السفرة حصري لصفحة روايات رولا
حصري لصفحة روايات رولا
الجزء الأول
”ما تخليش الولد ده يقعد على السفيرة.. هو خلاص اتعود ياكل على الأرض.”
ماجدة اتسمرت في مكانها عند الباب، إيدها لسة ماسكة إيد شنطة السفر وقلبها بيدق بفرقعة في صدرها زي الطبلة.
كانت لسة واصلة مطار القاهرة بعد الضهر، بعد سنتين كاملين قضتهم في لندن. سنتين كانت بتطحن نفسها في شغل شركة جوزها عشان توسع شغلهم هناك. ماكنتش بتنام، بتشتغل فوق طاقتها، وكل ليلة تصبر نفسها وتقول: “كل ده عشان خاطر ابنك يا ماجدة.. عشان تؤام مستقبله يبقى مضمون.”
لما سافرت، كان تيمور يادوب مكمل سنتين. كان لسة بيتعبث وهو بيمشي، بيضحك من قلبه كل ما يقول “ماما”، وما ينامش إلا وهو ماسك صباعها.
دلوقتي عنده أربع سنين.
بس الطفل اللي واقفة بتبص عليه ده، جوة الصالة الواسعة النظيفة بتلاتها في فيلتهم في التجمع الخامس، مايدلش أبداً إنه طفل عنده أربع سنين.
كان قاعد على الأرض حافي، هدومه مقطعة ووسخة. شعره ملبد ومطين كأنه ما استحماش من شهور، ودرعانته رفيعة زي الحطب. ماكانش بيمشي على رجليه.. كان بيحبي على أربعة ورا كورة بلاستيك، وبيطلع أصوات مكتومة وخايفة زي مواء قطة مضروبة.
ماجدة حست إن الدنيا بتلف بيها والأرض بتتسحب من تحت رجليها.
على الكنبة الكبيرة في الصالة، كانت حماتها، نوال، بتأكل تورتة لولد تاني. ولد مليان ونظيف، لابس قميص كتان شيك، وقاعد بيضحك ويقول لنوال: “تيتا”.
وجنبهم كان قاعد شريف، جوز ماجدة، ماسك تليفونه ومستهتر. وساندة على كتفه ببراحة واحدة ست صغيرة لابسة فستان مزقزق وبتبص بابتسامة صفرا.
ماجدة عرفتها على طول.
سماح.
السكرتيرة اللي شريف شغلها عنده قبل ما ماجدة تسافر لندن بشوية.
سماح بصت للولد اللي على الأرض وضحكت بصوت واطي:
“بص يا شريف.. الحيوان الصغير بتاعك بدأ يعمل الشو بتاعه تاني.”
شريف حتى مابصلهاش ولا رفع عينه من التليفون:
“بعديه عن زياد.. حيرعبه.”
شنطة السفر اتزحلقت من إيد ماجدة واتخبدت في الأرض بصوت هز البيت.
الصوت خلي الكل يلتفت ناحيتها.
شريف وجهه أصفر وزي الميت:
“ماجدة… انتي ما قلتيش إنك جاية النهارده!”
نوال كشرت بضيق وكأن ماجدة هي اللي غلطانة:
“إيه المرواح والمجيء المفاجئ ده؟ دي قلة ذوق والله.”
ماجدة ما ردتش. عينيها ما نزلتش من على تيمور.
خدت خطوة بطيئة ناحيته: “يا حبيبي…”
الولد الصغير أول ما شافها فزع، ورجع بضهره يحبي بسرعة لغاية ما استخبى تحت ترابيزة الصالون. عينيه الفاضية كانت بتبصلها برعب.. كأنها حد حيأذيه.
ماجدة اترمت على ركبها في الأرض:
“تيمور… أنا ماما يا حبيبي.”
الولد صرخ صرخة مكتومة وغطى وشه بإيديه الاتنين وهو بيتعدل في الزاوية.
الست اللي لفت الدنيا وعاشت سنتين بتحلم باللحظة اللي تاخد فيها ابنها في حضنها، اضطرت تعض على شفايفها بكل قوتها عشان ما تصرخش بعلو صوتها.
شريف قام وقف بارتباك:
“هو… هو بقى غريب بقاله فترة. أمه بتقول عنده حالة نفسية. كنا مجهزين نوديه لدكتور.”
”عنده حالة نفسية؟” ماجدة همست وهي مش مصدقة.
سماح حركت شعرها لورا بمنتهى البرود:
“أوه، بلاش دراما يا ماجدة. إحنا عملنا اللي علينا وزيادة إننا سايبينه عايش معانا هنا أساساً. زياد ابننا يستاهل يعيش في بيت هادي.”
نوال كملت بقسوة تجمد الدم في العروق:
“ابنك بيفزع ضيوفنا وبيخوفهم. لو خايفة عليه أوي كده، خدي شيليه وشوفي حتعملي معاه إيه، بس ما تنكديش علينا عيشتنا.”
ماجدة بصت في وشوشهم واحد واحد. خطافة الرجالة قاعد مأنتخة في بيتها. حماتها بتدلع ابن الست التانية وبتموت فيه. وجوزها مش قادر يحط عينه في عينها.
في اللحظة دي، عرفت إن المصيبة مش إنها رجعت متأخرة…
المصيبة إن ابنها الصغير كان عايش في جهنم بقاله سنتين…