استاذ احمد حصري لصفحة روايات رولا

حصري لصفحة روايات رولا
—يا أستاذ أحمد، لازم تيجي حالاً… لقيت بيبي في صندوق الزبالة اللي ورا الفيلا.
​الفرملة دي خرجت من بق طفلة عندها 9 سنين، وبس كده قدرت توقف اجتماع كان لحد اللحظة دي أهم حاجة في حياة أحمد الشناوي.
​رجل الأعمال رفع عينيه من على العقود اللي كانت مفروشة على مكتبه في مكتبه الخاص بفيلا التجمع الخامس. على مدار سنين طويلة، بنى لنفسه صورة الراجل القوي، البعيد، الصعب حد يوصله. موظفينه كانوا عارفين إن مكالمة واحدة منه ممكن تقلب كيان شركة كاملة، بس كانوا عارفين برضه إن قليلين أوي اللي يقدروا يدخلوا حياته بجد.
​عشان كده محدش فهم ملامح وشه لما فتح الباب الرئيسي وشاف مريم واقفة قدامه.
​البنت كانت بهدوم المدرسة ومتبهدلة تراب، وعندها جرح صغير في ركبتها، ومسكينة لفافة زرقا بين إيديها.
​وكان واقف جنبها أبوها، عم إبراهيم، اللي شغال مسؤول الصيانة في الفيلا.
​—يا أستاذ أحمد… أنا سمعت صوته بيعيط —مريم قالت وهي بتشاور على اللفافة—. ده مكنش قطة ولا كلب.. ده كان بيبي.
​أحمد حس إن جسمه اتخشب مكانه.
​عم إبراهيم فتح اللفافة بالراحة.
​جواها كان فيه طفل لسه مولود.
​الصغير كان ضعيف، جلده ساقع، وشفايفه مايلة للزرقان.
​—اطلبوا الإسعاف فورا! —أحمد زعق بلهفة.
​ولأول مرة من سنين طويلة، صوته مكنش صوت رجل أعمال متعود يدي أوامر. كان صوت راجل خايف ومخضوض.
​وهي الدكتورة بتطمن على البيبي، مريم طلعت حاجة كانت لقيراها جنب اللفافة.
​كانت صورة قديمة.
​فيها أحمد واقف جنب واحدة قدام برج القاهرة.
​نوران.
​الست الوحيدة اللي حبها في حياته قبل ما يتحول لراجل مقفول على نفسه ورا فلوسه وحراسته.
​أحمد قلب الصورة.
​ظهرها كان مكتوب عليه بخط إيد ببرس أزرق:
​”يا أحمد، لو جرى لي حاجة وماعرفتش أسلمك يوسف بنفسي، أرجوك صدق إن ده ابنك”.
​أحمد أيده اترعشت والصورة وقعت منه على الترابيزة.
​—مش ممكن… ده مستحيل.
​بعد رحلة علاج معقدة من سنين، الدكاترة كانوا أكدوا له إن فرص إنه يخلف شبه معدومة. وطوال الفترة دي كان خلاص سلم أمره لله وتقبل إنه عمره ما هيبقى أب.
​بس البيبي ده كان قدام عينيه دلوقتي.

​ومعاه ورقة فيها اسمه.
​الدكتورة فريدة كشفت على الصغير لعدة دقائق.
​—الولد ده عمره حوالي أسبوع بالكتير. عنده جفاف خفيف وتعرض لبرودة جامدة، بس لحقتوه في الوقت المناسب.
​أحمد بص للبيبي.
​كان واخد نفس عينين نوران.
​في نفس اليوم بعد الظهر، طلب حاجتين: تحليل DNA مستعجل، وتفريغ كاميرات المراقبة بتاعة الفيلا كلها.
​بس قبل ما يفهم أصل الموضوع إيه، ظهرت أول مشكلة.
​الشرطة شكت في عم إبراهيم.
​من وجهة نظرهم كان المنطق بيقول كده؛ راجل عارف دخلات وطلجات الفيلا، وعارف أبواب الخدم، وهو اللي لقى البيبي مع بنته.
​ظابطين بدأوا يسألوه ويضغطوا عليه.
​—أنت كنت عارف إن العيل ده محطوط هناك؟
​—لا والله يا باشا —عم إبراهيم رد بالدموع—. بنتي سمعت الصويت وروحنا نشوف فيه إيه.
​—وطيب إيه اللي ممرك ناحية الصندوق في الوقت ده بالذات؟
​—كنت بتصلح مواسير السباكة المكسورة هناك.
​أحمد كان واقف بيراقب المشهد في صمت.
​طول عمره بيشوف إن أصحاب الفلوس كلامهم بيمشي والأبواب بتتفتح لهم، وفي نفس الوقت الشغالين والموظفين الغلابة هما أول ناس صباع الاتهام بيتشاور عليهم لما تحصل مصيبة.
​—راجعوا تفاصيل الكاميرات كويس —أحمد اتدخل بصوت حاسم—. محدش يتهم حد شغال عندي بالباطل.
​الظباط راجعوا سجلات الكروت الذكية بتاعة الأبواب ولقوا حاجة غريبة جداً.
​كارت الدخول بتاع عم إبراهيم متسجل إنه اتفتح بيه الباب اللي جنب الصندوق، بس كاميرات الفيلا الداخلية كانت مطلعاه في نفس الدقيقة بيصلح الحنفية في الجزء التاني خالص من الجنينة!
​فيه حد سرق كارت العمال واستخدمه عشان يلبس عم إبراهيم التهمة.
​هنا مريم افتكرت حاجة مهمة.
​—أنا شفت عربية كحلي واقفة بره الشارع!
​الكل بص لها باهتمام.
​—افتكرتي إيه تاني يا مريم؟
​—كان فيه استيكر أحمر على الزجاج المكسور من ورا… شكل نسر كده.
​الشرطة راجعت كاميرات المحل اللي في أول الشارع.
​العربية الكحلي فعلاً عدت مرتين قدام الفيلا الصبح.
​صاحب العربية طلع اسمه هيثم.
​ابن عم نوران.
​أحمد حس بضربة في قلبه.
​هيثم كان الشخص الوحيد من عيلة نوران اللي عارف بموضوع الحمل.
​وهو برضه اللي كان بياخد باله منها وبيساعدها الشهور الأخيرة.
​بس كان فيه مصيبة أكبر.
​نوران اختفت.
​تليفونها مقفول، حساباتها في البنك مفيش عليها أي حركة، ومحدش عارف لها طريق.
​المستشفى أكدت إنها ولدت فعلاً من أسبوع وخرجت بالبيبي على مسؤوليتها.

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *