62 سنه حصري لصفحة روايات رولا
حصري لصفحة روايات رولا
راجل عنده 62 سنة لقى بنت عندها 7 سنين مرمية تحت المطر وقرر يربيها؛ وبعد سنين، إنذار من البنك كشف حاجة محدش كان يتوقعها…
الفيلم بدأ في الليلة اللي عم إبراهيم متولي لقى فيها البنت. المطر كان نازل زي السيل، والمية جارية في الشارع زي النهر جنب السور بتاع سوق العتبة. كان يادوب بيقفل صاج الدكان الصغير بتاعه بتاع الفاكهة لما سمع ثلاث خبطات ناشفين ورا عربية نقل مركونة.
ماكانش قطة.
كانت بنت عندها حوالي سبع سنين، حضانة شنطة ظهر صفراء، جزمتها مليانة مية ومطبوشة طين على خدها.
— أهلِك فين يا بنتي؟ — عم إبراهيم سألها وهو بينزل على ركبه بالراحة.
البنت ما ردتش. مسكت في الشنطة أكتر.
عم إبراهيم كان عنده اتنين وستين سنة، أرمل، ومن خمس سنين عايش لوحده في بيت صغير بحوش ببيارة، فيه شجرتين لمون وأوضة ما فتحهاش من يوم ما مراته توفت. ماكانش غني. بيبيع فاكهة، ويصلح عجلة لما يجيله زبون، وبيحسب القرش بالمليم قبل ما ينزل يجيب طلبات البيت.
بس في الليلة دي ما قدرش يسيب البنت في الشارع تحت المطر.
أخدها وطلع بيها على قسم شرطة الموسكي. الضباط دوروا في بلاغات المفقودين. ولا حاجة. الشنطة كان فيها طقمين هدوم، كشكول مدرسة، أرنب قماش، وجواب مقفول من غير اسم.
جواه كان فيه جملة واحدة مكتوبة بخط الإيد:
“أمانة عليكم ما تسيبوهاش لوحدها.”
البنت قالت إن اسمها مريم.
وده كان كل اللي قالته.
لمدة يومين، عم إبراهيم كان بيروح ويجي على مكاتب الشؤون الاجتماعية يسأل عليها. في اليوم التالت، أخصائية اجتماعية اسمها الأستاذة عفاف شرحتله إن البنت هتروح دار رعاية لغاية ما يوصلوا لأهلها.
— أنت عملت اللي عليك وزيادة يا حاج — قالتله.
عم إبراهيم هز رأسه، بس لما رجع بيته وشاف كوباية الشوكولاتة باللبن اللي مريم شربت فيها أول ليلة، حس بسكوت تاني خالص، أحسن إنه أتقل.
بعد أسبوع، الأستاذة عفاف كلمته.
وصلوا لعمة مريم، بس الست رفضت تماماً تاخدها. وأمها مالهاش أثر. وأبوها مفيش عنه أي بيانات معتمدة.
عم إبراهيم سأل سؤال ماكانش عامل حسابه يقوله اصلاً:
— طب ينفع أستلمها عندي استضافة مؤقتة؟
ابنه الوحيد، إسلام، عرف في نفس اليوم وجاله البيت وهو متضايق جداً.
— يا بابا أنت عندك اتنين وستين سنة! أنت يادوب شايل نفسك.
— أنا ما بقولش إني هتبنى بكرة، أنا بس مش عايزها تتنقل من مكان لمكان كأنها كرتونة.
— أنت عارف هي جاية منين؟ ولا عارف إيه المشاكل اللي وراها؟
عم إبراهيم بص له في سكات.
— دي عيلة يا إسلام. المشاكل بتبقى عند الكبار، مش الصغار.
الجملة دي فتحت جرح قديم بين الأب وابنه.
بعد زيارات للبيت، ومقابلات، وإجراءات قعدت شهور، عم إبراهيم أخد موافقة يبقى عائل مؤقت. مريم جيلته بكيس هدوم تبرعات والأرنب القماش.
أول ليلة ما رضيتش تنام على السرير.
اترمت على الأرض جنب الباب.
— محدش هيطلعك من هنا وأنتِ نايمة يا مريم — عم إبراهيم قالها.
مريم بصت له بعدم ثقة.
— أمي كانت بتقول كده برضو.
عم إبراهيم ما سألهاش أكتر من كده.
أول كام شهر كانوا صعبين. مريم كانت بتخبّي العيش الفينو في الأدراج “لأيام زنقة”. كانت بتترعب لو حد على صوته. وكل ما عم إبراهيم يتأخر وهو راجع من السوق، تقعد جنب الشباك.
بدأ يسيب لها ورقة فيها الوقت بالضبط اللي هيرجع فيه.
“راجع الساعة 6:30.”
وماكانش بيخلف ميعاده أبداً.
مع الوقت، مريم بطلت تشيل أكل. اتعلمت تسقي شجر اللمون. كانت بتعمل الواجب على ترابيزة جنب دكان الفاكهة، وبتتخانق مع عم إبراهيم عشان عايزه يلبسها الجاكت حتى لو الجو مش برد.
الناس في السوق بدأوا يسموها “نوسة عم إبراهيم”.
وهو كان بيحاول يداري فرحته لما يسمع الكلام ده.
بعد سنتين، الأستاذة عفاف جاتله بخبر.
لقوا أم مريم.
عم إبراهيم حس إن الأرض بتتهز تحت رجليه.
الأم كان اسمها ولاء. قعدت شهور مستخبية بعد ما هربت من جوزها اللي كان بيضربها وبيأذيها. وبعدين تعبت ودخلت المستشفى وفقدت الاتصال ببنتها. ودلوقتي بتترجاهم تشوفها.
مريم كان عندها تسع سنين لما دخلت أوضة في الشؤون الاجتماعية وشافت أمها قاعدة قدامها.
ولاء عيطت قبل ما تقدر تطلع كلمة.
— سامحيني يا مريم.
مريم فضلت واقفة مكانها ما تحركتش.
— سبتيني ليه؟
الست نزلّت رأسها في الأرض.
— افتكرت إن حد هيلاقيكي ويحميكي قبل ما هو يوصلنا إحنا الاثنين.
عم إبراهيم كان بيبص عليهم من ورا الزجاج. ما حسش بكراهية. حس بخوف.
خوف إنه يفقد البنت اللي بقت بتنادي عليه من الباب:
— يا عم إبراهيم! الفول هيتحرق منك!
ولاء طلبت ترجع تاخد حضانة بنتها.
والإجراءات بدأت.
ولأول مرة من ليلة المطر ديك، عم إبراهيم فهم إن حب مريم كان معناه كمان إنه يتقبل فكرة إنه ممكن يضطر يسيبها تمشي.
الجزء الثاني
لمدة تلت شهور، عم إبراهيم كان بياخد مريم ويروح بيها الشؤون الاجتماعية عشان التقييمات والمقابلات والزيارات اللي تحت الإشراف مع ولادها ولاء. عمره ما اتكلم كلمة وحشة عن أمها قدامها. حتى لما إسلام ابنه كان بيضغط عليه ويقوله إن لازم يحارب عشان البنت تفضل معاه، عم إبراهيم رفض.
— مريم مش حاجة بنتكاسب عليها يا إسلام.
ولاء بدأت تتعدل وتظبط حياتها. اشتغلت في مغسلة وأجّرت أوضة، وكانت مصممة ترجع بنتها. بس في يوم، ما جتش في الميعاد المتفق عليه للزيارة. وبعدها فوّتت ميعاد تاني. وفي المرة التالتة، الأستاذة عفاف كلمت عم إبراهيم. ولاء كانت في المستشفى. مرض الكلى اللي عندها من سنين اتطوّر وجاب آخره، والدكاترة مش عارفين فاضلها قد إيه.
مريم سمعت الخبر من غير ما تنزل دمعة واحدة. بالليل، حطت طبق أكل قدام الكرسي الفاضي بتاع أمها وقفلت على نفسها الأوضة. عم إبراهيم قعد مستنيها بره على الكرسي.
— مش لازم تعملي فيها قوية قدامي يا مريم.
الباب اتفتح. مريم خرجت وحضنته بكل قوتها لدرجة إنه كان هيختل توازنه. ولاء توفت بعد ست أسابيع. وقبل ما تتوفى، طلبت تتكلم مع عم إبراهيم لوحدهم.
— أنت عملت اللي أنا ما قدرتش أعمله — قالت بصوت ضعيف جداً — بس فيه حاجة مريم لازم تعرفها لما تكبر.
أدّت له ظرف صغير مقفول.
— مش دلوقتي.. لما تكبر ويفهم عقلها.
عم إبراهيم شال الظرف في علبة خشب مع ورقه المهم. وبعد كام شهر، إجراءات التبني والكفالة تمت رسمياً. مريم خرجت من المجمع الطبي والقضائي وهي ماسكة إيد عم إبراهيم.
— يعني أنت بقيت بابا خلاص؟
عم إبراهيم بلع ريقه بعافية وقال:
— لو أنتِ عايزة كده.
— عايزة طبعاً.
السنين عدت. عم إبراهيم كبر في السن ومريم كبرت. دخلت معهد تمريض في القصر العيني بمنحة واشتغلت شغلانات جانبية. عم إبراهيم باع تروسيكل الفاكهة القديم بتاعه عشان يدفع المصاريف اللي المنحة ما كانتش بتغطيها. إسلام عرف بالموضوع وجاء اتخانق معاه تاني.
— أنت بتضيع كل اللي حيلتك عليها!
— أنا بصرف على مستقبلها.
— ومستقبلك أنت؟
عم إبراهيم ابتسم:
— مستقبلي بيتصل بيا كل يوم جمعة يطمن عليا.
ولما بقت عندها خمسة وعشرين سنة، مريم اشتغلت في عيادة خاصة. ما بقتش غنية، بس لأول مرة قدرت تحوش قرشين. جابت لعم إبراهيم تليفون جديد ونزلت عليه برنامج يحدد مكانه، عشان كان بدأ ينسى الطرق وهو راجع من المشاوير وهو تعبان.
— أنا مش عيل صغير يا مريم!
— ولا أنا بقيت البنت الصغيرة صاحب الشنطة الصفراء.. وبرضو شيلتني وحميتني.
قبل موضوع مكنة البنك بشهر، إسلام بدأ يزور أبوه كتير بشكل غريب وفاجئ الكل. كان بيجي بوجبات أكل، وياخده ينزلوا مع بعض، ويتكلم عن مشروع ورشة قطع غيار عايز يفتحها.
— محتاج بس زقة صغيرة عشان أبدأ — كان بيقول كده.
عم إبراهيم سلفه مبلغ صغير. وبعدها سلفه تاني. مريم ما رضيتش تتدخل في الأول، كانت عارفة إن الأب وابنه بيحاولوا يصلحوا اللي اتكسر بينهم من سنين. بس في ليلة، لقيت على الترابيزة بروشور من مكتب عقارات فيه تقييم لسعر البيت.
— أنت عايز تبيع البيت يا بابا؟
عم إبراهيم استغرب:
— أبيع إيه؟