على الشاشة.. كان فيه وشة، وصوت الآلة البنكية.. وبعدين ست اتكلمت. صريحة.. أكبر شوية ملي فاكره.. بس صوتها هو هو!
“إلهام ورساني.. بتأكد كود التفويض 4-7-1-9.”
ركبي كادت تتخلع.. سارة مسكت دراعي.
التسجيل كمل.. موظف البنك سأل: “مدام إلهام، ممكن تؤكدي غرض التحويل ده؟”
كان فيه وقفة هدوء.. وبعدين أمي الميتة ردت:
“أيوه..”
الكلمات الجاية خلت الأوضة تختفي من حوليا:
“جه الوقت اللي أرجع فيه حفيدتي لبيتها.”
التسجيل خلص.. محدش اتنفس ولا اتتحرك.
في الناحية الثانية من المكتبة، ليلى اتحركت في نومها.. فتحت عينيها، ولمدة ثواني كانت شكلها مش فاهمة، وبعدين شافتني:
“بابا؟”
مشيت الأوضة في ثواني ونزلت جنبها: “أنا هنا يا حبيبتي..”
ابتسمت وهي نعسانة.. وبعدين ملامحها اتغيرت وبصت ورا كتفي ناحية الشباك المظلم، ووشها ينور:
“أوه..”
لفيت بلهفة.. مفيش حد برة.
“فيه إيه يا ليلى؟”
ليلى شاورت على القزاز: “الست اللي بتجيلي في الأحلام..”
سارة اتجمدت مكانها.. وأنا بصيت لـ ليلى تاني:
“ست مين يا ليلى؟”
دعكت عينيها: “اللي تعرف أغنية البيانو..”
ضربات قلبي بقت زي الطبول: “شكلها إيه؟”
ليلى تثاءبت: “شبهك..”
محدش اتنفس.. وبعدين كملت: “..بس أكبر.”
سارة حطت إيدها على بقها.. وأنا بالراحة طلعت محفظتي وطلعت صورة قديمة شايلها من سنين.. أمي في سن 52، واقفة على البحر وشعرها طائر في الهوا وبتضحك للكاميرا.
مسكت الصورة: “ليلى..”
بصت للصورة.. وابتسمت فوراً: “هي دي!”
الصورة كانت بترتعش في إيدي.. سارة قعدت على حرف الكنبة بذهول، وماركوس كان بيبص لليلى.
ضغطت على نفسي عشان صوتي يطلع هادي: “انت بتشوفيها فين يا ليلى؟”
“في الأحلام غالباً..”
“غالباً؟”
ليلى هزت رأسها: “وساعات في المكان السرّي.”
كل عضلة في جسمي اتشدت: “انت شفتِ الست دي في مبنى دانيال؟”
“اه.”
“إمتا؟”
“آخر مرة..”
بصيت لـ ماركوس، وبعدين لـ سارة: “نايثان كان هناك؟”
ليلى هزت رأسها بـ لا.
“أنكل دانيال؟”
“لا.”
“تيتة؟”
“كانت بتتكلم في التليفون.”
أخدت نفس بطيء: “شفت الست دي فين؟”
ليلى شاورت ناحية الطرقة كإن الإجابة بديهية: “جت في أوضة الانتظار.”
بُقي جف: “قالتلك إيه؟”
ليلى حضنت بندق أكتر: “قالتلي إن عندي عينيك انت.”
سارة بدأت تعيط في صمت.. حطيت الصورة جنب وش ليلى:
“انت متأكدة إن دي هي الست؟”
“أيوه.”
“قالتلك اسمها إيه؟”
ليلى هزت رأسها بـ اه.
“إيه؟”
بنتي بصتلي في عيني مباشرة: “قالتلي إن اسمها إلهام.”
الأوضة بقت ساكتة تماماً وشاملة.. وبعدين ليلى كشرت: “أوه..”
“إيه؟”
“هي قالتلي حاجة ثانية..”
أنا تقريباً مكنتش عايز أسأل.. “قالتلك إيه؟”
ليلى قربت ووطت صوتها زي ما الأطفال بيعملوا لما يحكوا سر مهم:
“قالتلي لما تحس وتعرف إن نايثان عايش، هتفتكر إن ده السر الكبير..”
جلدي قشعر برعب: “وبعدين؟”
ليلى بصت لصورة أمي.. وبعدين بصتلي:
“قالتلي إن ده مكنش السر..”
برة البيت، أضواء عربية ثانية ظهرت في أخر المدخل.. تليفون ماركوس رن، رد وسمع، وبعدين بصلي ببطء شديد.
“إيه؟” سألته.
نزل التليفون: “التحويل اللي أتعمل من صندوق أمك الصبح..”
“ماله؟”
“تأكدنا من المستلم..”
إيدي شدت على إيد ليلى.
ماركوس بلع ريقه: “ماتبعتش لـ دانيال..”
“أمال لمين؟!”
“اتبعت لشركة نقل طبي خاصة.”
سارة وقفت: “عشان إيه؟!”
ماركوس بص للمدخل برة.. أضواء العربية وقفت قدام الباب الخارجي.. وبعدين قال الجملة اللي غيرت كل حاجة تاني:
“هما ينقلوا مريض..”
قلبي كان بيدق زي المجنون: “مين؟!”
ماركوس بص لصورة أمي.. وبعدين بصلي:
“المريض متسجل باسم: إلهام ورساني.”
البوابة الحديدية بدأت تتفتح برة.. ومن الشباك المظلم بتاع العربية اللي مستنية برة، ست رفعت وشها ناحية بيتنا.
حتى من ورا القزاز المبلول مطر.. أنا عرفتها فوراً.
أمي كانت متوفية من 12 سنة.. بس كانت راجعة البيت دلوقتي!وقفنا كلنا زي التماثيل، الأوضة اتجمدت كإن الهوا فيها أتحول لقزاز ممكن يتكسر لو حد أخد نفس بصوت عالي.
أضواء العربية برة كانت بتلف وتضرب في صالون البيانو، بتنور وش سارة الشاحب وترجع تظلمه تاني. ماركوس إيده راحت تلقائياً للمس/دس اللي تحت جاكيتته، بس صوابعه اتجمدت عليه.. الراجل اللي واجه عصابات ومجرمين في شغلانات سابقة، كان واقف وشه عرقان كإنه شايف شبح.
ليلى كانت الوحيدة اللي مش مرعوبة. طلت من ورا ضهري، عينيها واسعة وفضولية زي أي طفلة بتستكشن حاجة جديدة:
“بابا.. هي العربية دي فيها ‘تيتة إلهام’؟”
الكلمة طلعت من بقها بسيطة.. بس وقعها عليا كان كإن حد حط إيده جوة صدري وعصر قلبي.
“ليلى..” صريت على أسناني وأنا بحاول أتحكم في رعشة صوتي: “ادخلي جوة الأوضة مع ماركوس.”
”ويل—” سارة مسكت دراعي، ضوافرها غرزت في الهدوم من كتر الخوف.
”ماركوس!” صوتي خرج قاطع وحاد كإنه أمر عسكري: “خد ليلى وسارة واطلعوا فوق.. واقفل الباب بالمفتاح. محدش ينزل إلا لما أقولك.”
”أنا مش هسيبك لوحدك!” سارة صرخت بصوت مكتوم وهي بتشد ليلى وراها.
”سارة.. أرجوكي!” لفتلها وبصيت في عينيها مباشرة، كنت بجهد عشان مأنهارش قدامهم: “لو اللي برة دي هي أمي فعلاً.. أو لو ده ملعوب تاني.. أنا محتاج أعرف إنكم في أمان فوق. عشان خاطري.. خدي ليلى واطلعي.”
سارة بلعت ريقها بصعوبة، بصت للشباك، وبعدين بصتلي بالدموع: “أوعدني إنك مش هتتصرف بغشومية.. أوعدني يا ويل.”
”أوعدك.”
ماركوس شال ليلى بسرعة، وهي فضلت بصالي من فوق كتفه ومبتسمة ابتسامة هادية كإنها عارفة حاجة إحنا مش فاهمينها. سارة طلعت وراهم على السلم، وسمعت صوت المفتاح بيترسخ في القفل فوق.
أول ما صوت خطواتهم اختفى، الأوضة رجعت ساكتة.. ماعدا صوت المطر اللي بدأ يضرب في القزاز برة، وصوت دقات قلبي اللي كانت زي الطبول.
مشيت ناحية الباب الخارجي ببطء. كل خطوة كانت كإني ماشيها في مية تقيلة. 12 سنة.. 12 سنة دفنتها، حزنت عليها، بكيت في حضن سارة، وسافرت أبعد أماكن في العالم عشان أهرب من فكرة إنها مقتش موجودة. 12 سنة وأنا فاكر إن موتها كان أول شرخ في حياتي.. ودلوقتي اكتشفت إن موتها كان مجرد بداية اللعبة.
فتحت الباب الخارجي.
الهوا البارد ضرب وشي، والمطر نزل خفيف على قميصي.
عربية النقل الطبي الإسعاف كانت واقفة في نص المشاية. الباب الجانبي يتفتح ببطء.
راجلين بلبس تمريض أزرق نزلوا الأول، ومسكو كراسي متحركة. وبعدين، واحد منهم مال لجوة وزق كرسي متحرك لبرة.
الضوء بتاع الباب الخارجي جه على وشها مباشرة.
هي.
شعرها اللي كان أسود ناعم بقى أبيض بالكامل، مقصوص قصير. وِشها اتملى تجاعيد حولين عينيها وبقها.. أرفع بكثير ملي كنت فاكره، وجسمها انكمش تحت روب أوف وايت تقيل ومربوط بحزام.
بس لما رفعت رأسها وبصتلي.. كانت نفس العينين العسلي الواسعة.. نفس النظرة اللي كانت بتفهمني قبل ما أتكلم.
صوتي طار من زوري. مكنتش قادر أتكلم، ولا أتحرك، ولا حتى أتنفس.
الكرسي أتحرك ببطء على الخرسانة المبلولة لحد ما وقف قدامي على بعد خطوات.
واحدة من الممرضات إدتني فايل أبيض: “أستاذ ويليام ورساني؟”
أنا مكنتش بصلها اصلاً.. عيني كانت متسمرة على الست اللي قاعدة قدامي. هزيت رأسي من غير كلام.
الممرضة كملت جفاف: “دي أوراق الخروج والتسليم من مصحة ‘سانت تيريزا’ الخاصة في النمسا. التحويل المالي اكتمل الصبح، والتعليمات كانت نقل الحالة لمقر إقامتك هنا فوراً بناءً على طلبها الشخصي وتفويض الصندوق.”
”مصحة.. في النمسا؟” الكلمات طلعت مكسورة من بؤي.
الست اللي في الكرسي ابتسمت ابتسامة تعبانة، صوتها خرج هادي، مبشوش، وفيه نفس النبرة اللي عشت 12 سنة بتمنى أسمعها مرة واحدة بس:
“أنا قلتلك يا ويل.. لما تكتشف إن نايثان عايش، هتقف متلخبط كدة بالضبط.”
جسمي كله اترعش. قعدت على ركبتي قدام الكرسي فوراً، إيدي كانت بترتعش بشكل هستيري وأنا بمدها ألمس إيدها.. كانت دافية. مجرد جلد وعضم ودفء حقيقي.. مش خيال، مش صورة، ومش شريط كاسيت.
”أمي؟” الكلمة طلعت زي صرخة مخنوقة.
إيدها التجعدة مسكت إيدي وضغطت عليها بقوة غريبة بالنسبة لست في سنها وصحتها:
“سامحني يا ويل.. سامحني يا حبيبي. أنا عارفة إن الحقيقة بشعة.. بس دي كانت الطريقة الوحيدة عشان تفضل عايش.. انت وسارة وليلى.”
”انتِ ممتيش؟” دموعي نزلت فوراً، غرقت إيدها: “إحنا دفناكي! أنا مسكت الصندوق بإيدي ونزلته في الأرض!”
إلهام هزت رأسها بأسى: “انت دفنت صندوق فيه ج/ثة ست ثانية أوراقها اتزورت.. ست ماتت في الحادثة اللي أنا كان مفروض أكون فيها. نايثان هو اللي هربني ليلة الحادثة.”
عقلي اتقلب: “نايثان؟! نايثان كان عارف؟!”
”نايثان هو اللي خطط لموتي المزعوم.. عشان يحميني من بابا!”
الاسم نزل عليا زي الصاعقة.
أبويا؟
د. مراد ورساني؟ الراجل اللي اتوفى بأزمة قلبية بعد وفاة أمي بسنتين؟!
”أبويا؟” بصيتلها بذهول: “أبويا ماله ومال الكلام ده؟!”
إلهام بصت لورا الممرضين، وبعدين زقت إيدي ببطء: “ادخلني جوة يا ويل.. الجو برة بارد، وفيه ناس لسة بتراقب الشارع. ندخل.. ودانيال ونايثان لازم يجوا هنا فوراً، عشان القصة دي لازم تتقال كاملة النهار ده.. ومفيش وقت فاضل.”
بعد نص ساعة، البيت كان بيغلي.
أنا كلمت ماركوس ينزل سارة.. سارة أول ما شافت إلهام قاعد في صالون البيانو، وقفت مكانها واتسمرت. دموعها نزلت في صمت تام، وإلهام فتحت إيديها لها.. سارة جرت وحضنتها كأنها بنتها مش مرات ابنها. المشهد كان متلخبط بين المعجزة والكابوس.
على الناحية الثانية، عربية ثانية وصلت.. نايثان ودانيال دخلوا.
أول ما نايثان دخل من الباب وشاف إلهام قاعدة على الكرسي، رجليه خانته وقعد على ركبته على الأرض، حاطط إيده على وشه وبيعيط بحرقة زي العيل الصغير. إلهام مشيت إيدها على شعره الأبيض: “خلاص يا نايثان.. خلاص يا بني.. انت عملت اللي عليك.”
دانيال كان واقف ساند على الحيطة، وشه أصفر كإنه هيغمى عليه: “أنا.. أنا مكنتش اعرف إنك عايشة يا طنط إلهام.. نايثان قالي إنك ميتي بجد!”
نايثان رفع رأسه وصوته متقطع: “أنا مكنتش أقدر أقولك يا دانيال.. مكنتش أقدر أقول لأي حد! كل ما عدد الناس اللي عارفين يزيد، كل ما نسبة إن مراد يكتشف مكانها بتزيد!”
قفت في نص الصالون، بصيتلهم كلهم.. نايثان، دانيال، سارة، وإلهام.
صوتي خرج حاد وصرامته هزت الأوضة:
“كفاية! كفاية عياط وكفاية دراما! أنا عايز أفهم كل حاجة.. دلوقتي! أبويا ماله؟ ومؤسسة مرعي مالها؟ وليه ليلى كانت اللعبة في كل ده؟!”
إلهام أخدت نفس عميق، وطلبت كوباية مية دافية. سارة جابتها لها فوراً وقعدت جنبها ماسكة إيدها.
إلهام بصتلي بثبات:
“أبوك مكنش مجرد طبيب وراعي لأبحاث الجينات يا ويل.. مراد كان بيقود مشروع سري بدأ من أواخر التسعينات.. اسم المشروع ‘الذاكرة الممتدة’.”
الأوضة بقت ساكتة كإننا في مقبرة.
إلهام كملت: “أبوك كان معتقد إن الشفرات الجينية مش بس بتبني الجسد والأمراض.. كان معتقد إن فيه طفرات جينية نادر جداً بتقدر ‘تخزن’ ذكريات وانطباعات عصبية وتتنقل عبر الأجيال.. زي الأجهزة الجينية التي بتورث السلوك. هو كان بيسعى وراء التطوير ده عشان يقدر يحقق نوع من الشفرة البشرية المطلوبة لأغراض عسكرية وتجارية ضخمة.”
أنا مسكت راسي: “الكلام ده خيال علمي هبل! جينات إيه وذكريات إيه?!”
”ده مكنش خيال بالنسبة له يا ويل!” نايثان هو اللي اتكلم، وقام وقف: “أبوك اكتشف إن العينة بتاعتك انت بالذات.. تحمل الطفرة دي! العينة اللي انت اتبرعت بيها في الجامعة وأنت شاب.”
بصيت لـ نايثان بذهول: “أنا؟!”
”أيوه يا ويل..” إلهام كملت بصوت حزين: “أبوك استخدم العينة بتاعتك.. وطبقها في الأبحاث. ولما سارة حملت في ليلى.. أبوك أدرك إن الجنين ده هيحمل الطفرة الكاملة من نسيجك الجيني.”
سارة شهقت وغطت بقها بذهول ورعب: “مراد؟! عمي مراد عمل كدة في ابني?!”
”أبويا مات من عشر سنين!” أنا صرخت: “أبويا مدفون في المدافن العائلية! أنا طبعت تصريح الوفاة بنفسي!”
إلهام بصتلي بعينين اتملت دموع:
“أبوك مماتش يا ويل..”
الجملة نزلت عليا زي الشاكوش. بصيتلها ومش مصدق.
”أبوك زي نايثان.. زيف موته لما الأبحاث اتكشفت ووزارة الصحة بدأت تحقق في التجاوزات الطبية للمؤسسة. أبوك هو اللي كان بيستغل الصندوق الائتماني.. وهو اللي كان بيراقبكم طول السنين دي من بعيد!”
”لا..” أخدت خطوتين لورا: “لا ده جنان! انتوا كلكم مجانين!”
”وليلى؟” سارة سألت بصوت بيترعش من الخوف: “ليلى مالها؟ المعزوفة.. والصداع؟!”
إلهام بصت لـ سارة: “الصداع مكنش مرضي.. الصداع كان رد فعل عصبي لأن مراد كان بيحاول يوصل لليلى عن طريق مواد جينية خفيفة بتتبعت في العصير.. المواد دي كانت بتنشط أجزاء معينة في المخ عشان تظهر الذكريات المحفورة في الجينات! المعزوفة بتاعة نايثان.. المطبخ الأصفر.. دي مش سحر يا سارة.. دي ذكريات كانت متسجلة في العينة الجينية اللي مراد دمجها ودرب ليلى تحفزها!”
”مين اللي كان بيدي ليلى العصير؟!” أنا سألت بغضب عارم، وعيني راحت تلقائياً لإيفون اللي كانت لسة واصلة وواقفة على باب الصالون مرعوبة.
إيفون نزلت رأسها وبدأت تعيط: “أنا مكنتش اعرف والله! أنا كان بيجيلي طرد كل شهر فيه المكملات الغذائية دي ومكتوب عليها إنها فيتامينات محفزة للمخ لبنت سارة.. كان بيجي باسم دكتور نايثان!”
نايثان صرخ فيها: “أنا مبعتش زفت! مراد كان بيستخدم اسمي عشان يغطي على نفسه!”
الألغاز بدأت تتجمع وتتركب زي الموزاييك البشع..
الفيديو بتاع ليلى وهي نايمة..
الصورة بتاعة طيارتي..
الرسائل التهديدية لـ سارة..
الأبوجورة اللي اتشرت باسم أمي..
كل ده مكنش عشان يبتزوا سارة أو يخبو دانيال.. كل ده كان عشان مراد كان بيبعدنا كلنا عن ليلى، عشان يقدر يستكمل التجربة بتاعته ويسترد ليلى لما الوقت ييجي!
وفجأة.. صوت خطوة هادية جت من الطرقة اللي ورا الصالون.
محدش فينا أتحرك.
راجل كبير في السن، ماشي على عصاية أبنوس سوداء، يرتدي معطف أسود أنيق، وشعره أبيض بالكامل، بيبصلنا بابتسامة هادية جداً.. ابتسامة أنا حافظها كويس من صغري.
”مشاء الله..” صوته الرخيم المألوف يرن في الأوضة: “العيلة كلها متجمعة.. حتى إلهام رجعت بالسلامة.”
د. مراد ورساني.. أبويا.. كان واقف قدامنا!
سارة صرخت واستخبى ورايا. نايثان ودانيال اتجمدوا. ماركوس طلع مس/دسه من فوق فوراً ونزل على السلم بيجري وضربه بالليزر في صدره: “اثبت مكانك!”
مراد مبصش حتى لـ ماركوس، كإنه بعوضة واقفة. عينيه كانت عليا أنا:
“كبرت يا ويل.. وبقيت راجل أعمال ناجح وصارم.. زي ما أنا خططتلك بالضبط.”
”انت..” أنا كنت بلهث، الغضب والرعب والذهول كانوا بيطحنوا بعض جوة صدري: “انت ميت..”
”الموت مفهوم نسبى يا بني،” مراد اتكلم ببرود مرعب وهو بيمشي ببطء للداخل: “الموت هو نهاية الجسد.. بس العلم بيدينا الفرصة نعيش في جينات أولادنا وأحفادنا. ليلى مش مجرد بنتك يا ويل.. ليلى هي أعظم إنجاز علمي في تاريخ البشرية. هي النسيج الحي اللي شايل تاريخنا، ذكرياتنا، وطفرتنا.”
”دي بنتي!” صرخت فيه بكل قوة في زوري، وقربت منه خطوة: “دي طفلة عندها 7 سنين! انت مجنون؟! انت شيطان!”
”أنا جدها!” مراد نبرته اتغيرت وبقت حادة كالموس: “وأنا اللي حميتها! أنا اللي خليت سارة تخاف وتعمل الفحوصات.. وأنا اللي وجهت إيفون.. وأنا اللي خليتك ترجع من أسوان النهار ده! كل خطوة مشيتوها النهار ده كانت بتدبير مني عشان أجمعكم كلكم في مكان واحد.. وأخد ليلى معايا للمعمل النهائي.”
”على ج/ثتي!” نايثان صرخ وهجم على مراد، بس في ثانية واحدة.. الباب الخارجي اتكسر ودخل منه تلات رجال مسلحين بملابس سوداء كاملة وموجّهين أسلحتهم علينا كلنا.
ماركوس حاوَل يضرب نار، بس واحد من المسلحين ضربه بظهر المس/دس على راسه وقع أرضاً وفقد الوعي.
سارة صرخت واستغاثت بـ ليلى، وإلهام فضلت تعيط وهي ماسكة الكرسي المتحرك: “مراد.. سيب الأطفال في حالهم! حرام عليك اللي بتعمله ده!”
مراد طنشهم كلهم، وبصلي بثبات سردي مرعب:
“هاتوا البنت.”
واحد من المسلحين طلع على السلم باتجاه أوضة ليلى.
”لااااا!” سارة جرت وراه، بس واحد تاني مسكها ورماها على الأرض.
أنا مقدرتش أستحمل.. الدم فار في عروقي. الهوا اتشفط من المكان. الغضب اللي جوايا مكنش غضب رجل أعمال، ولا غضب ابن مخدوع.. ده كان غضب أب بيشوف بنته بتتاخد منه قدام عينيه.
جمعت كل قوتي، وهجمت على مراد مباشرة. مسكته من رقبة معطفه وزقيته بكل قوتي ناحية حيطة الزجاج بتاعة المكتبة. الزجاج اتكسر ودشيش، والمسلحين اتفاجأوا بالسرعة.
دانيال استغل اللحظة وهجم على المسلح اللي ماسك سارة، ونايثان ضرب المسلح التاني بكرسي خشب تقيل.
الأوضة أتحولت لساحة حرب.
أنا كنت خانق مراد على الأرض، إيدي على رقبته: “انسي إنك أبويا! انسي إنك بني آدم أصلاً! لو لمست ليلى هق/تلك بإيدي دي!”
مراد كان بيكح وبيضحك.. ضحكة مريضة ومجنونة: “فوات.. الأوان يا ويل.. التحويل المالي بتاع الصبح مكنش للمصحة بس.. كان لتأمين نقل ليلى.. الشحنة جاهزة برة..”
وفجأة.. صوت صرخة طفولة هزت البيت كله من فوق:
“بابااااااااا!”
صوت ليلى!
لفيت برأسي برعب.. المسلح التاني كان نازل على السلم وشايل ليلى وهي بترمخ وتصرخ ومتمسكة بـ “بندق” الدبدوب بتاعها.
مراد استغل إني اتشتت، وزقني بعصايته في بطني بقوة خلاني أرجع لورا وأقد النفس.
المسلحين اتجمعوا حولين مراد، وشايلين ليلى.
”بابا! مامي!” ليلى كانت بتعيط وتصرخ وهي بتبصلي بعيون مرعوبة.
سارة كانت على الأرض بتزحف ناحيتها: “ليلى! سيبوا بنتي!”
مراد وقف، عدل جاكيته ببرود، وبصلي وأنا بحاول أقف وأخد نفسي:
“أشوفك في المرحلة الجاية يا ويل.. لو قدرت توصلنا.”
المسلحين بدأوا يتراجعوا لبرة مع ليلى والمراد، وقفلوا الباب الخارجي بسلسلة حديد من برة عشان يمنعونا نطلع وراهم.
سمعت صوت الموتور بتاع العربية الجيب الضخمة وهي بتدور برة، وصوت صريخ ليلى اللي بدأ يبعد ويبعد..
”لييييييييييييييييييييييلى!”
صرخت بأعلى صوت عندي وأنا بضرب السلسلة والباب بكل قوتي، لحد ما إيدي اتجرحت والدم بدأ يسيل منها على خشب الباب.
سارة كانت قاعدة على الأرض بتصرخ وتخبط في الأرض بهستيريا، وإلهام بتعيط بصوت مكتوم، ونايثان ودانيال بيحاولوا يكسروا قفل الباب بأي حاجة تقيلة.
البيت اللي كان مليان أسرار لسنوات.. فجأة فضي.
مبقاش فيه أسرار خلاص.. الحقيقة كلها اتكشفت بأبشع صورة ممكنة.
أبويا عايش.. وبنتي اتخطفت عشان تكون حقل تجارب لجنو نه العاطفي والعلمي.
لفت لنايثان ودانيال، وعيني كان فيها شرار خالص.. الغضب الخائف طار، وحل محله حقد قاطع وأخير.
”دانيال..” صوتي خرج وطي بس مرعب: “المعمل بتاع مؤسسة مرعي القديم.. فين؟”
دانيال بصلي بذهول وهو ماسك دراعه المكسور: “في الجبل.. في وادي النطرون.. بس ده مقفول من سنين!”
”مشفش حاجة مقفولة النهار ده،” بصيت لـ نايثان: “هات السلاح اللي في خزنة ماركوس.”
سارة رفعت رأسها والدموع مغرقة وشها: “ويل.. انت هتعمل إيه؟”
مسكت وش سارة بين إيديا المبلولة دم، وبست جبهتها بقوة:
“أنا وعدت ليلى إن محدش هيلمس شعرة منها.. وأنا عمري ما بكسر وعد لبنتي.”
وقفت، بصيت لإلهام اللي كانت بتبصلي بأسى وفخر في نفس الوقت، وبعدين لفت للباب اللي نايثان ودانيال نجحوا يكسروه أخيراً.
الليل كان مظلم والمطر نازل بغزارة.. بس السكة قدامي كانت واضحة تماماً لأول مرة في حياتي.
مفيش أسرار تاني.
مفيش خوف تاني.
النهاردة.. اللعبة دي هتخلص.. للأبد.