ريحة التوم حصري لصفحة روايات رولا

​مازن وشه أصفر ولونه طار.
​—فريد بك!.. يا ألف أهلاً وسهلاً.. شرفتنا. أنا مازن الأسيوطي، مؤسس شركة الأسيوطي تك.
​بابا حتى ما بصلوش ولا عبره.
​عدى وقطع القاعة طول بعرض، ووقف قدامي مباشرة، ولما شاف علامة القلم على خدي، ملامح وشه اتقلبت وغضبه بقى يرعب.
​—فريدة —قالها بصوت هز القاعة وخلى الكل يسكت تماماً—: قوليلي مين اللي تجرأ ولمسك أو عمل فيكي كده؟
​مازن الكأس وقع من إيده لاتكسر على الأرض.
شاهيناز برقت وعينيها اتفتحت على أخرها.
سعاد اتسمرت في مكانها ومقدرتش تنطق.
​وأنا فهمت إن ولا واحد من التلاتة كان لسه مستوعب حجم الغلطة والتمن المرعب اللي هيدفعوه على الكارثة اللي عملوها.
​مكنوش متخيلين خالص إيه اللي هيحصل دلوقتي…—بابا، أنا كويسة.
​دي كانت أول مرة أنطق فيها كلمة “بابا” وأقولها لفريد بك التهامي قدام مازن.
​مازن رجع لورا خطوتين وكأن حد زقه أو ضربه بقلة.
​—بابا؟!
​الهمس والوشوشة اتزرعوا في القاعة كلها زي النار في القش.
​بابا مسك وشي بحنية وطبطب عليا، وبعدها بَص لمازن بصة كلها غضب يرعب.
​—أنت ضربت بنتي؟
​—يا فريد بك.. ده مجرد سوء تفاهم بسيط بين أي زوجين…
​—لا —رديت أنا بصوت ثابت—: هو ضربني بالألم عشان سألته: هو أنت شايفني فعلاً عار عليك وعبء؟
​شاهيناز بعدت عنه فوراً وتسحبت، وسعاد حماتي لونها اتغير وطريقتها اتقلبت 180 درجة:
—فريدة.. يا حبيبتي يا بنتي، إحنا ممكن نعدعد مع بعض ونأتكلم في السر وبعيد عن الناس…
​من تلات دقايق بس كنت في نظرها ست بيت ملهاش لازمة وكسفة. دلوقتي بقيت “حبيبتي وبنتي”!
​بابا أدى إشارة للمستشار القانوني بتاعه، أستاذ إبراهيم، اللي كان ماسك في إيده ملف أزرق تقيل.
​—مازن —قال إبراهيم بصوت صارم—: شركة “الأسيوطي تك” واخدة قرض بـ 120 مليون جنيه بضمان جزئي وتسهيلات من كيان تابع لمجموعة التهامي. والضمان ده فيه شروط وقواعد صارمة تخص السمعة، وإدارة المخاطر، والالتزام الأخلاقي.
​مازن بلع ريقه بصعوبة:
—وده.. وده إيه علاقته باللي بيحصل؟
​—كل العلاقة —رد إبراهيم—: لجنة المخاطر اتجمعت دلوقتي، والضمان هيتسحب، والبنك هيطالب بضمانات جديدة فوراً أو يسدد القرض بالكامل قبل ميعاده. غير إن الصندوق اللي كان داخل يمول الجولة الاستثمارية الجديدة بتاعتكم ملك للمجموعة عندنا.
​وش مازن اتخطف ولونه بقى زي الورقة البيضا:
—فريدة… أنتِ كنتِ تعرفي؟
​—أنا اللي جيبتلك الضمان ده وشفعتلك عند بابا.
​اتسمر مكانه ومكنش عارف ينطق. الشركة اللي كان بيفشر ويتباهى إنه بناها “لوحده وبدراعه”، كانت عايشة وواقفة على حيلها لأن أنا، ومن تحت لتحت من غير ما يعلم، أقنعت عيلتي تسنده لما مفيش مخلوق كان راضي يبص في وشه.
​بس اللي جاي كان ألعن وأمر.
​—وفيه حاجة تانية كمان —قلت وأنا ببص له.
​إبراهيم فتح الملف الأزرق:
من تلات سنين، لما شركة الأسيوطي كانت على وش الإفلاس وهيتقفل بابها، أنا ضخيت 48 مليون جنيه في حساب الشركة عن طريق شركة إدارة أصول تبعنا. مازن وقتها مضى على إيصالات وأوراق دين، وعمره ما سأل مين الممول المجهول ده، لأنه كان مشغول بيحتفل مع أصحابه إن فيه “مستثمر مؤمن بفكرته وعبقريته”.
​المستثمر ده كان أنا.
​مازن بصلي وكأن الأرض اتفتحت تحت رجليه:
—الـ 48 مليون دول كانوا بتوعك أنتِ؟!
​—أيوه.
​—وليه معبرتنيش وما قلتليش؟!
​—عشان كنت عايزة أشوف هتتصرف إزاي وتعمل إيه لما تفتكر إنك وصلت لكل ده بجهدك ودراعك لوحدك.
​شاهيناز بدأت تتسحب ناحية الباب عشان تهرب.
​—استني مكانك.. مش هتمشي —صوت ست من قطاع الالتزام والرقابة بفريد بك وقفها.
​شاهيناز اتسمرت.
​مراجعة سريعة للحسابات كشفت عن مصاريف وفواتير غريبة بتتدفع لشركات استشارية وهمية تبعها وتبع أخوها. وفي الليلة دي، أنا طلبت مراجعة مالية شاملة للشركة.
​مازن اتجنن وصرخ:
—دي فخ! أنتِ مرتبة كل ده ومخططة له!
​—لا —رديت ببرود—: أنا كان مخططاتي أساعدك وأكبرك.. أنت اللي كان مخططك تهينني وتكسرني قدام الناس.
​المستثمرين ورجال الأعمال بدأوا ينسحبوا واحد ورا التاني. الصندوق اللي كان جاي يوقع الشراكة جمّد التوقيع فوراً. في أقل من ثلث ساعة، الحفلة اللي كانت المفروض تبقى ليلة تتويج مازن اتقلبت لكارثة ومصيبة سودا.
​بابا مسك إيدي عشان نمشي، بس قبل ما أخرج اتلفت لمازن:
—بكرة الصبح هتوصلك تلات أوراق: إخطار المراجعة المالية والرقابية، وإحضار لسداد القرض والـ 48 مليون، وورقة دعوى الطلاق.
​سعاد حطت إيدها على قلبها وصوتت:
—يا فريدة يا بنتي! مش عشان خناقة تزعلي وتبوظي بيتك وتهدي حيل جوزك!
​—لا يا طنط. الخناقة بنتكلم فيها ونحلها. الهانة ممكن تعدي أو لأ.. إنما يضربني، ويخونني، ويستغل فلوسي عشان يتنطط عليا وعلى الناس هو واللي ماشية معاه، دي حاجة تانية خالص.
​شاهيناز صرخت:
—أنا مش ماشية معاه ولا في حاجة بيننا!
​إبراهيم طلع ورقة تانية من الملف:
—يبقى هيكون من اللطيف جداً توضحي للنيابة والمحاسبين ليه الشركة بتدفع من 8 شهور إيجار شقة مفروشة في الزمالك باسمك، وليه الأستاذ مازن كان بيدخل الشقة دي 4 ليالي في الأسبوع؟
​مازن غمض عينيه بكسرة.
​وأنا فهمت إن دي كانت الحتة الناقصة في الصورة.
هو مش بس استقل بيا وازدراني.. هو كمان خانني بالفلوس اللي أنا كنت بدفعها عشان يطير بيها في السما!
​خرجت مع بابا من القاعة ومن غير ما أبص ورايا.
​الساعة ستة الصبح، المستشار إبراهيم كلمني:
—يا فريدة هانم، إحنا لقينا بلاوي أكبر بكثير من الخيانة الشرفية والمالية.. لو الكلام ده اتأكد، مازن مش بس هيخسر الشركة، ده هيروح في داهية.
​قعدت على السرير وانتفضت:
—لقيتوا إيه؟
​إبراهيم سكت ثواني وقال:
—تحويلات وتوقيعات وعقود مع جهات ومؤسسات فيها تزوير ولعب كبير أوي.
​ولما قالي مين اللي مضى وأذن بالحاجات دي، فهمت إن الحكاية الحقيقية يلا دوبك بتبدأ.
​الساعة تمانية الصبح، كنت في مقر شركات التهامي في التجمع الخامس. منمتش غير ساعات قليلة، بس عقلي كان صاحي ومفتح جداً.
​في غرفة الاجتماعات، كان مستنيني إبراهيم، واثنين محاسبين قانونيين، ومديرة قطاع الالتزام.
على الترابيزة كان فيه كشوف حسابات، إيميلين مطبوعة، وعقود موثقة.
​—هات من الأول يا إبراهيم —قلتله.
​إبراهيم شاور على تحويلات مالية:
على مدار 14 شهر، شركة “الأسيوطي تك” دفعت حوالي 9 مليون جنيه لـ 3 شركات استشارات تحت بند “علاقات عامة والتطوير”. شركتين منهم نفس العنوان، والثالثة ملك أخو شاهيناز.
الفلوس دي مكنتش بتروح للعمل شغل.. دي كانت بتدفع سفريات، ومجوهرات، وإيجار شقة الزمالك، ومصاريف شخصية.
​بس مش ده الألعن.
الشركة كانت واخدة مناقصة وتسهيلات حكومية بأوراق ومستندات ضربين فيها القوائم المالية والقدرة التشغيلية للشركة.
​—مازن هو اللي ماضي؟ —سألت.
​—أيوه —ردت المحاسبة— وشاهيناز هي اللي كانت مستلمة الملف.
​سكت شوية.
أنا كنت عايزة أطلق وأرجع حق فلوسي وكرامتي. مكنتش عايزة أتبلى على حد ولا أستغل نفوذ بابا عشان أألف قضايا. عشان كده أديت تعليمات واضحة:
—محدش يخبي حاجة ومحدش يزود حرف. فيه مخالفات والقانون بيمشي، سيبوا الجهات والرقابة والمستثمرين يتعاملوا بالأرقام. أنا عايزة حق بحق، مش انتقام وغرور.
​بابا كان قاعد في آخر القاعة وبصلي بافتخار:
—ده هيحتاج منك صبر وطول بال.
​—بس هينمني مرتاحة وضميري صافي.
​في نفس اليوم، مجلس إدارة “الأسيوطي تك” عمل اجتماع طارئ. المستثمرين المستقلين وقفوا مازن عن العمل لحين انتهاء التحقيقات. والبنك جمّد التسهيلات وطالب بضمانات فورية.
ومن غير دعم مجموعة التهامي، الشركة كانت بتغرق في ديون وسيولة صفراء.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *