12 سنه حصري لصفحة روايات رولا
المحامي كان اسمه الأستاذ صلاح، راجل كبير في السن ولما عرف أنا مين، تنهد وقال: “الحاجة فوزية قايلالي إنك هتتصلي في اليوم ده.”
قابلناه في مكتبه بالدقي، وطلع ملف تقيل وقال: “الحاجة بدأت تجهز الفكرة دي من 5 سنين.”
الملف كان جواه عقود مسجلة، ورخص، وخرائط لأرض مساحتها حوالي 12 فدان في منطقة كانت زمان صحراء وأراضي زراعية بكتير، بس مع التوسع في أكتوبر والشيخ زايد والمحاور الجديدة، الأرض دي بقت في قلب منطقة استثمارية ومحاطة بكمبوندات، وكل شركات التطوير العقاري كانت بتجري وراها عشان تشتريها.
لما مصطفى سأله: “الأرض دي تسوى كام دلوقتي؟”
المحامي رد بثبات: “آخر تقييم رسمي للأرض عدى الـ 60 مليون جنيه.”
أنا ركبي خبطت في بعضها ومش قادرة أصدق.. 60 مليون جنيه؟!
المحامي كمل وطلع عقد تأسيس “شركة وهيئة حماية وإدارة أملاك”، والحاجة فوزية كانت كاتبة إن المستفيد الأول والوحيد من الأرض دي هو أنا: مريم.. مش عيالها!
المحامي قال: “هي كانت عارفة إن عيالها هيعملوا مشاكل، عشان كده عملت تقارير طبية من مستشفيات حكومية بتثبت إنها بكامل قواها العقلية لما كتبت العقود دي، وكمان سجلت فيديو بصوتها وصورتها.”
شغل الفيديو، وشفنا الحاجة فوزية وهي لسه بصحتها شوية بتتكلم بثبات وتقول: “أنا بعمل كده بكامل إرادتي، الأرض دي لمريم، مش عشان هي مرات ابني، بس عشان هي الوحيدة اللي شالتني وصانتني لما بقيت ماليش عازة عند الباقيين.”
وأنا قاعدة بعيط في مكتب المحامي، تليفوني رن.. كانت هناء أخت جوزي!
رديت عليها، قالت لي بصوت ناشف: “مريم، إحنا جايين بكره الشقة عندك عشان نفتح موضوع التريكة ونشوف البيت والأرض اللي عند الترعة.”
رديت بهدوء: “مفيش داعي تيجوا يا هناء.. الموضوع خلاص اتأفل.”
تاني يوم، جُم الإخوات التلاتة. هناء فتحت الفولدر بتاعها وقالت: “أمي كان حيلتها كلام فارغ في البوسطة، وإحنا لازم نبيع الشقة ونشوف هنعمل إيه في مصاريف الجنازة.”
أخوهم الكبير قعد يتشرط، وأنا دخلت الأوضة وطلعت ملف المحامي وحطيتها على الترابيزة.
هناء اتريقت: “إيه ده؟ لقيتي 500 جنيه جوه المخدة المعفنة؟”
بصيت لها وقلت: “لقيت مفتاح.. والأرض اللي كنتِ بتسألي عنها في الوراق، أمي كان ليها 12 فدان في منطقة التوسع العمراني، والأرض دي قيمتها تعدي الـ 60 مليون جنيه.. والأرض دي بقت باسمي أنا.”
البيت كله اتكهرب!
هناء قامت تصرخ وتزعق: “أنتِ ضحكتي عليها! أنتِ استغلتي كبر سنها ولهفتي حقنا!”
وقفت ووشي في وشها وقلت لها بصلابة: “استغليتها؟ أنا اللي كنت بصحى الساعة 3 الفجر أغير لها وأحمّيها لما أنتم كنتم بتستخسروا ترفعوا سماعة التليفون! أنا اللي نسيت الخروج والفسح عشان أراعيها وأنتم بتمشوا في المصايف! أنتم افتكرتوها لما ماتت عشان تدوّروا سابت إيه، لكن طول ما هي عايشة كانت أمي أنا مش أمكم!”
ولما حاولوا يرفعوا قضايا ويكذبوا، المحامي طلع الفيديوهات والتقارير الطبية المسجلة بالبصمة والصوت، والقاضي رفض كل دعاويهم وطلع الحكم لصالحي.
بعد الق\ضية، هناء وأخوها الكبير قطعوا علاقتهم بينا تماماً. الوحيد اللي اتصل بعد فترة كان أخوهم الصغير، وقال لي وهو بيعيط: “أنا مش عايز جنيه يا مريم.. أنا بس بتصل أقولك إن أمي كان عندها حق، أنتِ عملتي معاها اللي إحنا كان المفروض نعمله.”
أنا ومصطفى مبعناش الأرض كلها، أجرنا جزء منها لشركة استثمارية كبيرة، وبالفلوس سددنا كل ديوننا، وعملنا وديعة لابننا عشان مستقبله.
والباقي؟ عملنا بيه دار رعاية مجانية لكبار السن الغلابة اللي ملهمش حد يخدمهم في منطقتنا، وسميناها “دار الحاجة فوزية”.
أما المخدة القديمة؟ فكيتها وغسلتها ونضفتها ورممت الجزء المقطوع فيها، وشايلاها لحد النهاردة في دولابي.
كل ما أبص لها، بفتكر إن الفلوس والأطيان ملهاش قيمة جنب كلمة حنية أو إيد تطبطب عليك وأنت عاجز.. وأن الحاجة فوزية سابتلي ثروة كبيرة، بس أكبر ثروة هي إنها عرفتني مين الأصيل ومين الخسيس.