لقينا حفيدك حصري لصفحة روايات رولا
حصري لصفحة روايات رولا
تليفوني رن الساعة واحدة بعد نص الليل.
”لقينا حفيدك.”
قعدت على حيلتي من الخضة لدرجة إن الاباجورة المتبتة جنب السرير اتهزت.
”مستحيل يا فندم،” قلت للظابط. “يوسف نايم في حضني جوة دلوقتي.”
يوسف حفيدي، عنده عشر سنين، كان نايم على الكنبة المفرودة في أوضة نومي بعد ما تحايل عليا نسهر نكمل فيلم قديم. أبوه وأمه كانوا مسافرين إسكندرية يقضوا الويك إند، وانا كنت مواعد بنتي مريم إني مش هخليه يمسك الموبايل بعد نص الليل.
الظابط سكت.
ثانيتين.
ثلاثة.
وبعدين قال بصوت واطي: “يا حاج… الولد اللي معانا هنا نسخة طبق الأصل من حفيدك.”
بصيت على يوسف.
نفس الشعر البني المنكوش من ورا. نفس الندبة الصغيرة اللي فوق حواجبة اليمين من ساعة ما وقع من على العجلة من سنتين. نفس الدقن الرفيعة اللي وارتها عن أمه، مريم.
ريقي جف.
”أنتم فين؟”
”قسم شرطة المعادي.”
صحيت يوسف بسرعة، لبست أي حاجة في إيدي، وكلمت مريم وأنا بتسحب بالعربية في الشارع. ردت بعد أربع رنات، صوتها كان تقيل وناعم من النوم لحد ما قلتلها الظابط قال إيه.
نفسها اتكتم مرة واحدة.
”بابا…” همست بصوت يرعب، “إياك تسيب يوسف يغيب عن عينك ثانية واحدة.”
أول ما وصلنا القسم، لقينا اثنين أمناء شرطة واقفيين مستنيينا عند البوابة.
واحد منهم، اسمه الأمين مصطفى، كان عمال يبص بين يوسف وبيني كأنه شايف عفريت مش قادر يستوعبه.
بعدها، الموظفة بتاعة الشؤون الاجتماعية فتحت باب أوضة التحقيق.
كان فيه ولد قاعد جوة، ملفوف في بطانية كحلي بتاعة القسم.
رفع رأسه.
يوسف مسك في دراعي بقوة.
الولد كان هو هو.
مش شبهه.
مش “يخلق من الشبه أربعين.”
ده هو بملامحه.
نفس العيون. نفس المناخير. نفس الضبة الخفيفة في سنته القدامية.
بس كان أرفع بكثير. هدومه مليانة تراب وتين، وفيه كدمة زرقا خفيفة على فكه.
”اسمك إيه يا حبيبي؟” سألته وأنا إيدي ب do.
الولد سابني وبص ليوسف بالذات.
”أحمد.”
”أحمد إيه؟”
عينيه اتدحرجت وراحت عليا.
”أحمد الشاذلي.”
الموبايل بغى يقع من إيدي.
الشاذلي ده اسم عيلتي… اسم بنتي مريم قبل ما تتجوز.
الأمين مصطفى قرب خطوة وقال: “يا حاج، إحنا لقيناه ماشي لوحده على طريق الدائري قريب من المنيب. ما كانش معاه أي إثبات شخصية. بس كان حافظ رقم تليفون واحد بس.”
”رقم مين؟”
الظابط بص في عيني بثبات: “رقمك أنت.”
ورايا، يوسف همس بصوت خايف: “يا جدو… هو عارفك منين؟”
قبل ما ألحق أرد، تليفوني رن في إيدي.
مريم.
فتحت الخط بسرعة.
ما قالتش ألو.
قالت بصوت مكسور وبيرتعش: “بابا… وحيات أغلى حاجة عندك، إياك تقول للولد ده اسمي إيه.”
بصيت من ورا الأزاز على أحمد. كان بطل أكل. كان باصصلي بثبات مرعب، كأنه سامع الصوت اللي طالع من السماعة ومستني ردة فعلي.
”مريم…” همست بقلب مقبوض، “أنتِ عملتي إيه؟”
الخط قطع.
تليفونها اتقفل. فضلت واStandard حاطط التليفون على ودني والصوت الميت بتاع “عفواً لقد تعذر الاتصال” يرن في دماغي زي الجرس.
الأمين مصطفى حط إيده على كتفي: “في حاجة يا حاج؟ مدام مريم كويسة؟”
”اه… اه، هي جاية في الطريق،” كدبت من غير ما أفكر.
بصيت ليوسف، كان مرعوب وشبه هيموت من الخوف، وبصيت لأحمد جوة… الولد ابتسم ابتسامة خفيفة أوي، ابتسامة مش بتاعة طفل عنده عشر سنين أبداً. رفع إيده الشاحبة وشاورلي أرب منه.
سيبت يوسف مع الأمين مصطفى ودخلت الأوضة. ريحة العرق والتراب كانت مالية المكان.
قعدت على الكرسي القديم قصاده. “أنت مين يا ابني؟ وجاي منين؟”
أحمد مال بجسمه لقدام، والبطانية وقعت من على كتفه. الكدمة اللي في فكه ما كانتش ضربة… دي كانت علامة غريبة، غرز خياطة قديمة ومكتوبة بشكل مش طبيعي.
قال بصوت واطي جداً عشان محدش يسمعه غيري: “أنا يوسف يا جدو.”
قلبي اتخلع من مكانه. “أنت بتهزر؟ يوسف واقف برة!”
”اللي واقف برة ده مش حفيدك،” قالها ببرود يرعب. “ده اللي خد مكاني من ثلاث سنين لما تهت منكم في مول العرب… فاكر يا جدو لما ضعت منكم ساعة ورجعت بتبكي وتقول لقيته؟”
جسمي كله قشعر. اليوم ده أنا فاكره كأنه كان إمبارح. مريم صرخت وهيستيرت لما يوسف اختفى في زحمة المول، ولما لقيناه قاعد عند منطقة الألعاب، مريم حضنته وانهارت… بس من اليوم ده، يوسف اتغير. بقا هادي زيادة، ما بقاش يحب الكورة، وبقى بيكره الخضار اللي كان بيموت فيه. إحنا وقتها قلنا من الصدمة.
”أمي باعتهولكم،” أحمد كمل وهو بيبصلي بعيون مليانة دموع، “مريم عارفة… هي كانت عارفة إن اللي معاها في البيت مش ابنها، بس كانت خايفة منك ومن جوزها. هي اللي سابتني مع الناس دول في المنصورة، والنهارده أنا هربت وجيتلك.”
الكرة الأرضية لفّت بيا. رأسي كانت هتتفجر.
مين اللي واقف برة مع أمين الشرطة؟
ومين اللي قاعد قدامي ده؟
وليه مريم قالتلي: “إياك تقول للولد ده اسمي”؟
فجأة، الباب اتفتح بسرعة. يوسف دخل الأوضة، ما كانش خايف خلاص. ملامح وش الصغير اتغيرت تماماً… نظرته بقت حادة، وباردة، ومفيهاش أي طفولة.
يوسف قرب من الطاولة، بص لأحمد، وبعدين بصلي وقال بصوت هادي يموّت من الرعب:
”جدو… ماما ما قالتلكش ليه ما تقولوش اسمها؟ عشان هي عارفة إن لو اسم ماما اتقال بصوت عالي هنا… اللي برة الأوضة دول كلهم مش هيطلعوا عايشين.”
في نفس اللحظة، أنوار قسم الشرطة كلها طفيت… والباب الحديد الخارجي اتقفل باندفاع مرعب.
خرجت الممر ووطيت صوتي على قد ما أقدر.
”مريم… إيه اللي بيحصل بالظبط؟”
لفترة حسيتها دهور، ما كنتش سامع غير صوت الفحت وجري العربيات من ناحيتها في التليفون.
بعدين قالت: “أنا راجعة القاهرة حالا.”
”ده مش رد على سؤالي يا مريم!”