ماتستاهلش حصري لصفحة روايات رولا
بعد ساعة، لما العميدة نادت على اسم ندى عشان تقول كلمة الخريجين، بنتي طلعت على المسرح تحت النور. الحرير الأزرق كان بيموج وبيغير لونه مع الحركة، والكريستالات بتلمع زي نجوم السما.
ندى خدت نفس عميق وبصت للناس:
— بيقولوا إن التخرج ده نهاية مرحلة.. بس أنا بشوفه دايماً دليلاً إن في حاجات كتير حاولت تعطيلنا وما عرفتش.
القاعة كلها هديت وسكتت تماماً.
— ساعات الناس اللي المفروض يشجعونا ما بيقدروش يعملوا ده.. وبنتعلم إن سعادتنا ما ينفعش تعتمد على رضا حد بيصر إنه يقلل مننا.
حسيت بعيني بتدمع وتكتمني. طارق بدأ يعيط من غير ما يخبي وشه.
لما ندى خلصت كلامها، الصالة كلها وقفت تسقف بحرارة. طارق كان أول واحد يقف على حيلو، وعبد المجيد وقف وراه وبيعزف مع الناس.
بعد الحفلة، والناس كلها بتتصور جنب اليافطة الكبيرة بتاعت “مبروك التخرج”، طارق مشي بخطوة ثابتة ناحية أمه. سوسن فتحت دراعاتها بابتسامة، فاكرة إن ابنها جيلها وهيصفلها.
— يا حبيبي، لازم تسمع صفا بتقول إيه، دي بتتبلى عليا…
مد إيده بمنتهى الحزم:
— هاتي مفتاح بيتي يا أمي.
ابتسامة سوسن اختفت في ثانية:
— إيه؟
— المفتاح يا أمي، مفتاح الطوارئ.
— إنت هتصدقهم وهتصدق الغريبة دي وتكدب أمك؟
قربت منهم وطلعت من شنطتي أجندة بني صغيرة، جلدها دايب من كتر الاستعمال. سوسن عرفت منظري وشكلي قبل ما تعرف إيه اللي جوه الأجندة.
طارق بصلي باستغراب:
— إيه ده يا صفا؟
فتحت أول صفحة، المليانة تواريخ وصور مطبوعة وملاحظات بخط إيدي:
— خمسة عشر سنة يا طارق. خمسة عشر سنة من كل حاجة أمك عملتها في بنتنا.
وش سوسن جاب ألوان واصفرّ زي الميتين، لأنها في اللحظة دي فهمت إن الفستان المتقطع مكنش الدليل الوحيد اللي جبتو معايا الحفلة، وإن اللي جاي مش هتقدر تنكره قدام كل الناس.
الجزء الثالث
الأجندة كانت بتهتز في إيدي، بس صوتي كان ثابت وواضح:
— 22 نوفمبر 2016 — قريت بصوت عالٍ، وما همنيش إن في أمهات وقفوا يستمعوا حوالينا — مجسم ثورة 1919 اتدفق عليه قهوة واتدمر. سوسن قالت إنه غير قصد. ندى عيطت طول الليل وعملته من أول وجديد.
سوسن حاولت تقاطعني وتصرخ:
— دي كانت حادثة! صفا طول عمرها بتهول وتكبر الموضوع!
ما بصيتلهاش، وكملت وأنا بقلب الصفحات:
— 14 مارس 2017. حفلة البيانو في ساقية الصاوي. جواب الدعوة اختفى من على الثلاجة. ندى عرفت الميعاد بالصدفة من زميلتها. سوسن قالت: “أكيد رميتيه بالخطأ مع الخضار”.
عبد المجيد شد الأجندة من إيدي، وعينيه ورا النظارة كانت بتتحرك بسرعة بين السطور.
— 5 يناير 2019. عيد الميلاد. ولاد بنتك الصغيرين أخدوا عجل وتابلت، وندى أخدت حظاظة بلاستيك اتكسرت بعد يومين. وفي الكارت مكتوب: “عشان تتعلمي ما تبصيش للي في إيد غيرك”.
طارق كان كازز على سنانه وجذ أسنانه من الغضب. وندى واقفة جنبي حضنة نفسها.
— 15 أغسطس 2022. مكالمة للمس أمنية الأخصائية في المدرسة — قريت الكلام اللي الأخصائية كانت بعتاهولي نصاً على الواتساب — “بكلمك عشان أقولك إن ندى مش متزنة، ومفتقدة وجود أبوه الحقيقي، ومش حاسة إنها تقدر تستحمل العيشة والتغرب في القاهرة لوحدها. دي بنت مليانة صدمات”.
همسات وتأتأة بدأت تطلع بين الأمهات اللي واقفين. عبد المجيد رفع رأسه وهو غضبان جداً: