ماتستاهلش حصري لصفحة روايات رولا
— إنتي عملتي كده يا سوسن؟!
— أنا كنت خايفة عليها وبفكر في مصلحتها! — سوسن دافعت عن نفسها بصوت حاد وزعيق — البنت دي طول عمرها بتحب تلفت النظر وتعمل شو! وصفا هي اللي بتملى دماغها ضدنا!
— أمي.. خلاص كفاية! — طارق قالها ولأول مرة في حياته بصوت قوي وثابت زلزل المكان — كفاية تقولي إن ندى مش بنتي! ندى بنتي! أنا اللي مربيها من وهي عندها خمس سنين! أنا اللي علمتها تركب العجلة من غير سندات في حديقة الأزهر! أنا اللي كنت بطهرلها ركبتها لما تقع وتتعور! أنا اللي حضرت كل جلسات ومجالس الآباء بتاعتها! فاكرة إن مش بيوجعني لما تقولي للناس كلها إنها مش من دمي؟
ندى خطت خطوة لقدام، وكانت لابسة الفستان الأزرق كأنه درع حاميها:
— يا تيتة.. أنا عمراني ما عملتلك حاجة وحشة. كنت بس نفسي تحبيني ولو شوية صغيرة. لما كنتي بتقوليلي إني مش حفيدتك الحقيقية، كنت بروح أوضتي وأسأل نفسي أنا أذنبت في إيه؟ كنت بفتكر إني لو جبت الامتياز والدرجات النهائيات، لو كسبت مسابقة الإلقاء، لو بقيت مؤدبة ومثالية، في يوم من الأيام هتشوفيني زي بقية ولاد عمتي.
سوسن بصتلها بقرف واحتقار، بس المرة دي كان فيه خوف، لأن الناس اللي حوالينا بدأت تتجمع وتسمع كل كلمة.
— إنتي قليلة أصل زي أمك! أنا كنت بس بحمي ابني من واحدة دخلت عليه ببنت راجل تاني!
عبد المجيد هو اللي اتصرف ساعتها. مسك شنطة سوسن وطلع منها ميدالية المفاتيح.
— إدي المفتاح لطارق يا سوسن، دلوقتي حالاً!
— إنت كمان يا عبد المجيد؟
— إدي المفتاح لابنك! إنتي معندكيش دم ولا خشا؟ تقطعي فستان؟ تحرمي حفيدتك من فرحة تخرجها؟ إيه القسوة دي؟ إيه الست دي؟
سوسن، وهي مزنوقة في الزاوية، بصت لطارق تستنجد بيه، بس ما لقيتش عنده أي حاجة. ابنها كان بيبصلها بخيبة أمل عميقة تخلي أي حد يحس إنه كبر عشر سنين في خمس دقائق.
— على مدار خمسة عشر سنة — كملت كلامي — أنا شلت الأجندة دي مش عشان أنتقم، بس عشان كنت عارفة إنك في يوم من الأيام هتعدي الحدود وتعملي حاجة بشعة محدش يقدر ينكرها. وعشان تعبت من كتر ما كنت أشتكي وتقولوا لي بتبالغي وهي من جيل تاني. لا يا سوسن، إنتي مش من جيل تاني، إنتي ست قررت إن طفلة ما تستاهلش الحب لمجرد إنها مش شايلة دمك.
طارق مسك الأجندة وقرا آخر صفحة، الصفحة اللي كتبتها امبارح بالليل بعد ما لقيت الفستان متقطع:
— امبارح بالليل — قرا بصوت واطي ومكسور — 7 يونيو. سوسن دخلت بمفتاح الطوارئ. دمرت الفستان الأوف وايت اللي اتعمل في ست شهور. قالت: “هي ما تستاهلش يوم مميز”. ندى عيطت. صفا طلعت مشروع الفينكس، الفستان النيلي المطرز في السر. وتحت كتبت: النهاردة الموضوع انتهى.
سود الصمت لفترة طويلة. لحد ما عبد المجيد، وعينيه مليانة دموع، قرب من ندى وحضنها جامد:
— سامحيني يا بنتي.. سامحيني إني ما أخدتش بالي من بدري. إنتي طالعة زي القمر، وكلمتك كانت أحسن كلمة في الحفلة كلها. جدك فخور بيكي جداً.
ندى انفجرت في العياط، بس المرة دي كان عياط راحة وأمان.
طارق مد إيده تاني:
— المفتاح يا أمي.. ومن النهاردة، مش هتعتب بيتي إلا لما نعزمك بنفسنا. ومش هتشوفي ندى تاني إلا لما تعتذري لها اعتذار حقيقي وتعرفي إنتي عملتي إيه.
سوسن، وهي بتترعش من الغل، خلعت المفتاح من الميدالية ورمته على الأرض بغضب. خبط في الأرض بصوت رنان كلنا سمعناه.