اطلبوا البوليس حصري لصفحة روايات رولا
مصطفى بدأ يتابع مع أخصائي نفسي، قطع علاقته تماماً بـ ندى، مش لأنها أذنبت، بس لأنه فهم إن وجودها كان نوع من عدم الاحترام ليا.
وشهد ضد أمه في النيابة والمحكمة.
وده كان أصعب قرار خده في حياته كلها.
يوم الجلسة، كنت لسه بمشي بالعافية.
دخلنا المحكمة مع بعض.
طنط عفاف كانت قاعدة في القفص.. أول ما شافتني، نكست رأسها في الأرض.
لأول مرة من يوم ما عرفتها، شكلها كان صغير ومكسور.
مش الست القوية الجبارة.. مجرد واحدة بتواجه عقاب اللي عملته.
المحكمة قدمت كل الأدلة: أوراق التحاليل، الكاميرات، الشهود، اعترافاتها الأولية.
دفاعها حاول يقول إنها ماكانتش تقصد تقتلني.
يمكن.. بس أنا انتهيت في العناية المركزة، وخسرت أجزاء من جسمي، وشهور من شغلي، وحتة كبيرة من أماني في الدنيا.
الحكم صدر بالسجن المشدد عليها بتهمة الإيذاء العمد والتسبب في عاهة مستديمة ومحاولة التسميم.
لما سمعت القاضي بنطق الحكم، مافرحتش.
أنا بس أخدت نفس طويل.. كأن جسمي كان مستني الإذن عشان يوقف حرب.
ونحن طالعين، مصطفى حاول يمسك إيدي، أنا اللي مسكت إيده وربطت على صوابعه:
—ده مش معناه إن كل حاجة اتصلحت.
—عارف.
—ولو في يوم طلبت مني أعدي إهانة عشان “البيت يمشي هادي”…
—يبقى أنا مااتعلمتش أي حاجة.
وكملنا مشي.
الشهور اللي بعد كده كانت أهدى، ويمكن عشان كده كانت أهم.
رجعت شغلي في الشركة بالتدريج.
أول يوم، نورهان كانت حاطة بوكيه ورد صغير على مكتبي:
—بلاش مراهم من برة تاني بقى! —هزرت معايا.
ضحكت من قلبي لدرجة إن دموعي نزلت.
وقررت ماأبيعش أرض الشروق.
في يوم سبت في نوفمبر، روحت أنا ومصطفى هناك. الأرض كان فيها بيت صغير من أيام بابا الله يرحمه، كان مهجور ومحتاج توضيب.
مصطفى فتح شباك عليه تراب:
—ناوية تعملي إيه هنا؟
بصيت حواليا.. زمان كنت بشوف الأرض دي مجرد ورث.
دلوقتي شفتها حاجة تانية.
بعد شهور، وضبنا البيت الصغير ده وخليناه مكان استراحة مجاني لشباب وأهالي المرضى اللي بيجوا من أقاليم ومحافظات بعيدة عشان يتعالجوا في مستشفيات القاهرة ومحتاجين مكان يباتوا فيه.
ماعملناش مؤسسة كبيرة ولا هيئة.
مجرد سراير نظيفة، مطبخ صغير، وبطاطين تقيلة لليالي البرد.
أول عيلة استقبلناها كانت أب وأم من طنطا بنتم بتتعالج في 57357.
الست حضنتني وهي مدمعة:
—أنتِ مش عارفة المكان ده وفر علينا إزاي وأقد إيه ساترنا.
بصيت للعلامة اللي في رجلي.. ولأول مرة ماحستش برغبة إني أخبيها.
أنا ومصطفى كملنا جلسات الاستشارة الزوجية.
كان في خناقات، وكان في أيام بحس إن جوازنا مش هيعدي.
بس بقا عندنا حاجة ماكانتش موجودة قبل كده: حدود.
لما حد من قرايبه كان بيحاول يرمي كلمة سخيفة، مصطفى ماكانش بيستناني أرد.. كان بيكتم الموضوع في ساعتها.
ولما كان بيخاف يرجع يخسرني، ماكانش بيكتم في نفسه.. كان بيقولها صريحة:
—أنا خايف تسبيني.
وأنا بقيت أقدر أقول بسهولة:
—أنا لسه زعلانة النهاردة.
من غير ما ده يعني إن الدنيا اتهدت.
بعد سنة كاملة، رجعت القصر العيني عشان أعمل الفحص السنوي.
الدكتور شريف دخل العيادة وابتسم لما شافني ماشية كويس من غير عكاز ولا مساعدة:
—هو ده المرضى اللي يفتحوا النفس!