بعد ما دفنت جوزي حصري لصفحة روايات رولا
— مش هتسامحيني أبداً؟
— ما أعرفش.. بس اللي أعرفه إنك لازم تشيل شيلتك المرة دي لوحدك.
خرج يجر الشنط وراه.
قفلت الباب، وجبت نجار غير كل كوالين البيت.
ولأول مرة من يوم وفاة حسين، البيت سكت تماماً.
دخلت أوضتنا، قعدت على ناحية حسين من السرير، وعيطت.. عيطت بدموع سنين.
— كان عندك حق يا حسين — قلت للبيت الفاضي — كان ناوي يأذيني.
افتكرت الظرف، فتحته تاني، ولقيت ورقة متطبقة تحت الوصية.. جواب بخط حسين الله يرحمه:
”هدى يا حبيبتي:
لو بتصلي للجواب ده، يبقى ظني طلع في محله وما كنتش اتمنى ده يحصل.
أنا عارف إن حازم ممكن يسوق فيها بعدي.. عشان خاطري ما تخليش الذنب يخليكي تفرطي في اللي بنيناه سوا.
أنا شلت الإسمنت والمونة، وانتي كتبتي الحسابات وربيتي الولد وغزلتي غزل البنات لما الدنيا ضاقت علينا.
البيت والمحلات دول بتوعك انتي قبل ما يكونوا بتوع أي حد.
ما تسمحيش لحد، حتى لو ابننا، يخليكي تحسي إنك ضيفة في بيتك وملكك.
بحبك.
حسين.”
بست الجواب وحطيته جنبي.
القضية مشيت في طريقها القانوني، وما تدقتش عشان أنتقم، بس عشان أسيبه يواجه الحياة.
بعد شهور، مراته تطلقت منه، وهو اضطر يبيع عربيته وحاجته عشان يسدد أصل الديون، وسافر اشتغل في شركة شحن في الصعيد.
سكن في شقة إيجار صغيرة، ولأول مرة في حياته بقى بيشتغل من الفجر للمغرب عشان يدفع إيجاره وقوته.
في يوم، بعت لي رسالة على الواتساب:
”يا أمي، أنا النهارده فهمت.. طول عمري فاكر إنكم بتدوني عشان أنا أستاهل، بس اكتشفت إنكم كنتوا بتدوني عشان بتحبوني.. وأنا اختلط عليّ الحب بالحق المكتسب. مش مستني ترجعي كلميني، بس كان لازم أقولك إني أسف.”
قريت الرسالة مية مرة.
ما سامحتوش في ساعتها، لأن الشرخ لما بيحصل مش بيلتئم بكلمة “أسف”.
بس ورديت عليه تاني يوم:
”اتمنى تتغير عشان نفسك، مش عشان ترجع للورث.”
النهارده، أنا لسه عايشة في بيت المعادي.
ما بعتوش، ولا عملته متحف.. دهنت المطبخ، وغيرت الستائر، وخصصت جزء من إيراد المحلات لدار مسنين محترمة بتراعي الناس اللي مالهمش حد.
سافرت مع صاحباتي، وبقيت أروح نادي ودروس دين، وبشرب القهوة كل يوم في البلكونة وسط ورد الفل والياسمين.
أنا عندي سبعة وستين سنة، وبس اكتشفت إن ليّ حق أعيش لنفسي وأكون “هدى”.