12 سنه حصري لصفحة روايات رولا

حصري لصفحة روايات رولا
بعد ما رعتهم 12 سنة كاملة، أولادها مظهروش غير لما ماتت، ودخلوا البيت يفتشوا في كل حتة عشان يشوفوا سابت إيه. جوز أخت جوزي اتريق على الحاجة الوحيدة اللي هي سابتهالي: مخدة متبهدلة ومقطعة. وقال بقلة ذوق: “دي زبالة ملهاش لازمة”. بعد ساعات قليلة فتحتها… ولقيت جواها الحاجة اللي كلهم كانوا قالبين الدنيا عليها بقالهم سنين.
​حماتي مكنش ليها أي معاش.
​على مدار 12 سنة، شيلتها ورعيتها كأنها أمي اللي ولدتني. كنت بأكلها بإيدي، وأحمّيها، وأوديها للدكاترة، وأغير لها الملايات، وأسهر بالليالي جنبها عشان أطمن إن نفسها شغال ومستقر.
​أولادها الأربعة كانوا دايماً بحجة واحدة: “مش فاضيين ومطحونين في الشغل”.
​وقبل ما تسلم روحها بلحظات، مسكت إيدي وادتني مخدة قديمة ومقطعة.
​— دي ليكي يا مريم… إياكي تخلي حد يرميها أو ياخدها منك.
​محدش من الواقفين فهم هي بتقول كده ليه.
​ولا أنا نفسي فهمت ساعتها.
​حد ما جه الليل، ودخلت إيدي وسط القطن والفايبر المكتوم، وحسيت بحاجة ناشفة ومستخبية في القلب جوه.
​أنا اسمي مريم، عندي 41 سنة.
​لما اتجوزت مصطفى كان عندي 29 سنة. عيلته كانت عايشة في بيت قديم في أطراف منطقة أوسيم في الجيزة.
​حماتي، الحاجة فوزية، جوزها توفى وهي لسه شباب.
​مات وساب لها 4 عيال رقبتهم قد كده، وقضت عمرها كله تطحن في الدنيا عشان تربيهم: تغسل وتنضف في بيوت الناس، تبيع خضار وطعمية يوم السوق، وتشتغل باليومية في أراضي الموز والموالح.
​عمرها ما اشتغلت في شغلانة ميري ولا في مكان رسمي.
​عمرها ما اتأمن عليها ولا كان ليها رقم تأميني.
​ولما كبرت في السن وعجزت، ملقيتش جنيه معاش يسندها أو يخليها تصرف على نفسها.
​في الوقت ده، كان كل واحد من عيالها شق طريقه وبنى حياته.
​مصطفى جوزي كان أصغر واحد فيهم.
​أخواته الاتنين الكبار كانوا عايشين واحد في الإسكندرية وواحد في المنصورة. وأختهم، هناء، اتجوزت وعاشت في طنطا.
​كلهم كان عندهم عربيات ملك.
​كلهم كانوا ينزلوا صور فسحهم ومصايفهم في الساحل ومارينا.
​وكل واحد فيهم كان عنده ألف حجة وحجة عشان ميعتبش البيت.
​لما الحاجة فوزية ركبها خانتها وما بقتش قادرة تقف على حيلها، أنا ومصطفى أخدناها تكركب معانا في شقتنا.
​في الأول كنت فاكرة إن الموضوع مسألة شهرين ولا ثلاثة لحد ما تقف على رجليها.
​لكن الأيام جرت وبقوا 12 سنة.
​12 سنة شفت فيهم الست اللي كانت زمان بتشيل شكاير الدقيق على ضهرها، بقت مش قادرة حتى تمسك المعلقة تاكل بيها.
​جوزي كان شغال فني كهرباء كنترول في المصانع، ودايماً بيطلع سفريات في الصعيد وشرم وممكن يغيب بالأيام.
​فكان الحمل كله بتاع مراعاتها نازل فوق كتافي أنا.
​عمري ما اتأفأفت ولا جرحتها بكلمة.
​هي مكنتش منقية إنها تعجز وتوصل للحالة دي.
​كنت أقوم من الفجر، أعد فطار ابني وألبسه عشان المدرسة، وأجري جَري عليها عشان أساعدها تتوضى وتغير هدومها.
​وبعدها ألف في البيت: أروق، وأطبخ، وأظبط أوقات العلاج، وأتابع مواعيد الاستشارات في المستشفى الفرنساوي.
​كانت بتيجي عليها ليالي تقعد تصرخ وتنادي على اسم جوزها الله يرحمه.
​وليالي تانية تكتئب وتسرح وتسألني بصوت مكسور هي ليه عيالها مبيجوش يطلوا عليها.
​وكنت بكذب عليها عشان أجبر خاطرها:
​— شغالين يا أمي والله ومطحونين، زمانهم على وصول.
​كانوا يغيبوا بالشهرين والتلاتة ميفكروش يرفعوا سماعة التليفون.
​ولما يفتكروا وييجوا، يقعدوا 20 دقيقة بالعدد.
​يجيبوا معاهم كيلو برتقال ولا كيس بقسماط ولا شريط مسكن رخيص.
​ويقولوا لي بنبرة فيها تمثيل:
​— والله يا مريم أنتِ أصيلة وربنا يجعله في ميزان حسناتك.
​— أنا عن نفسي ماليش طول بال أعمل اللي بتعمليه ده.
​— أمي طول عمرها مخها ناشف وصعبة.
​ويطيروا على طول.

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *