12 سنه حصري لصفحة روايات رولا
بس الغريبة، إن لما كان يبدأ في السيرة موضوع بيع بيت، ولا ورث، ولا حاجة قديمة تخص العيلة، تلاقيهم كلهم طبوا فجأة وعملوا اجتماع.
ده أكتر شيء كان بيحرق دمي ويعصر قلبي.
مش إنهم سايبين لي الشيل والحمل.
لا، إنهم يتعاملوا مع الحاجة فوزية كأنها كراكيب ملهاش قيمة، ومش فارق معاهم غير هي سايبة إيه يتقسم بعد ما تودع.
في رأس السنة، جُم هناء وأخواتها وقعدوا حواليها، وبدأوا يفتحوا كلام عن قطعة أرض قيراطين كانت ملك أبوها زمان في ناحية ورداك.
هي كانت قاعدة على الكنبة جنب الشباك، هزلانة ومش قادرة حتى تبل ريقها ببؤ مغات.
— فاكرة يا أمي الأرض اللي كانت على الترعة؟ — سألتها هناء.
الحاجة فوزية بصت لها بعيون مفيهاش حيل.
— أيوه.
— عملتي فيها إيه؟ بعتيها ولا بعتي نصيبك فيها؟
— الذكريات يا بنتي ملهاش لازمة لما الست تعجز وتتركم لوحدها في زاوية.
الترابيزة كلها سكتت والوشوش اتخطفت.
هناء غيرت الموضوع بسرعة.
وبعدها دخلت لي المطبخ وكانت متغاظة.
— أنتِ بتعبي رأسها ليه وتخليها تتكلم كده؟
— أعبي رأسها بأيه يا هناء؟
— بإننا بايعينها وسايبينها.
بصيت لها وأنا مش مصدقة عينيا.
— هناء، أنتم بقالكم 3 شهور محدش فيكم فكر يخبط على الباب.
— إحنا ورانا بيوت ومسؤوليات يا مريم!
— وأنا كمان ورايا بيت ومسؤوليات، بس مسبتهاش.
سكتت ومردتش عليا.
في الشتا ده، حالة الحاجة فوزية اتدهورت خالص.
الأكل بقى يرجع زي ما هو.
النوم بقى ياكل معظم يومها.
وبدأت تمسك بإيديها الاتنين في مخدة قديمة كانت دايماً شايلاها معاها من سنين طويلة.
مخدة صغيرة، لونها أصفر من القِدم ومقشورة ومتخيطة مية خياطة من الجوانب.
في يوم، دخلت لقيتها بتطبطب على القماش المتآكل بتاعها.
— ما نجيب لك مخدة جديدة ونظيفة يا أمي؟ دي خلاص اتفزرت وماتت.
بصت لي وابتسمت ابتسامة هادية.
— فيه حاجات قديمة يا مريم، بيبقى جواها خير أحسن من الجديد كله.
أنا ساعتها افتكرت إنها تقصد الذكريات وأيام شبابها.
بعدها بأسابيع، وفي فجر يوم من الأيام، سمعت صوت نفسها بيتحشرج وبيتقطع.
جريت على أوضتها.
الحاجة فوزية كانت فاتحة عينيها وبتبص للسقف.
قعدت جنبها على السرير ومسكت إيدها السخنة.
— أنا جنبك أهو يا أمي.
حاولت تقوم وتتسند.
— بلاش يا أمي، ارتاحي خالص.
راح شاورت بإيدها على المخدة.
— هاتيهالي…
قربتها منها.
حضنتها لصدورها كام ثانية.
وبعدين زقتها ناحيتي وادتها لي.
— دي ليكي يا مريم…
حسيت بغصة في حلقي ودموعي نزلت.
— تسلمي يا أمي.
— إياكي… تخلي حد… يرميها…
دي كانت آخر جملة كاملة تطلع من بقها.
بعدها بدقائق، قبضتها على إيدي سابت… والروح طلعت لبارئها.
الحاجة فوزية ماتت وأنا ماسكة إيدها.
لما كلمنا أولادها، كلهم وصلوا في أقل من ساعة.
سبحان الله، المرة دي محدش فيهم كان عنده شغل ولا مشوار ولا عذر!
تاني يوم الصبح على طول، وقبل ما الفاتحة تخلص، بدأوا يفتحوا الأدراج والدواليب.
هناء كانت بتدور على عقود البيت.
وأخوها الكبير عمال يقلب في الفواتير وحسابات البوسطة.
والتاني يسأل بصوت واطي: “هي أمي مكنتش شايلة غوايش ولا كردان دهب على جنب؟”
أنا كنت قاعدة مكسورة ومصدومة، مش قادرة أستوعب إن الست اللي خدمت عينيها 12 سنة خلاص مشيت.
وسط الدوشة والكركبة، شفت جوز أخت جوزي بيشيل المخدة القديمة من على السرير.
— إيه القرف ده؟ دي زبالة ملهاش عازة.
وراح راميها في شنطة زبالة سوداء.
قمت بسرعة وجريت شدتها من الشنطة.
— دي لأ.. دي مش هتترجمى.
هناء ضحكت بسخرية.
— أنتِ بتتكلمي بجد؟ عايزة تطلعي من المولد بالمخدة المعفنة دي؟
— أيوه، دي بتاعتي.
— خلاص خديها، أهو على الأقل تخرجي بأي سبوبة!
مسكت نفسي ومردتش عليها كلمة.
في الليل، بعد ما الكل مشي والبيت هدي.
مصطفى كان تعبان ونام من كثرة الزعل واللف.
أنا قعدت لوحدي في المطبخ، وحطيت المخدة على الترابيزة قدامي.
قعدت أبص لها كذا دقيقة.
وفجأة افتكرت وصيتها الأخيرة وهي بتنزع:
”إياكي تخلي حد يرميها…”
كان فيه خياطة فاكة من الجنب.
مديت صوابعي جوه القطن عشان أظبط الخياطة.
وفجأة صوابعي خبطت في حاجة.
مش قطن ولا قماش.
حاجة ناشفة وتقيلة ومحشورة في نص المخدة بالظبط.
سحبتها بالراحة.
كانت كيس قطيفة نبيتي صغير.
فتحت الكيس…
لقيت جواها مفتاح قديم وشكله غريب… ومعاه ورقة مطوية مكتوب عليها بخط إيدها بالعافية:
”لـ مريم… بنت قلبي.”
على طول عرفت خط الحاجة فوزية. إيديا بدأت ترتعش، وفكيت الورقة المطوية وبدأت أقرأ:
”يا مريم: لو بتمرئي الكلام ده، يبقى أنا خلاص فارقت الدنيا وأنتِ نفذتي الطلب الوحيد اللي طلبته منك. طول السنين اللي فاتت، عيالي كانوا فاكرين إني معيش الجنيه، وأنا سبتهم يفكروا كده براحتهم… عشان كنت عايزة أعرف مين اللي هيضل جنبي لما يحس إن مفيش مصلحة ولا حاجة يورثها. أنتِ عمرك ما سألتيني معاكي كام، ولا قلبتي في أوراقي، ولا حسستيني إني حمل تقيل عليكي… عشان كده أنا عملت اللي عملته. المفتاح ده بتاع صندوق أمانات في البنك الأهلي فرع المهندسين، وجواه العقود والأوراق اللي أبويا سابها تحت إيدي من سنين طويلة.”
تحت الرسالة كان فيه كارت قديم مكتوب عليه رقم الصندوق باسمها.
تاني يوم الصبح، وريت كل حاجة لمصطفى. كنت خايفة يزعل، بس هو مسك المفتاح وسكت خالص، وقال بصوت مكسور: “أمي عمري ما قالت لي على الكلام ده.. بس طالما هي اختارتك أنتِ، يبقى لازم نحترم رغبتها.”
روحت البنك، والموضوع مكنش بسهولة إننا نفتح المفتاح وخلاص، كان فيه إجراءات، ولما أظهرنا شهادة الوفاة، الموظف اتصل بالمحامي اللي الحاجة فوزية كانت كاتبة اسمه ورقمه في ورقة صغيرة تانية جوه الكيس.