62 سنه حصري لصفحة روايات رولا
— البيت.
بص للورقة كأنه أول مرة يشوفها:
— إسلام قال نشوف يسوى كام بس، مجرد كلام يعني.
مريم حست بقلق أكل قلبها.
— يا بابا، لو في يوم فكرت تبيع، أنت اللي تقولي. بلاش توقع على حاجة وأنت تعبان أو مش فاهمها كويس.
عم إبراهيم اتضايق:
— أنا لسه بعرف أخلي بالي من حاجتي.
— عارفة.. بس يوعدني.
ووعدها. عشان كده، لما التليفون أدّى إنذار بمكان غريب بعد أسابيع، مريم ما عدّتش الموضوع عادي. يوم خميس، التليفون جاب إن عم إبراهيم واقف بقاله قريب من ساعة قدام مكنة بنك بعيدة عن العتبة. مريم اتصلت بيه، ما ردش. جريت على هناك. لقيت إسلام واقف جنب أبوه. عم إبراهيم كان وشة أصفر ومخطوف، وماسك كارت البنك في إيده ومشتت.
— أنا بس كنت بساعده يسحب فلوس — إسلام قال بسرعة.
مريم بصت لشاشة المكنة. المبلغ المطلوب سحبه كان تقريباً كل تحويشة عم إبراهيم.
— بتساعده في إيه بالضبط؟
إسلام سكت. وفي نفس اللحظة، مريم جيلها إشعار تاني على التليفون: من أبلكيشن البنك، كان فيه محاولة لإضافة حساب جديد عشان يتحول عليه فلوس.. والحساب ده كان باسم إسلام.
الجزء الأخير
مريم ما صوّتش. طلعت تليفونها، صورت الشاشة، وطلبت خدمة العملاء في البنك فوراً.
— أوقفوا الكارت وأي تحويلات فوراً، أبيا تعبان وفيه حد بيحاول يسحب فلوسه.
إسلام اتنرفز:
— أنتِ بتتدخلي ليه؟ دي أمور عائلية!
مريم بصت له في وشة بثبات:
— يبقى فهمنا ليه بتفضي حساب أباك؟
عم إبراهيم حاول يتكلم بس حط إيده على دماغه من التعب. مريم سابت الكلام مع إسلام وأخدت أبوه على المستشفى فوراً. التشخيص ما كانش حاجة خطيرة تدمر، بس كان جرس إنذار: عم إبراهيم كان عنده التهاب شديد، وجفاف، وزغللة مع سخونية عالية هي اللي أثرت على تركيزه. كان محتاج راحة ورعاية كام يوم.
وهو نايم، مريم راجعت الحسابات بإذن منه وبمساعدة البنك. اكتشفت إن كان فيه سحوبات صغيرة على مدار شهرين. ما كانتش ملفتة لوحدها، بس لما تتجمع تعمل مبلغ كبير. إسلام كان بيقنع أبوه إنه بياخد الفلوس “سلفة للمشروع”، وبعدين استغل ثقته وضعف تركيزه عشان يوصل للأرقام السرية وينقل الفلوس.
لما عم إبراهيم فاق، مريم ورّته كشف الحساب. أخد وقت عشان يصدق اللي شايفه.
— ده ابني..
— عارفة.
— يمكن كان ناوي يرجعهم.
مريم اتنهدت:
— ممكن.. بس كان هيسيبك من غير مليم وأنت تعبان.
عم إبراهيم غمّض عينيه، وما نزلتش منه دمعة غير لما قال:
— أنا كنت فاكر إني بساعده يقف على حيله.
مريم قعدت جنبه:
— أنت اللي علمتني إن المساعدة مش معناها تسيب حد يؤذيك.
إسلام جه تاني يوم. ما كانش زعلان، كان باين عليه الخوف والكسرة.
— يا بابا، أنا اقدر أشرحلك كل حاجة..
عم إبراهيم طلب إن مريم تفضل قاعدة.
— اتكلم.
إسلام اعترف إنه خسر فلوس في تجارة مع اتنين شركائه، وكان عليه ديون ومزنوق جداً. في الأول طلب سلفة، وبعدين بقى بياخد من غير ما يقول. ولما شاف أبوه تعبان ومجمّع بالعافية، طمع ياخد الباقي على أمل يرجعه “لما أموره تتعدل”.
— ما كانش قصدي أؤذيك.
— بس كنت عارف إني مش فاهم أنا بوقع على إيه إمبارح — عم إبراهيم رد عليه.
إسلام نزل رأسه في الأرض:
— أيوه.
الكلمة دي كانت أوجع من أي خناقة. عم إبراهيم ما طردهوش من حياته للابد، بس حط حدود قاطعة. غير الأرقام السرية، ألغى أي توكيلات، وكتب إن أي عملية كبيرة لازم تتم بموافقته المباشرة ومريم حاضرة. وإسلام اتلزم يرجع الفلوس على أقساط شهرية وباع الموتوسيكل اللي كان جابه من فترة قريب. مريم ما شمتتش فيه، هي بس كانت عايزة تحمي عم إبراهيم.
لما رجعوا البيت، مريم وهي بتدور على ورق البنك لقيت العلبة الخشب القديمة. وجواها الظرف اللي ولاء سابته من ستاشر سنة. عم إبراهيم مسك الظرف بإيد بتترعش:
— أمك طلبت مني أديهولك لما تكبري وتفهمي.
مريم فتحت الجواب. ولاء كانت كاتبة كلمتين. حكت إن لما مريم كان عندها سنتين بس، عم إبراهيم ساعد ست صغيرة كانت بتبكي قدام مستشفى الدمرداش عشان ما معهاش حق المواصلات ترجع بلدها. الست دي كانت ولاء. عم إبراهيم دفع لها حق التذكرة وجاب لها أكل من غير ما يسألها حتى عن اسمها. وبعد السنين دي كلها، لما هربت بمريم وكانت خايفة من جوزها، لمحت عم إبراهيم بالصدفة في سوق العتبة. عرفته من بعيد. ما جؤرتش تقرب منه عشان ما تحطهوش في خطر، فعشان كده سابت مريم قريبة من دكانه. الرسالة اللي كانت مكتوبة “أمانة عليكم ما تسيبوهاش لوحدها” ما كانتش لأي حد.. كانت مبعوتة ليه هو بالذات.
مريم قريت السطر ده مرتين.
— أنت كنت تعرف أمي يا بابا؟
عم إبراهيم هز رأسه وهو مبهول:
— ما كنتش اعرف إنها هي.. أنا ساعدت ناس كتير في السوق، مرة بـ 5 جنيه، ومرة بوجبة أكل..
مريم بدأت تعيط. طول السنين دي كانت فاكرة إن قصتها بدأت برمية في الشارع، وتوا اكتشفت إن أمها في وسط الخوف أخدتها لأحن وش افتكرته في حياتها.
بعد أسبوع، مريم أخدت عم إبراهيم ونزلوا السوق. التجار كانوا عاملين عزومة صغيرة عشان يحتفلوا بإنه قام بالسلامة. لما وصل، لقى على الترابيزة شنطة ظهر صفراء.. هي نفسها. مريم كانت شايلاها طول السنين دي. وجواها كشكول جديد. في أول صفحة مريم كتبت: “راجع الساعة 6:30.”
عم إبراهيم ضحك بصوت مكتوم:
— دي الجملة اللي كنت بكتبهالك!
— عارفة.
— والكشكول ده لإيه؟
مريم قعدت جنبه:
— عشان نكتب فيه كل الحاجات اللي لسه هنعملها سوا.
إسلام جه بعد شويه، من غير الموتوسيكل ومعاه أول وصل لسداد الفلوس. وقف بعيد وكان كسوفه باين عليه. عم إبراهيم ما جريش يحضنه، بس ما قفلش الباب في وشة.
— الثقة بتبوظ في ثانية، وبتقعد سنين عشان ترجع — قال له — لو عايز تفضل فرد من العيلة دي، ابدأ بأنك تلتزم بكلامك.
إسلام هز رأسه ومشي على القرش بالمليم في الشهور اللي بعدها، وبدأ يظبط حياته وبطل يطلب فلوس. الحاجات ما رجعتش زي الأول بالضبط، وده كان الصح. عم إبراهيم فهم إن المسامحة مش معناها نلغي اللي حصل، ومريم فهمت إن العيلة ممكن تتبني بالدم، أو بالأوراق، أو بالحدود والأفعال.
لما تم تسعة وسبعين سنة، عم إبراهيم ساب الدكان خالص. مريم ومعاها شوية تجار حولوا جزء من المحل لنقطة خدمة صغيرة في المنطقة بيوزعوا فيها شنط مدرسة وأكل وأدوات للأطفال والأسر اللي ظروفها صعبة. وعلى الحيطة علقوا صورة لـ ولاء، وتحتها مريم كتبت: “الخير الصغير ممكن يلف ويرجعلك تاني بعد سنين طويلة.”
عم إبراهيم ما رضيش يتحط اسمه على المكان.
— أنا عملت اللي أي حد المفروض يعمله.
مريم ابتسمت:
— مش أي حد بيفضل ويكمل يا بابا.
بص لها وهو فاكر البنت المبلولة اللي كانت نايمة جنب الباب خايفة تتساب:
— وأنتِ كمان فضلتِ وما مشيتيش.
في المغربية، قفلوا المكان سوا. وقبل ما يتحركوا، مريم اتأكدت إن معاه مفاتيحه، وتليفونه، ودواه.
عم إبراهيم عمل نفسه متضايق:
— هتبدأي تتحكمي فيا أهو!
— أيوه يا بابا.. هبدأ.
ومشيوا مع بعض للبيت بالراحة، بيتخانقوا هيفطروا إيه النهاردة. ولأول مرة، قصة الشنطة الصفراء ما بقتش قصة تخلّي وخوف.. بقت قصة راجل عمل خير زمان من غير ما يستنى المقابل، فالخير رجع له في صورة بنت صانت اسمه وعوضته عن كل اللي فات.