حصري لصفحة روايات رولا بعد ثلاث سنين جواز، جوزي قرر يحولني للطباخة الخاصة بأمه وأخته: "متأفوريش، أنتِ قاعدة في البيت طول اليوم". أخدت الورقة من غير ما أتكلم واستنيت. ولما ظهروا الضهر ومعاهم نسخة من مفتاح شقتنا، كل اللي قلته: "النهارده مش هطبخ". وبعدها بساعات، دخل جوزي يزعق ويزأر... وفجأة يرن الجرس. الجزء الأول — من أول يوم الاثنين، أمي وأختي هييجوا ياكلوا هنا كل يوم. وبما إنك شغالة من البيت، أهو أخيرًا تعملي حاجة ليها لازمة بجد. شريف قال الكلام ده وهو حاطط وشه في التليفون ومبيترفعش. أنا كنت ماسكة ورقة كانت حماتي، نادية، سيباها على الرخامة: شوربة لسان عصفور، بفتيك، رز بالشعرية، سلطة خضرا، وعصير قمر الدين. وتحت خالص كانت كاتبة بخط إيدها: "كل حاجة تجهز على الساعة واحدة بالدقيقة". طبقت الورقة أربع طبقات وحطيتها في شنطتي. بقالي ثلاث سنين متجوزة. كنت شغالّة مراجعة لغوية لحساب دار نشر من شقتنا في سموحة بالإسكندرية، بكسب قرشي بجهدي، ورغم كده شريف كان بيشوف إني "قاعدة في البيت". وبالنسبة لعيلته، "قاعدة في البيت" دي معناها إنك فضياهم: تطبخي، تستلمي أوردرات، تقضي طلبات أمه، وتبقى خدامة تحت أمر أخته ياسمين. — أنتِ سامعاني ولا بكلم نفسي؟ — زق الكلام بعصبية. — أيوة، سامعاك. بالليل، وهو غرقان في النوم، مسكت التليفون وكلمت أمي. أمي كانت محامية أحوال شخصية، وطول الشهور اللي فاتت كنت برفض كل تحذيراتها ليا. — يا ماما، العرض اللي عرضتيه عليا لسة شغال؟ — شغال طول العمر يا بنتي. — طب أنا محتاجة مساعدتك، ودلوقتي. تاني يوم شريف نزل من الصبح بدري. وعلى الساعة واحدة إلا عشرة، نادية فتحت باب الشقة بنسخة المفتاح اللي شريف أداها لها من ورايا. ياسمين كانت داخلة وراها بتتمطوع. على سفرة الصالة، كان فيه قهوة، بقسماط، وشوية فاكهة بس. — إيه ده؟ فين الأكل؟ — حماتي سألت واستغربت. — هو ده اللي موجود النهارده. — أنا سيبالك لستة بالطلبات! — شفتها. — طب يلا ادخلي المطبخ أنجزي روحك. ولأول مرة من ثلاث سنين، ممثلتش ابتسامة الهبلة عشان أعدي اليوم. — لا، مش هطبخ. ياسمين أخت جوزي فطست على روحها من الضحك. — جرى إيه يا ندى؟ شريف هو اللي شايل البيت وصارف عليكي! — أنا بشتغل وبصرف على نفسي. والشقة دي مش مطعم عشان تيجوا تاكلوا فيه. نادية قفلت شنطتها بعنف. — تمام، لما يرجع ابن المحترم هشوف هيتصرف معاكي إزاي. — كلميه، أهو معاكي التليفون. على الساعة ستة، شريف دخل الشقة زي الإعصار. — أنتِ عملتي إيه لأمي يا هانم؟! قفلت الكتاب اللي كنت بقرأه بهدوء. — ولا حاجة. بطلت أسمع الكلام وخلاص. — أنا مش قلتلك تطبخي وتعملي حسابهم؟! — أنا مرتك، مش الخدامة اللي جيباها عيلتك. وفجأة... رن جرس الباب. أمي دخلت، ماسكة في إيدها شنطة جلد سميكة، وطلعت منها ملف وحطته على الترابيزة. — شريف، الموضوع بسيط ومش محتاج دوشة. بنتي مش هتعيش بالمنظر ده تاني. لو عايزين تدو فرصة للجوازة دي وتصلحوا اللي اتكسر، قدامك عقد اتفاق عائلي: التزامات البيت تتقسم بالنص، القرارات المالية تتاخد بالاتفاق، حدود صارمة للزيارات، ومافيش نسخة مفتاح تطلع لأي حد برة الباب ده إلا بانتظار وموافقة الاثنين. ولو مش عاجبك، من بكرة الصبح ندى تقدر ترفع دعوى خلع أو طلاق للضرر. شريف قرا أول صفحة ورمى الملف بعيد. — أنتِ ووالدتك جايين تهددوني في بيتي؟! — لا —رديت عليه بثبات—. أنا بس بطلت أهدد نفسي بالاستمرار في العيشة دي. أمي طلعت ورقة تانية وحطيتها قدامه على الترابيزة. كانت عرض الشغل المكتبي اللي كان جالي من ست شهور في الشركة، واللجنة كانت طالباني بالاسم، وأنا رفضته وقتها عشان شريف أصر وقال لي: "لازم تفرغي نفسك لبيتك وجوزك". — العرض ده قدامها لغاية بكرة الساعة تسعة الصبح —أمي قالتها بلهجة حاسمة—. يا إما تثبت إنك راجل بتدور على شريكة حياة بجد، يا إما ندى هتشيل شنطتها وراه. شريف بصلي بذهول، كأنه شايف واحدة ثانية خالص غير الست الهادية المطيعة اللي عاش معاها ثلاث سنين. وماكانش يعرف إن دي مجرد بداية، وإن اللي هيحصل لو وافق لمجرد إنه يمتص الغضب... هيكون مفاجأة أكبر بكتير. الجزء الثاني شريف مجمضش عين طول الليل. الساعة سبعة الصبح لقيته قاعد في المطبخ والاتفاق محطوط قدامه. — الكلام ده يهين أي راجل —قال بصوت واطي—. ده طالع زي لائحة جزاءات للأطفال! — اللي يوجع بجد ويهين، لما أكون سخانة ومولودة نار وأسمع أمك بتؤمرني أقوم أعمل تورته لضيوفها. بص في الأرض وماطقش كلمة: — دي كانت مرة واحدة بس... — والمرة دي هي اللي فاكراها كويس وأكتر واحدة توجع. مسك القلم عشان يمضي، بس في اللحظة دي جرس الباب رن ثلاث مرات ورا بعض بعصبية. نادية. وياسمين كانت طالعة في أثرها. — إيه التهريج والمهزلة دي؟! —حماتي صرخت في الصالة—. هتسيب الست دي تحطلك شروط وقواعد في بيتك وعلى ملكك؟! أمي وصلت بعدها بدقائق معدودة. — يا نادية، ده بيت الزوجية بتاعهم هما الاثنين. أنتِ هنا ضيفة، ومن النهاردة مش هتدخلي غير لما الاثنين يعزموكي. — أنا دافعة معاه في المقدم وشايلة معاه! — تمام، الكلام ده يتحسب ويتوثق في الأوراق لما يجي وقت حسابه، لكن ده ميديكيوش أي حق تحكمي مراته وتعمليها خدامة. نادية بصت لشريف وعينيها شرار: — يا أنا يا هي في البيت ده! مش هنسى نظرة وشه وقتها أبداً. طول السنين اللي فاتت كنت فاكرة إنه مستحيل يتردد أو يقف قصاد أمه، بس الصبح ده كان شكله زي واحد لسة مكتشف إنه كان عايش تحت إمرتها هي كمان. مسك القلم... ومضى. — أنا اختارت مراتي. نادية خرجت ورزعت الباب وراها وهي بتتحسبن. الأسبوع اللي بعده، شريف اتغير تماماً وكأنه شخص تاني. بقى يطبخ، يغسل هدومه، يشيل الزبالة بنفسه، ويسألني بكل اهتمام عن شغلي في دار النشر بعد ما نزلت استلمت وظيفتي الجديدة رسمياً. كنت هضعف وأصدق إنه اتغير بجد. حتى في يوم الصبح عمل القهوة وسألني بحنية عن الأكل اللي نفسي فيه على العشا. كان شيء قليل جداً مقارنة باللي طلبته سنين، بس كان يوجعني إني بفرَح وأتأثر بأقل حاجة بيعملها. يوم الجمعة استأذنته ورجعت بيت أمي أقعد معاها، وكنت مبلغاه من يوم الاثنين. ولما رجعت يوم الأحد، ريحة الشياط والحيطان المحروقة كانت واصلة لحد الأسانسير! المطبخ كان مزبلة: أطباق وسخة مكومة، علب بيتزا مرمية في كل حته، وطاسة سودة مهببة على البوتاجاز. وشريف قاعد في الصالة بيتفرج على فيديوهات على التليفون ولا على باله. — إيه اللي حصل هنا ده؟! — حاولت أطبخ معرفتش. — وليه منضفتش القرف ده وراك؟ هز كتافه ببرود: — قلت لما ترجعي نتساعد وننضف سوا. فيه حاجة جوة قلبي انطفت تماماً في اللحظة دي. ماكانش بسبب الكركبة ولا المطبخ الوسخ... كان بسبب الحقيقة اللي وضحت. أسبوع واحد كان كفاية عشان يثبت إنه متغيرش ولا حاجة، هو كان بيمثل ويمشي دنيته طالما خايف إني أضيع منه. قلعت الدبلة وحطيتها على الرخامة بهدوء. — بكرة هجي ألم هدومي وحاجتي. — هتهدي ثلاث سنين جواز عشان مطبخ وسخ وطاسة محروقة؟! — لا، بطلب الطلاق عشان ثلاث سنين أنت عمرك ما شفت فيهم أنا كنت بعمل إيه ولا بتعب إزاي عشان البيت ده يفضل واقف. مشيت من غير ما أرفع صوتي ولا أزعق. وقبل ما باب الأسانسير يقفل، سمعت شريف بيمسك التليفون ويكلم أمه. مش عشان يستنجد بيها أو يشتكيلها مني... لكن عشان يقولها الجملة اللي تمنيت أسمعها منه من ثلاث سنين. الجزء الثالث — يا أمي متجيش. أنا اللي بوظت كل حاجة بهبلي. الباب اتقفل ومسمعتش بقية الكلام. الجملة دي فضلت ترن في ودني لحد ما وصلت بيت أمي. مش لأنها خلتني أتردد أو أرجع في قراري، بس لأنها كانت الجملة اللي استنيت سنين عشان يقر بيها. أمي فتحتلي الباب، أخدتني في حضنها، واستنت لما قعدنا في المطبخ وشرِبنا حاجة دافية. — خلاص يا ماما... اتأنفست. — متأكدة من قرارك؟ — متأكدة ألف في المية. حكيتلها على المطبخ، الدبلة، والمكالمة اللي سمعتها. — يبقى من بكرة الصبح نبتدي في الإجراءات —ردت عليا بثبات. جوازنا كان بعقد قائمة وشروط، والشقة كانت معملة بعد الجواز، ورغم إن الشقة باسم شريف في الأقساط، بس الفلوس كانت بتدفِع من دخلنا وإحنا متجوزين. وحماتي نادية كانت دافعة جزء في المقدم، يعني أي نقطة خلاف هتتحسب بالأوراق والمستندات، مش بالصوت العالي والزعاق. أمي كانت واضحة معايا: — مش هنفتري ولا نطلب حق مش حقك، وفي نفس الوقت مش هنسيب قرش واحد من حقك. وده بالظبط اللي كنت عاوزاه. تاني يوم الصبح لقيت على تليفوني 27 مكالمة فائتة منه. الرسائل الأولانية كانت: " ارجعي ونتكلم." "سامحيني والبيت سينضف فوراً." "أنا هعمل كل اللي عايزاه." بعدها اللهجة اتغيرت وبقت عتاب وقسوة: "أنتِ كبرتي الموضوع وتلككتي." "مافيش ست أصيلة تسيب بيتها عشان شوية مواعين!" وفي الآخر خالص: "أمي كان عندها حق، أنتِ عمرك ما طمر فيكي حاجة من اللي عملتها عشانك." وريت المحادثة لأمي. — سبيها ومتمسحيش حاجة —قالتلي—. الناس بياخدوا وقت عشان يعيدوا كتابة التاريخ لما يلا أفعالهم ليها عواقب. رفعنا دعوى الطلاق للضرر مع الأستاذة نجلاء، زميلة أمي في المحاماة. فزمتلي إن شريف مش هيقدر يجبرني أعيش معاه بالسيف، بس القصة كلها هتاخد وقت في تصفية الحقوق والمؤخر والحاجات المادية. شريف جاب محامي هو كمان. أول دفاع ليهم كان إن الشقة من حقه هو لوحده لأنه كان بيدفع أقساط أكتر ولأن أمه شاركت في المقدم. وادّعى كمان إني "تقريباً مكنتش بشارك في مصاريف البيت" لأني شغالة من البيت ودخلي أقل منه. الجملة دي وجعتني أكتر من أي كلام عن الفلوس. أنا كنت بدفع أكل الأسبوع، الفواتير، ومستلزمات البيت كلها بكارتي. كنت بسهر طول الليل أراجع كتب وروايات لغاية ما ظهري يتكسر. كنت برتب المواعيد، الفواتير، التصليحات، وأبقى عارفة الأكل المتبقي، الفواتير اللي معادها جه، والأوراق فين. بعد أسبوع واحد من مشيتي، شريف بعتلي مسج يسألني هي الملايات النظيفة محطوطة فين! مردتش عليه. المحامية جمعت كشوف الحسابات، فواتير الشراء، عقود الشغل، والتحويلات. وكمان قدمنا عرض الشغل المكتبي اللي كنت رفضته زمان عشان شريف كان مأصر إن "البيت محتاج اللي يراعية". الموضوع ماكانش إثبات إني ملاك. الموضوع كان كسر كذبة إني مكنتش بعمل حاجة. وفي وسط كل الدوشة دي، استلمت شغلي الجديد في دار النشر اللي كانت في بيت قديم جميل قريب من محطة الرمل في الإسكندرية. أول يوم وصلت قبل معادي بتلت ساعة. كنت نسيت شعور إن يكون عندك مكان رايحة له بطلبك وشغفك أنتِ. مديرتي، مدام ميرفت، سلمتني رواية مليانة تعديلات. — عاوزة رأيك الحقيقي النقد المباشر، مش تحاولي تقوليلي اللي فاكرة إني عاوزة أسمعه. الجملة نزلت عليا زي قلم فاقني. في جوازي، كان رأيي مسموع بس لما يوافق رأي شريف. بعد الضهر سلمت ملاحظاتي. — ممتازة —قالت مدام ميرفت—. بكرة تناقشي وتدافعي عن تعديلاتك في الاجتماع. "دافعي عن تعديلاتك." الكلام خلى دموعي تنزل من غير ما أحس. واحدة واحدة بدأت أسترد حاجات صغيرة ضاعت مني: أفطر الحاجة اللي على مزاجي، أزور صاحباتي من غير ما أقدم مبررات، أشتري ورد للبيت لمجرد إنه يعجبني، وأقضي يوم الأحد كله أقرأ رواية من غير ما أحس بذنب. شريف نبرته اتغيرت هي كمان. بطل يهاجم وبقى يطلب يقابلني ونتكلم. رفضت أسابيع، لحد ما المحامية شافت إن القعدة هتبقى مفيدة عشان نخلص الاتفاق المالي ودياً. اتقابلنا في كافيه. شريف جه قبلي، وكان باين عليه التعب والهم. — شكلِك اتغير يا ندى. — وأنت كمان. — البيت ساكت أوي ومن غير روح. مردتش. — أنا مكنتش عارف إنك بتعملي حاجات كتير أوي كده في البيت. — لا، أنت كنت عارف، بس مأخدتش بالك غير لما الحاجات دي بطلت تتفعل لوحدها. بص في الأرض ووطى راسة: — أمي جاتلي بعد ما مشيتي... كانت عاوزة تاخد هدومي تغسلها عندها. ابتسمت مرارة: — متوقعة. — قلتلها لا. الرد ده فاجأني بصراحة. — اتخانقنا يومها... قالتلي أنت مش محتاج تتعلم حاجات المفروض مرتك هي اللي تعملها. قلتلها أنا عندي أربعة وثلاثين سنة وعيب أوي أكون مش عارف مكان الفوط فين في بيتي. سكت شوية وبعدين كمل: — أنا بدأت أروح لدكتور نفسي. — خطوة كويسة. — الدكتورة سألتني ليه كنت فاكر إن عشان بكسب أكتر ده يديني سلطة أتحكم فيكي وأمشيكي على مزاجي... ملقتش رد أقولهولها. — عشان عمرك ما سألت نفسك السؤال ده قبل كده. — صح. أخد نفس عميق: — أنا هوافق على تقييم الشقة. عاوز أحتفظ بيها وادفعلِك نصيبك بالكامل زي ما الأوراق والاتفاق بيقولوا. وهسحب كلامي اللي قلته إني أنتِ مكنتيش بتشاركي... ده كان كذب. — ده كان أسلوبك عشان تعاقبني. — مظبوط. الصراحة دي كانت توجع أكتر من أي حجة. — ليه مضيت على الورقة دي زمان طالما مكنتش ناوي تتغير؟ شريف بص للشارع من الشباك: — لأني كنت خايف أضيعِك. بس بصراحة... كنت فاكر إني لو استحملت كام يوم، كل حاجة هترجع زي الأول وأنتِ هتهدي. أهو ده السر كله. هو متغيرش عشان بيحترمني. هو اتغير مؤقتاً عشان كان خايف. — ولما رجعتِ الأحد ده —كمل بصوت مكسور—، كنت مستني بجد إنك تنضفي المطبخ معايا. ولما شفت وشك فهمت إني قضيت الأسبوع ده "بساعدك" مش "بشيل مسؤوليتي". كنت فاكر نفسي بطل عشان غسلت طبقين. أنا كنت بشتغل سنين من غير ما أستنى تسقيف. هو كان مستني ميدالية عشان استحمل أسبوع! — أنا حبيتك أوي يا شريف —قلتهاله من قلبي. — ودلوقتي؟ بصيت من الشباك: — مشاعري اتأكلت مع كل مرة قلتلي فيها "متأفوريش"، مع كل مرة أمك هانتني فيها وأنت ساكت، ومع كل قرار أخدته بدالي. شريف ضغط على شفايفه وسكت. — هتسامحيني في يوم من الأيام؟ — غالباً اه. رفع عينه في عيني: — بس المسامحة مش معناها إني هرجع. — عارف. والمرة دي، صدقت كلامه. الاتفاق المالي خلص بعد أسابيع. حُسبت مشاركة حماتي نادية في المقدم بالأوراق مع باقي الفواتير والمصاريف، شريف احتفظ بالشقة وأنا أخدت حقي الناشف بالكامل. ماكانش الموضوع "خراب بيت" أو إني "أخدت شقاه". كان الموضوع تقفيل حسابات بالعدل. الطلاق الرسمي تم بعدها بفترة قريبة. لما المحامية كلمتني تبلغني، قعدت على بنك خشب قدام دار النشر. محستش بنصر ولا شماتة. حسيت بهدوء. هدوء صافي ونظيف. من غير أوامر. من غير خوف إن حد يفتح باب بيتي بمفتاح أنا ممضيتش عليه. عيطت خمس دقائق بالضبط. وبعدها مسحت دموعي ورجعت كملت شغلي. بعد شهرين أأجرت شقة صغيورة قريب من الشغل، وبعدها بقدرة ربنا قدرت أدفع مقدمها. كانت أوضتين، مطبخ صغيور وملموم، وبلفونة بتطل على الشارع. أمي كانت معايا وأنا بستلم المفاتيح. فضلت باصة للمفاتيح في إيدي. — فيه حاجة يا ندى؟ —السمسارة سألتني. — لا، بس مبسوطة إن مافيش حد تاني معاه نسخة منها. أمي فهمت قصدي من غير ما تنطق كلمة. في السهرة دي عزمت صاحباتي. واحدة جابتلي أبجورة تركواز كبيرة مش لايقة على أي حاجة في الصالة. — جيبتهالك عشان مالهاش لازمة ومش عملية —قالتلي وهي بتضحك—. أنتِ طول عمرك بتشتري الحاجات العملية للبيت بس، جه الوقت اللي تجيبي فيه حاجة تحبيها لمجرد إن شكلها عاجبك. حطيتها في الصالة. ولسة محطوطة لحد النهاردة. ياسمين أخت شريف بعتتلي مسج في يوم تقولي إن أمه "مكسورة ودمعتها على خدها" لأن شريف أبعد عنها. مردتش عليها. بعدها بأسابيع عرفت إنه طلب من أمه ترجع المفتاح وبطل يخليها تيجي من غير ميعاد، وبدأ يحط حدود لياسمين اللي كانت متعودة تخليه يقضيلها كل طلباتها. بالنسبة ليهم، شريف "اتغير وبقى قاسي". يمكِن اتغير فعلاً. بس مش بالطريقة اللي هما عاوزينها. بعد ثلاث شهور من الطلاق كلمني. — مش عاوز أزعجك —قال لي—. بس كنت عاوز أقولك حاجة. — سامعاك. — أنا النهاردة طبخت كوارع وفتة. ضحكت من قلبي: — ده تطور خطير. — طلعت مش قد كده بصراحة. — أهو ده التطور الحقيقي بقى! ضحك هو كمان. — الدكتورة بتقولي إني كنت بلخبط بين الرعاية والخدمة. اتعكست في بيتنا إن الست بتعبر عن حبها بأنها تشيل كل حاجة، والراجل بيعبر عن حبه بإن يدفع الفواتير. بحاول أغير المفهوم ده من دماغي. — يفرحني إنك بتحاول. — أنا مش بكلمك عشان أطلب ترجعي. — عارفة. — كنت عاوز أشكرك بس. — أنا ممشيتش عشان أربيك يا شريف. — عارف ده كمان. بس لو مكنتيش مشيتي، كنت هفضل فاكر إن المشكلة فيكي أنتِ. قفلا مع بعض بعد شوية. ولأول مرة أقدر أفكر فيه من غير غل أو عصبية. بعد سنة تقريباً، وأنا برتب كرتونة قديمة، لقيت الورقة إياها متطبقة أربع طبقات. لستة حماتي نادية. شوربة لسان عصفور. بفتيك. رز بالشعرية. سلطة خضرا. عصير قمر الدين. "كل حاجة تجهز على الساعة واحدة بالدقيقة". فضلت باصلها. كانت ورقة هفيفة... بس حياتي لسنين كانت عبارة عن الورقة دي: لستة كاتبها ناس تانية. أطبخ إيه. أخدم مين. أبتسم امتى. أرفض أنهي شغل. وأكون أنهي نوع من الزوجات. قطعتها حتت صغيرة ورميتها في الزبالة. في اللحظة دي تليفوني رن. كانت مدام ميرفت. — يا ندى، الإدارة وافقت على ترقيتك. الشهر الجاي هتمسكي إدارة فريق المراجعة كله. سكت من المفاجأة. — أنتِ معايا يا ندى؟ بصيت على صالون شقتي، الأبجورة التركواز، كتبي، الزرع اللي في البلكونة، ومفاتيحي المحطوطة جنب الباب. — أيوة يا فندم، ومواقفة جداً. أول شخص كلمته كانت أمي. — عزماكي على العشا النهاردة يا ماما. — ماشي، بس بشرط مش هنطبخ! — بيتزا؟ — وحاجة حلوة كمان. — مين اللي هيختار المكان؟ ابتسمت وقالت: — أنا. في الليلة دي فهمت حاجة كان نفسي أفهمها من زمان أوي. كنت فاكرة إن العيلة بتتحافظ عليها بالصبر والاستحمال، إن الزوجة الاصيلة هي اللي بتتنازل أكتر، بتسامح أكتر، وبتشتكي أقل. كنت غلطانة. البيت مبيتعمرش لما فيه بني آدم يختفي ويتلغي عشان الباقيين يرتاحوا. شريف كان لازم يخسر جوازه عشان يبتدي ينضج ويكبر. نادية كان لازم تفقد السيطرة على ابنها عشان تفهم إن الأمومة مش معناه تحكم في راجل بالغ. وأنا كان لازم أخسر العيشة اللي فاكراها أمان عشان أسترد أهم حاجة: صوتي، شغلي، وقتي، وحقي الكامل إن أقول "لا". عمرى ما ندمت إني اديته الفرصة الأخيرة دي. كنت محتاجة أتأكد إن إمضاء ورقة مبيغيرش بني آدم طالما هو مش فاهم هو ليه لازم يتغير. ومش محتاجة أعرف لو كان اتغير بدري كنت هفضل ولا لأ... لأن قصتي مخلصتش لما مضينا ورقة الطلاق. قصتي بدأت الحقيقية في اليوم اللي بطلت فيه أستأذن عشان أعيش حياتي. طول عمرنا بنفتكر إن الحب هو التحمل والاستحمال... بس النهاردة أنا عارفة إن الحب اللي يطلب منك تتلغي، ماهوش حب. ومافيش بيت، ولا جواز، ولا عيلة تستاهل إنك تضحي بكرامتك والبني آدم اللي بتشوفه في المراية لما تقفل الباب وتقعد مع نفسك. في الليلة دي رفعت الكاس بتاعي. ممشتش عشان كسبت... شربت لأن أخيراً... بطلت أخسر نفسي.