ريحة التوم حصري لصفحة روايات رولا
لأول مرة في حياته، ملقاش كلام يترد بيه.
اتطلقنا رسمياً بعد أسابيع.
ورجعت الـ 48 مليون بتوعي من خلال خطة إعادة الهيكلة والتسويات.. جزء كاش وجزء في صورة أسهم. وافقت لأني مكنتش عايزة أخرب بيت حد ولا أحرق شركة، أنا كنت عايزة أقفل الصفحة دي بس.
افتكرت إن القصة خلصت لحد هنا.
لكن طلعت غلطانة.
بعد تلات شهور تقريباً من ليلة الحفلة، كنت طالعة متأخر من اجتماع في التجمع. السواق كان بيجيب شوية أوراق، فنزلت الجراج وكان معايا واحد من أفراد أمن الشركة.
سمعت صوت بينادي باسمي:
—فريدة.
مازن طلع من ورا عمود في الجراج.
كان خاسس جداً ووشه دبلان. بقاله أسابيع بينزل بوستات وفيديوهات بيقول إن أنا استغليت “اسم ونفوذ بابايا” عشان أدمره. الليلة دي عينيه كانت حمرا وفي إيده إزازة.
—كل اللي حصلي ده بسببك أنتِ! —قالها بغل.
حارس الأمن وقف بيني وبينه فوراً:
—يا أستاذ، ابعد مكانك!
مازن مسمعش الكلام وحاول يزوق الحارس عشان يوصل لي:
—أنتِ ضيعتي مني شركتي، وبيتي، وأصحابي!
—شركتك لسه قائمة —رديت ببرود— بس خلاص.. مابقتش بتاعتك.
الكلمة دي جننته أكتر.
حاول يهجم، بس الحارس كتفه وثبته على عربية قبل ما يلمس مني شعرة.
الكاميرات سجلت كل حاجة، والأمن طلب البوليس. ومازن لما أدرك إن الموضوع كبر، بدأ يتوسل ويترجى:
—ما تعمليش بلاغ.. أنا كنت سكران ومغيب.. كنت عايز أتكلم معاكي بس!
بصيت له وافتكرت ليلة الحفلة:
“ده مجرد سوء تفاهم”.
“ده كان ألم صغير”.
“دي كانت شاهيناز”.
“دي كانت أمي”.
دايماً كان بيلاقي شماعة وصغائر يقلل بيها من البلاوي اللي بيعملها.
—المرة دي هتشرح وجهة نظرك في النيابة —قلت له.
التسجيلات أثبتت التهديد والمحاولة، والمحامي أخد قرار بعدم التعرض. ولأول مرة، مازن فهم إنه مابقاش ينفع يظهر في حياتي وقت ما يحب، ولا يطلبني وقت ما يحب، ولا يقتحم خلوتي تحت مسمى “كنا متجوزين”.
بعدها بشهور، كنت بنفطر أنا وبابا في الفيلا.
—ندمانة إنك خبيتي أنتِ مين في الأول؟ —سألني.
فكرت شوية قبل ما أرد:
—آه ولا.
—إجابة دبلوماسية أوي.
ضحكت:
—ندمانة إني افتكرت إن عشان أتحب كان لازم أصغر نفسي وأختفي.. بس مش ندمانة إني شفت مازن على حقيقته لما افتكر إني حيلة مفيش حيلتي ومفيش ورايا حد يسندني.
بابا حط الفنجان:
—بس ده كلفك كتير أوي يا فريدة.
—كتير جداً.. بس كان درس عمر.
أنا مسكت إدارة قطاع الاستثمار والتطوير في شركات بابا. وأول قرار أخدته كان شديد في الرقابة على الشركات اللي بنمولها وتطبيق قواعد احترام الموظفين وعدم استغلال النفوذ. اتعلمت إن الشركة ممكن تبان من بره نجاح باهر، وهي من جوه مسوسة ومصدية بسبب إيجو وغرور شخص واحد.
في يوم جمعة، المحامي إبراهيم دخل مكتبي ومسك علبة صغيرة:
—دي وصلت لحضرتك.
فتحتها.. لقيت فيها غوايش جدتي، بعد ما اتصلحوا واتلمعوا.
مسكتهم في إيدي.
طول السنين اللي فاتت كنت فاكرة إن أكبر تضحية عملتها إني بعت دهبي عشان أساعد مازن.
لا.
أكبر تضحية عملتها كانت إني غطيت على صوتي وكرامتي عشان أحافظ على جوازة مكنتش بتشتغل غير وأنا المظلومة والمكسورة.
لبست الغوايش في إيدي.
وبصيت على القاهرة من الشباك.
مازن لسه غرقان في قضايا وديون ومحاكم. شاهيناز بتحاول تبدأ من الصفر، وسعاد بطلت تتصل أو تبعت رسائل.
أنا مابقيتش محتاجة اعرف عنهم حاجة.
لأن أحسن انتقام وأعظم عدالة مكنتش إنهم يتعاقبوا أو يتعذبوا…
أحسن عدالة كانت إني أخرجهم من حياتي تماماً وأبطل أكون ضحية في قصتهم.
ليلة الحفلة، لما مازن ضربني قدام الناس وقال إن من غيره أنا ولا حاجة، كان فاكر إنه بيحطني في مقامي.
هو في الحقيقة فكرني بـ مقامي الأصلي.
مش مقام بنت فريد بك التهامي.
ولا مقام سيدة أعمال.
مقام ست اشتغلت، وحبت، وشالت، واستحملت كتير.. وأخيراً فهمت إن الأصول والجدعنة من غير احترام مش حب، وأن المسامحة مش معناها تسيب اللي أذاك يرجع يلمسك تاني.
بابا كان دايماً يقول: النفوذ والفلوس بيظهروا المعدن الحقيقي.
لو حد أصل ونضيف.. بيزيد كرم.
لو حد ناقص ومريض.. بيزيد غرور.
ولو حد فاكر الحب امتلاك.. النجاح بيده فرصة أكبر يمارس قسوته.
مازن أخد الفرصة دي.. وجرس نفسه قدام الكل.
وأنا كمان أخدت الفرصة.
ومن يومها، لما حد بيسألني عن اليوم اللي استرديت فيه حياتي، مابقولش يوم الطلاق، ولا يوم القضايا، ولا يوم ما رجعت فلوسي…
بقول إنها كانت الليلة دي.. ليلة الحفلة والكاسات المكسورة، لما بطلت أسأل نفسي: “هما ليه مش بيحترموني؟”
وبدأت أسأل نفسي: “أنا ليه لسه باقية في مكان ميهمنيش فيه كرامتي؟”
والسؤال ده.. هو اللي غير كل حاجة.