اللي مكفينا حصري لصفحة روايات رولا

حصري لصفحة روايات رولا
«ما تسأليش يا أمي.. إحنا فينا اللي مكفينا»
​الكلمة دي هي اللي كانت بتتردد في ودن الست “سنية” وهي واقفة قدام التابوت الصغير بتاع حفيدتها “ملك”، بنت السبع سنين.
​الساعة كانت قربت على حدعشر بالليل، والبيت في حي “شبرا” كان ساكت سكوت يرعب. التابوت الأبيض كان مفتوح وسط الشمع والورد، اللي بعتوه الجيران اللي تقريبًا ما لحقوش يعرفوا البنت اصلاً.
​ابنها “سامح” ومراته “شيرين” طلعوا يرتاحوا فوق. على كلامهم، ملك ماتت أصلًا في العصر بسبب أزمة تنفسية مفاجأة. والجنازة هتبقى بدري أوي الصبح في المدافن اللي في “طريق الواحات”، من غير صلاة جنازة في المسجد ومن غير ما حد من القرايب يقرب أو يشوف البنت.
​الحوار كله كان داخل دخلة مش مظبوطة على دماغ الست سنية. كان هيتجنن عقلها.. فين أوراق المستشفى؟ فين حكيم الصحة اللي جه كتب شهادة الوفاة؟ وإزاي التابوت يوصل البيت بعد ساعتين بس من وقت ما قالوا إنها ماتت؟ بس كل ما كانت تفتح بؤها وتسأل، سامح كان يزعق فيها ويطير الضبة:
— “خلاص يا أمي! احنا فينا اللي مكفينا.. بلاش تعملي لنا دوشة ومناحة ع الفاضي!”
​سكتت سنية وقعدت لوحدها في الصالة عشان تودع البنت. من يوم ما جوزها الله يرحمه مات، وملك دي كانت هي النور اللي منور عليها دنيتها. كانت زمان تطير وتجري عليها كل يوم جمعة تحضنها، بس من سنة فاتوا.. سامح وشيرين مكنوش بيخلوها تشوفها تقريبًا.
​ربتت على التابوت، وقربت تقلب شعر البنت، وفجأة.. سمعت صوت هامس ضعيف أوي، لدرجة إنها افتكرت نفسها بتتخيل أو بتهلوس من الزعل:
— “تيتا.. أنا سمعت الكلام.. وما صرختش.”
​سنية جسمها قشعر، وراحت شايلة غطا التابوت لآخره.
​ملك فتحت عينها.

​البنت كانت تلج، شفايفها ميتة من العطش، وسخونية بتطلع منها تولع نار. وتحت الفستان الأبيض، صدرها كان بيطلع وينزل بالعافية. إيديها الصغيرة كانت مربوطة بسلاسل جلد ومربوطة في خشب التابوت من جوة!
​— “يا لهوي يا لهوي! يا لهوي يا بتي.. عملوا فيكي إيه؟”
​البنت حاولت تحرك إيدها، ما عرفتش.
— “ماما قالت لي.. لو صحيتي.. هتخربي كل حاجة.”
​قلب سنية اتقطع ونزل في رجليها. دا مش غلطة دكتور ولا غلطة المغسلاتي ولا بتاع الخشب.. فيه حد ربط البنت دي عشان ما تطلعش!
​بدأت تدور بإيدين بترعش على حاجة تفتح بيها الأقفال الصغيرة اللي في الجلد. دورت تحت المخدة، بين الورد، وتحت المفرش.. لحد ما لقت مفتاح صغير أوي لزقوه بشرطون تحت التابوت من تحت.

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *