كارت في القاعة حصري لصفحة روايات رولا
حصري لصفحة روايات رولا
كارت الاسم كان محطوط قدام طبقي زي الس\كينة.
مكتوب عليه بخط جاف وكبير:
”الأخت الفقيرة الجاهلة.. عايشة على قفا أخوها.”
لثواني، نسيت إزاي أتنفس. القاعة الفخمة في فندق الفورسيزونز على النيل كانت منورة بشمس الصبح، الورد الأبيض في كل حتة، الكراسي المذهبة، والناس لابسة شياكة كأنهم عمرهم ما عرفوا يعني إيه جوع أو حوجة.
أنا جيت فرح أخويا الصغير وعقلي طاير من الفرحة، لابسة الفستان الكحلي الوحيد اللي أملكه، وفخورة إن أحمد بيتجوز من عيلة عريقة ومرياحة تقدر تديله الحياة اللي أنا معرفتش أوفرهاله.
وفجأة.. ابن عم العروسة وطي، قرا الكارت، وضحك.
الضحكة المكتومة بقت تلاتة. وبعدين أم العروسة حطت إيدها على بقها، مش عشان تداري ضحكتها، لأ.. عشان تخلي الإهانة شكلها شيك. وعلى الترابيزة الرئيسية، كان مصطفى بيه الفولي، أصل العيلة وأبو العروسة، بيبصلي بابتسامة خبيثة كأنه هو اللي خطط للحركة دي ومستني يشوف هستحمل قد إيه.
إيديا كانت بتترعش وأنا ماسكة الكارت.
أنا اللي ربيت أحمد بعد ما أمنا توفت وأبونا اختفى ورا الشرب والديون اللي مبتخلصش. كان عندي تسعتاشر سنة لما سبت كليتي، اشتغلت شغلتين في المعادي—الصبح في مغسلة مستشفى والبالليل في مكتبة—كنت بأكله وبأكلي بإيدي، وأسهر جمبه في كل دور سخونية وكل كسرة قلب. كنت بلبس جزم مستعملة عشان هو يجيب جزمة كورة جديدة، وكنت ببقّي الأكل عشان هو يشبع. عمره ما سمع مني كلمة “هات القرض اللي عليك”.
حتى السيرفر وشفرات الاختراع بتاعته زمان لما كان طالب، أنا اللي بعت غوايش أمي الله يرحمها عشان أدفع رسوم التوثيق وبراءة الاختراع باسمه وبأوراق رسمية، عشان مفيش حد ييجي يستغله أو يسرق تعبه لما يكبر.
ودلوقتي.. قدام كبارات البلد والـ 200 ضيف، بقيت أضحوكة والقاعة بتضحك عليا، كأن الحب والجدعنة خلوني مالياش قيمة!
أحمد كان على الناحية التانية من القاعة بيتكلم مع المأذون. قلت لنفسي مش هعيط. وقفت بالراحة، زقيت الكرسي، وكنت مستعدة أمشي بالراحة قبل ما الوجع بتاعي يتحول لمسرحية للناس.
بس أحمد لمح وشي.
مشى ناحيتي بسرعة، والمزيكا كانت بتوطى وصوت جزمتة يرن على الرخام. بص للكارت اللي في إيدي.. والابتسامة اتلمت من على وشه تماماً.
”مين اللي عمل ده؟” أحمد سأل وصوته طالع زي الفحيح.
محدش رد.
مصطفى بيه الفولي رفع كاسه وبص ببرود: “دي هزار يا ابني.. فك كده، دعابة عائلية بسيطة عشان تعرف حجمها بس ومتقعدش تتصدر في كل صورة.”
أحمد مسك إيدي اللي بتترعش، ولَف ناحية أبو العروسة.
صوته كان واطي، بس الكلمة رنت في القاعة كلها:
”حضرتك لسة عامل أكبر وأغلى غلطة في حياتك.”
القاعة بقت زي المقابر.. سكون تام.
أحمد طلع خاتم الجواز من جيبه، حطه على الترابيزة قدامهم، وبص لعروسته “فريدة”:
“فريدة.. قوليلي إنك مكنتيش تعرفي بالمهزلة دي.”
الجزء الثاني: الانهيار والمواجهة
فريدة وشها جاب ألوان، وبصت للترابيزة بتوتر: “أحمد.. بابا كان بيضحك بس، هي اختك يعني حساسة زيادة ليه؟ وبعدين فعلاً هي هيئتها مش لابقة على الفرح، كنا خايفين الصحافة تصورهالنا وتصغرنا!”
أحمد بص لها بكسرة ونظرة تقرف: “يعني كنتي تعرفي.. ومواقفة.”
مصطفى بيه وقف بعنجهية: “جرى إيه يا جدع أنت؟ أنت فاكر نفسك مين؟ أنت شغال في شركتي! والفضل في اللبس والمقام والبرستيج اللي أنت فيه ده يرجعلي ولأكلي عيشك من خيري!”
أحمد ابتسم ابتسامة مرعبة.. ابتسامة راجل مابقاش عنده حاجة يخسرها.
”شغال في شركة حضرتك؟” أحمد قالها بصوت هادي وهو بيمسك إيدي جامد: “حضرتك نسيت إني مش مجرد مهندس شغال عندك.. أنا اللي مسك سيستم الصيانة والتطوير والبنية الرقمية لشركة ‘الفولي للإعمار’ كلها السنتين اللي فاتوا، وأنا اللي عملت الكود اللي بيشغل عقودكم الجديدة.”
أحمد بص لفريدة وقال بمنتهى الثبات: “الفرح ده اتلغى.. والجوازة دي مش هتتم.”
أم العروسة صرخت بصوت عالي: “أنت اتجننت؟! الصحافة والناس والوزراء برة! هتفضحنا؟!”
أحمد تجاهل صريخهم تماماً، مسك إيدي وجرني وراه، ومشينا بين الـ 200 ضيف اللي كانوا واقفين مصدومين وفي حالة ذهول. خرجنا برة الفندق، والمطر كان بيبدأ ينزل على شوارع القاهرة.
ركبنا عربيته البسيطة، وأنا كنت بكي بهستيريا في الكرسي اللي جمبه: “أحمد.. أنت سيبت عروستك وشغلك بسببي! أنا بوظتلك دنيتك!”
أحمد بصل هادي، وشغل التكييف الدافئ، ومسك إيدي: “يا نورهان، لو مكسبتش أختي اللي عملتني راجل، يبقى كل اللي هكسبه بعد كده ملوش أزمة. الفلوس والمظاهر دي تتدايس بالجزمة تحت رجلك.”
الجزء الثالث: كواليس الليلة السودة
طول الليلة دي، أحمد مكنش نايم.
قعد على لاب توبه في شقتنا القديمة في المعادي. دخل على السيرفر الشخصي اللي متسجل باسمه وباسم “نورهان” قانونياً من سنين طالب جامعي. داس على عدة أوامر بسيطة، وقفل صلاحية الوصول (License Access) لكل البرامج والتطبيقات اللي بتدير حسابات ومستندات شركة الفولي للإعمار.
وفي نفس الوقت، بعت إيميل رسمي للمستثمر السعودي “الشيخ سلمان آل جابر”—صاحب مشروع التوسع اللي بـ 400 مليون جنيه—بيبلغه فيه باستقالته وسحب كل الخطط والبرمجيات الخاصة بيه من المشروع.
في الناحية التانية، في فيلا مصطفى بيه الفولي، كانت الحفلة اتخرّبت. الناس مشيت تتهامس، وفريدة قعدت تعيط في أوضتها، وأبوها كان يزعق وبيقول: “بكرة هيدور العربية ويجي يترجاني أرجعه الشغل.. بكرة يتربى لما يعرف مين هو مصطفى الفولي!”
الجزء الرابع: زلزال الصباح
تاني يوم الصبح، الساعة 8 بالضبط..
مصطفى بيه الفولي كان قاعد في مكتبه الفخم في التجمع الخامس، بياخد القهوة وبيراجع الجرايد، ومستني تليفون اعتذار من أحمد.
وفجأة.. الباب اتفتح من غير خبط.
دخل المدير المالي “جودة” والمهندس التنفيذي، ووشهم أصفر زي الليمون وجبينهم بيعرّق.
”خير يا جودة؟ في إيه دخلت كدة ليه؟” مصطفى بيه سأل بثقة وتكبر.
”مصطفى بيه.. الشركة مقفولة! السيستم الرئيسي وشبكة العقود وقاعدة البيانات وقفت تماماً من الساعة 6 الصبح! مفيش مهندس عارف يدخل ولا نطلع أوراق للمواقع!”
”يعني إيه وقف؟! كلموا مهندسين الدعم الفني فوراً!”
جودة بلع ريقه بالعافية وصوته بيترعش: “السيستم ده مش ملك الشركة يا فندم.. ده سيرفر خاص مشفر ومحمي ببراءة اختراع باسم المهندس أحمد.. وبحسب الأوراق، أخته نورهان هي الممول والمالك القانوني للعلامة والشفرة من 4 سنين! أحمد كان مديلنا حق استخدام مؤقت مشروط بدوام عمله معانا.. والنهاردة مع استقالته، الرخصة اتقفلت تلقائياً ومفيش مخلوق على كوكب الأرض يقدر يفتحها غيره!”
قبل ما مصطفى بيه ييع استيعاب الصدمة، التليفون المباشر بتاعه رن.
كان الشيخ سلمان آل جابر بنفسه من الرياض:
“مصطفى بيه.. وصلني إيميل باستقالة المهندس أحمد وسحب تراخيص برامجه. إحنا المشرع بتاعنا قائم كلياً على التكنولوجيا اللي بيقودها أحمد.. لو أحمد مش على رأس المشروع ده، العقد اللي بـ 400 مليون جنيه ملغي اعتباراً من دقيقة، وهنطالب بالشرط الجزائي لأنك أخلت بشرط وجود الكفاءات المكتوبة في العقد!”
مصطفى بيه القلم وقع من إيده على المكتب الزجاجي.. وشريط الفرح اتعاد قدام عينيه، وصوت أحمد يرن في أذنه:
“حضرتك لسة عامل أكبر وأغلى غلطة في حياتك.”
الجزء الخامس: الحقيقة والانكسار
في نفس الوقت، كنت قاعدة مع أحمد في كافيه هادي يطل على النيل في المعادي.
كنت لسة حاسة بالقلق: “أحمد.. الشركات دي كبارات وممكن يؤذوك.”
أحمد مسك إيدي وباسها بابتسامة صافية: “يا نورهان.. أنتِ حياتي ومستقبلي. الراجل اللي يبيع أخته اللي رابته وعملت منه راجل عشان شوية فلوس ووجاهة كدابة، ده مش راجل. الفلوس بتروح وتيجي.. بس الأصول مابترجعش. واللعبة دلوقتي بقيت في إيدنا إحنا.”
وفجأة.. عربية مرسيدس سودا فخمة وقفت قدام الكافيه.
نزل منها مصطفى بيه الفولي بنفسه، ومعه فريدة بتبكي ووشها متورم. الراجل اللي كان بيبصلي بصلف وكبرياء البارحة في الفورسيزونز، كان خطوته بطيئة وبيترعش وهو يقرب من ترابيزتنا.
”أحمد.. يا ابني,” مصطفى بيه قال بصوت مكسور ومحرج قدام الناس في الكافيه: “إحنا أهل.. الموضوع كان سوء تفاهم ودعابة بايخة، بلاش نهد البيوت والشركات بسبب لحظة زعل!”
أحمد بص له ببرود شديد، ومقامش من كرسيه: “أنا مش ابنك.. وأختي مش أخت جاهلة عايشة على قفا حد.”
فريدة قربت مني ودموعها نازلة على خدودها: “طنط نورهان.. أنا آسفة، بابا هو اللي أصر يعمل الحركة دي عشان يكسر عين أحمد ويخليه يفضل تحت طوعنا وما يطالبش بحقه في أسهم الشركة.. أرجوكي سامحيني ونبي خليه يرجع!”
أحمد وقف، وحط إيديه في جيبه وبصلهم بثبات: “مصطفى بيه.. شروط الرجوع للشركة ولتفعيل السيستم مش صعبة، بس مش هتنازل عن حرف منها:
اعتذار رسمي ومكتوب على الصفحة الرسمية لشركة الفولي للإعمار، وفي جريدتين رسميتين، لأختي نورهان عن الإساءة.
نص أسهم المشروع الجديد تتكتب باسم نورهان شخصياً.. ضماناً وحقاً ليها في التعب اللي تعبته معايا وأنا بعمل البرامج دي وبدفع مصاريفها زمان.
فريدة.. الجوازة دي انتهت للأبد، لأن اللي مبيحترمش أهلي ومبيصونش كرامتهم، ملوش مكان في بيتي ولا في حياتي.”
مصطفى بيه صرخ بقلة حيلة: “نص الأسهم كتير أوي يا أحمد! كده أختك بقت شريكة رئيسية معايا!”
أحمد مسك إيدي وقومنا من الترابيزة، وقال وهو ماشي:
“قدامك 24 ساعة يا مصطفى بيه.. يا إما تتنفذ الشروط، يا إما تعلن إفلاس شركتك وتدفع الشرط الجزائي للخليجيين بكرة الصبح.”
الجزء السادس: النصرة والأصول
بعد أسبوعين..
الاعتذار نزل بالبنط العريض في الجرايد وعلى صفحات التواصل الخاصة بالشركة. ونورهان (أنا) بقيت شريكة رسمية بنسبة 50% في أسهم المشروع الجديد، وبقى يجيلي دخل شهري ثابت يؤمن حياتي بالكامل.
وأحمد؟ أحمد رفض يرجع لفريدة، وأسس شركته الخاصة المستقلة لبرمجة الأنظمة الطبية والهندسية مع المستثمر السعودي اللي بقى شريكه وصديقه المقرب.
وبعد سنة.. احمد اتجوز مهندسة محترمة من عيلة طيبة تعرف يعني إيه أصول، وكانت أول حاجة عملتها إنها باست رأسي في الفرح وقالتلي: “الفضل ليكي بعد ربنا في الراجل الجدع ده.”
ودلوقتي.. وأنا واقفة في بلكونة شقتنا الجديدة في المعادي بنبص على النيل، أحمد جه من ورايا وحط كاس شاي بالنعناع قدامي وقال وهو بيبتسم:
“فاكرة الكارت يا نورهان؟”
ابتسمت ودمعة فرحة هربت من عيني:
“فاكراه يا أحمد.. ده كان أغلى وأبرك كارت اتكتب في حياتنا.”