بعد اسابيع حصري لصفحة روايات رولا

​كان فيه أيام بتعدي عليا بشتاق فيها لحاجات كنت بكرها: صوت التلفزيون العالي، كوباية الشاي اللي بيسيبها مصطفى على الترابيزة، وصوت خطواته في الصالة.

​أربعة وثلاثين سنة مش بيمسحوا بسهولة بمجرد إنك تقفلي باب.

​بس فيه حاجة تانية بدأت تتلاشى وتختفي…

​إحساس الذنب.

​خلال الشهر اللي بعده، اتعلمت حاجات بسيطة وسهلة جداً.

​اكتشفت إني ممكن أتعشى حتة جبنة وطماطماية بليل من غير ما أقف أطبخ ثلاث أصناف.

​وإن طلبات البيت لفراد واحد بتتكلف كلام فارغ.

​وإن الفوط بتفضل مكانها زي ما سبتها.

​وإني ممكن أقرأ في النور لحد نص الليل من غير ما أسمع صوت بيقولي:

​— اقفلي الزفت ده عايز أنام!

​بدأت أمشي الصبح بدري قبل شغل المكتب.

​رجعت أحط روج حريمي.

​جريت أصيص زرع.

​واحدة زميلتي في المكتب عزمتني على فطار وقالتلي:

​— تيسير، أنتِ شكلك اتغير أوي!

​افتكرتها بتقولي صغرتِ.

​بس قالت حاجة أحسن بكثير:

​— شكلك مرتاحة وشايلة الهم من على قلبك.

​ما قلتلهاش إني بقالي ثلاثين سنة مستنية أسمع الكلمة دي.

​في الوقت ده، بيت مصطفى بدأ يكركب ويتحول للعك اللي كان دايماً يقول إني بأوفر وبكبر الموضوع بسببه.

​هبة كانت بتتصل بيا:

​— يا ماما، بابا بقاله ثلاث أيام بياكل من المطعم اللي على الشارع.

​— كويس إن فيه مطاعم شغالين.

​— هدومه كلها في الغسيل ومفيش حاجة نضيفة.

​— المَغاسل مالية البلد.

​— بيقول مش عارف يدفع الفاتورة بتاعة الغاز من على النت إزاي.

​— يتعلم، مش عيب.

​لحد ما قالت الجملة اللي فتحت عيني تماماً:

​— بس يا ماما، أنتِ ليه بتعملي كده؟ أنتِ طول عمرك بتعملي الحاجات دي وتشيلي البيت!

​سكت ثواني.

​— بالظبط يا هبة.

​— بالظبط إيه؟

​— إن طول 34 سنة، الكل كان شايف إن الطبيعي والعادي إني أنا اللي أحل وأعمل كل حاجة. أطبخ، وأدفع، وأراعي العيال، وأفتكر المواعيد، وأجيب الهدايا، وأعزم، وأسلف… كل ده كان مالوش قيمة ومخفي عشان أنا اللي بعمله.

​— إحنا أهلك يا ماما!

​— أيوه، بس أنا كمان بني آدمة ومن العيلة دي. أنا مش خدامة ليكم.

​قفلنا من غير خناق.

​بعد ثلاث أسابيع، مصطفى ظهر تاني.

​المرة دي كان ماسك في إيده ثلاث وردات ملفوفين في بلاستيك.

​جاكيتته مكنتش متظبطة، ودقنه نابتة بقالها كام يوم.

​فتحت الباب وسبت السلسلة مقفولة.

​— إزيك يا تيسير.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *