لقينا حفيدك حصري لصفحة روايات رولا
”عارفة…”
”مين أحمد ده؟”
سكتت تاني. ولما اتكلمت أخيراً، صوتها كان طالع ضعيف ومكسور بشكل ما سمعتوش منها من ساعة ما كانت لسة بنت صغيرة في ثانوي.
”ده ابني يا بابا.”
سندت ضهري على الحيطة.
حسيت القسم كله بيلف بيا والمكان بيميل.
”أنتِ عندك ابن واحد بس،” قلتلها ونفسي مقطوع. “يوسف.”
”لأ… عندي اثنين.”
مريم بدأت تحكيلي الحقيقة حتة حتة.
من حداشر سنة، قبل ما تتعرف على آسر جوزها، حملت من شاب كان معاها في الكلية اسمه رامي. العلاقة بينهم كانت متبهدلة ومش مستقرة، وبعد ما أحمد اتولد، رامي اختفى وسبها. مريم كانت عندها اتنين وعشرين سنة، مرعوبة ومش عارفة تعمل إيه، فاتفقت اتفاق أهلي كدة مع أخت رامي الكبيرة، دنيا، اللي كانت عايشة في دمنهور، إنها تأخد الولد وتربيه عندها.
مريم قالتلي إن الموضوع كان المفروض يبقى مؤقت مجرد فترة وتعدي.
بس الخوف والخزي ركبوها.
دنيا نقلت وسافرت، والتواصل بينهم بدأ يقل بالتدريج. مريم اتعرفت على آسر، اتجوزوا، وبعدها جابت يوسف. عمرها ما جابت سيرة لأسر عن أحمد… ولا حتى قالتلي أنا شخصياً.
واضح إنها كانت كاتبة رقم تليفوني في ظهر كتاب قصص أطفال قديم كانت مدياه لأحمد قبل ما دنيا تعزل.
”طب إيه اللي يخليه ماشي لوحده على الطريق الدائري بالليل كدة؟” سألتها وأنا هتجنن.
”والله ما اعرف يا بابا!”
جوة أوضة التحقيق، أحمد كان بياكل بسكويت، ويوسف قاعد قصاده الناحية التانية، باصص له بذعور كأنه شاف خياله في المراية فجأة بدأ يتكلم.
الأمين مصطفى جه وناداني عشان يقولي التطورات.
اتضح إن دنيا توفت من ست أسابيع.
ومن ساعتها، اللي كان عايش معاها هو اللي ماسك الولد وبيربيه.
النهارده بالليل، بعد خناقة كبيرة بينهم، الراجل ده قال للولد “اطلع برة ومش عايز أشوف وشك”، وسابه عند محطة بنزين على الصحراوي بعيد عن البيت بأكثر من ثلاثين كيلو.
أحمد فضل ماشي على رجليه لحد ما الشرطة لقيته.
دمي غلي وحسيت بموجة غضب عارمة لدرجة إني مسكت في طرف الكرسي عشان ما أقعش أو أتهور.
في اللحظة دي، أحمد بصلي من جوة الأوضة وسأل بصوت واطي وبارد:
”هي مريم أمي؟”
قلبي وقف في صدري.
محدش في الأوضة كلها… ولا أنا ولا الظابط ولا الأمين… نطق اسم مريم قدامه ولا مرة.
النفس اتأطع في الأوضة. الأمين مصطفى بصلها باستغراب، وبعدين بصلي وسأل: “هو الولد بيقول إيه؟ مين مريم دي يا حاج؟”
بلعت ريقي بالعافية، وحاولت أجمع ثباتي اللي اتفرتك في ثواني. “دي… دي بنتي، أم يوسف.”
قربت من أحمد بخطوات ثقيلة، ركبت على أرضية الأوضة الباردة عشان أكون في مستوى عينيه. الولد كان باصصلي بنظرة أعمق بكثير من سنه، نظرة واحد شاف في الحقيقة اللي محدش في سنه المفروض يشوفه.
”أنت عرفت الاسم ده منين يا أحمد؟” سألته بصوت بيرتعش.
أحمد شاور بإصبعه الصغير على الموبايل اللي في إيدي. “صوتها… أنا فاكر نبرة الصوت دي كويس أوي. كانت بتجيلي زمان، وتقعد تغنيلي نفس الأغنية اللي بتغنيها ليوسف لما يخاف.”
ورايا، يوسف كان واقف عند باب الأوضة، جسمه كله بيتنفض. بصلي وقال بصوت مخنوق: “جدو… هو الولد ده أخويا؟ يعني أنا مش ابن ماما الوحيد؟”
قبل ما أرد، سمعنا صوت صريخ فرامل جامد برة القسم، وراه صوت خطوات سريعة ومربوكة جية من الصالة الرئيسية.
الباب اتفتح بلمحة، ومريم دخلت.
هدومها كانت متنعكشة، وشها أصفر زي الليمونة، وعينيها رايحة جاية بين الولدين في حالة هيستيريا مش طبيعية. أول ما أحمد شافها، قام وقف من على الكرسي بالبطانية اللي ملفوف فيها.
المكان كله سكت. لحظة جفاف تام.
مريم مشيت خطوات بطيئة، كأن كل خطوة بيلف حواليها جبل. حطت إيدها على بقها وبدأت تبكي بصوت مكتوم. أحمد ما تحركش، فضلت عينيه ثابته عليها، بس الدموع بدأت تنزل على خدوده وترسم خطوط نظيفة وسط التراب اللي مغطي وشه.
”أحمد؟” همست مريم.
الولد هز رأسه ببطء. “تأخرتي أوي يا بابا… قصدي يا ماما.”
كلمة “ماما” طلعت منه زي الخنجر. مريم أترمت على الأرض تحت رجليه وحضنته بكل قوتها، بتعيط وبتستسمحه بصوت يقطع القلب، بينما يوسف كان واقف ورايا، مش فاهم هل يغير، ولا يخاف، ولا يحن للولد اللي يشبهه في كل حاجة.
الأمين مصطفى وقف يبص للمشهد، ومسح جبهته بتعب. “يا حاج… الوضع ده محتاج نطلع على النيابة ونفهم أصل الموضوع إيه، بس الأول الولد ده محتاج يرتاح وياكل لقمة عدلة.”
أنا أخدت نفس عميق، وحسيت إن الحمل اللي كان على كتفي أتقسم نصفين. بصيت لمريم وهي حاضنة أحمد ويوسف ماسك في جكيتي، وقلت في سري: المهامة مش هتكون سهلة، والأسئلة اللي جاية من آسر ومن العيلة هتهد الدنيا… بس الأهم إن الولد التايه رجع، والحقيقة اللي استختفت حداشر سنة، أخيرًا طلعت للنور.