ماتستاهلش حصري لصفحة روايات رولا

​— إطلعي برة!
​مشيت ودبت الباب وراها بكل قوتها.
​قفلت الباب بالترباس كويس. وساعتها بس إيديا بدأت تترعش.
​ندى كانت فاضل عليها أقل من ساعة وترجع من بروفة التخرج.
​مسكت التليفون وطلبت شيماء، صاحبتي الأنتيم وهي كمان خياطة ومصممة.
​— دمرت الفستان — قلتلها.
​— إيه؟ مين دي؟
​— سوسن. دخلت بالمفتاح الزيادة ومزقته حتت.
​— صفا، إنتي لازم تطلعي على القسم وبتعملي بلاغ في الشرطة فوراً.
​بصيت على حتت الحرير المتقطعة على الأرض.
​مش النهاردة. بكرة يوم ندى. مش هحول تخرجها لخناقة ومحاكم قبل ما يبدأ حتى.
​شيماء سكتت شوية وبعدين سألتني بصوت واطي:
​— إنتي فاكرة مشروع “الفينكس”؟
​مشيت لغاية دولاب الممر وطلعت شنطة سودا كانت مستخبية ورا الجواكت.
​من شهور، بعد رمية كلام ثانية من سوسن، كنت بدأت أفي الخفاء أخيط فستان تاني. احتياطي.
​فتحت السوستة.
​ظهر فستان حرير أزرق زاهي، لون كحلي زاهي زي لون النيل بالليل.
​كان موديل مختلف تماماً. آلاف الكريستالات الصغيرة نازلة على الكورسيه زي النجوم المتطورة في سما القاهرة.
​شيماء كانت هتصرخ في التليفون من الإبهار.
​— صفا… ده أحلى بكتير من الأولاني!
​— عارفة — همستلها.
​في اللحظة دي سمعنا صوت المفتاح بيدور في الباب البراني.
​طارق لسه واصل من شغل بالليل وماشي عدل على الورشة. في ثواني، هيشوف بواقي الفستان الأوف وايت المتقطع، والفستان الاحتياطي اللي متغطي ومتعلق، ويفهم إني بقالي شهور بجهز لليوم اللي أمه فيه هتعدي حدودها تماماً.
​على مدار خمسة عشر سنة، طارق كان دايماً بيلاقي مبرر لسوسن. الليلة دي، ولأول مرة، اتساءلت بيني وبين نفسي لو كان لسه يقدر يلاقيلها مبرر كمان. مكنتش مصدقة إيه اللي هيحصل دلوقتي…
الجزء الثاني
​وقف طارق عند باب الورشة. بص الأول على ندى وهي واقفة قدام الفستان الأزرق، وبعدين بص على الأرض.
​— إيه اللي حصل هنا؟
​رديت من غير ما أشيل عيني من عليه:
​— اسأل أمك.
​وشه أصفرّ تماماً.
​— أمي مستحيل تعمل حاجة زي دي.
​ساعتها ندى هي اللي اتكلمت.

​— بابا…
​الكلمة كان فيها كمية وجع وتعب يهدوا أي حد، لدرجة إن طارق اتخرس وما عرفش ينطق.
​حكيتله إني لقيت سوسن طالعة من بيتنا بـالمفتاح الزيادة، وإنها قطعت الفستان بقصد وقالت إن ندى ما تستاهلش يوم مميز.
​وبرضه، تمتم بضعف:
​— أكيد في تفسير، أكيد فاهمين غلط يا صفا.
​هنا ندى انفجرت فيه.
​— مفيش تفسير! ومفيش فهم غلط!
​وفجأة، بنتي عملت حاجة ما عملتهاش من خمسة عشر سنة. حكت كل حاجة واسترجعت الشريط كله.
​مجسم ثورة 1919. حفلة البيانو في ساقية الصاوي. أعياد الميلاد اللي كانت بتاخد فيها حظاظة بلاستيك ورخيصة في الوقت اللي ولاد عمتها بيفتحوا فيه عجلاً وتابلت. رميات الكلام من نوعية “لما طارق يجيب عياله الحقيقيين”. والمكالمة للأخصائية الاجتماعية لما قالتلها إن ندى مش متزنة وما ينفعش تسافر تدرس برة.
​كل مرة كانت بتسكت فيها وتعدي عشان ما تقلبش طارق على أمه.
​قعد طارق على الكرسي بتاع مكنة الخياطة، كأن الهوا اترحب من صدره.
​— أنا كنت بفتكرها حوادث بالصدفة — همس بصوت مكسور — والله يا بنتي كنت بفتكرها بالصدفة.
​ندى مسحت دموعها:
​— وأنا كمان كنت بفتكر كده يا بابا، لحد ما الحوادث زادت عن حدها أوي.
​الليلة دي ما فتحناش سيرة سوسن تاني. الليلة دي كانت ملك لندى وبس.
​تاني يوم الصبح، حفلة التخرج كانت في القاعة الكبيرة بتاعت الجامعة الألمانية في التجمع. كان في تصوير، وروب وتخرج طاير في الهوا، وبوفيه صغير فيه معجنات وتورتة للأهالي.
​لما ندى خرجت من أوضتها بالفستان الأزرق النيلي، طارق اتسمر مكانه. الكريستالات كانت بتلقط نور الصبح وبتبرق مع كل خطوة بتمشيها.
​— إنتي زي القمر يا بنتي — قالها بصوت متقطع ودموعه في عينه — زي القمر يا ندى.
​— شكراً يا بابا.
​سوسن وحمايا عبد المجيد كانوا مستنيين عند باب القاعة. سوسن كانت لابسة فستان أحمر مجسم أوي، كأنها هي العروسة أو صاحبة الحفلة. أول ما شافت ندى، وشها اتقلب. الابتسامة الصفرا المتصنعة اختفت وتحولت لذهول وبعدها لغل وشر.
​— إيه الفستان ده؟ — قالت بصوت عالٍ عشان كل الناس تسمع.
​ابتسمت لها ببرود:
​— خطة ب.
​عبد المجيد حواجبو اتعقدت:
​— خطة ب إيه؟
​سوسن شدت طارق من دراعه:
​— ده مش الفستان اللي وريتهولي في الصورة! إيه معنى الكلام ده؟
​رديت أنا قبل ما طارق يتردد أو يتلعثم:
​— الفستان التاني حصتله حادثة صغيرة امبارح، بعد ما في حد دخل بيتنا بمفتاح المفروض إنه للطوارئ بس.
​عبد المجيد بص لمراته بستغراب وذهول:
​— سوسن؟ إنتي عملتي إيه؟
​أبواب القاعة اتفتحت، ونادوا على الطلبة عشان يجهزوا للنزول. ندى اضطرت تدخل مع دفعتها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *