اطلبوا البوليس حصري لصفحة روايات رولا
—عارف..
أبواب العمليات اتقفلت.
الساعات اللي بعد كده كانت سايحة في بعضها.. أضواء بيضا، أصوات بعيدة، وحلم غريب. حلمت إني ماشية مع بابا الله يرحمه وسط الزرع في أرضنا في الشروق. كان ماشي قدامي وأنا بحاول ألحقه وهو مش بيرد عليا.
لما فقت، سمعت الممرضة بتنادي باسمي:
—باشمهندسة مريم، بصيلي هنا.
فتحت عيني.. كنت لسه عايشة.
بس في الصالة برة، كانت الدنيا اتقلبت.
طنط عفاف اتقبض عليها رسمياً.
لما فحصوا حساباتها والمعاملات المالية، اكتشفوا إن عليها ديون كبيرة جداً بسبب تجارة فاشلة دخلت فيها. ولقوا كمان رسايل بتضغط فيها على مصطفى عشان يقنع “مراته” تبيع أرض الشروق.
ماكانتش بتقول اسمي أبداً في الرسايل.. كانت بتقول “مراته”.
كأني كنت مجرد عقبة ورق وأوراق لازم تخلص منها.
بس الدليل القاطع جه من مكان محدش يتوقعه.
حاجة زينب، جارتها في العمارة اللي بتبيع طعمية في الشارع، شهدت إنها شافت طنط عفاف بتغسل برطمانات وعلب بلهفة وسرعة في بلكونة المطبخ بعد يومين من موضوع الجرح ده.
—فتكرتها بتكرس العمارة أو بترش مبيد —دي كانت شهادتها.
غير إن كاميرات صيدلية قريبة سجلت طنط عفاف وهي بتشتري جوانتيات، وسرنجات، وحول كميات كبيرة من السبرتو والألكحول.
ورغم كل ده، كانت لسه بتنكر.
لحد ما مصطفى طلب يواجهها بنفسه في التحقيقات.
أنا ماكنتش موجودة، بس هو حكالي كل كلمة دارت بينهما.
—ليه يا أمي؟ ليه عملتي كده؟
طنط عفاف بصتله من ورا الترابيزة الحديد:
—أنا عملت كل ده عشانك أنت!
مصطفى ضغط على إيده بقوة:
—مريم كانت هتموت!
—ماكانتش بتموت ولا حاجة!
—وعرفتي منين؟!
سكتت خالص.
—كنت عاوزاها تتعب بس —تمتمت في الآخر—. تقعد من الشغل شوية.. تفهم إنها مش أقوى من الكل.. ويمكن وقتها تعتمد عليك وتبيع الأرض دي وتفك ضيقتنا.
مصطفى اتسمر مكانه:
—عشان إيه؟
—عشان ترجعلي! أنا أفديتك بعمري!
مصطفى رد بصوت مكسور وماتعرفش ده صوته ولا صوت حد تاني:
—أنتِ فديتيني بعمرك.. وكنتِ هتاخدي روح مراتي!
قام ومشي وسابها.
في نفس الليلة، وأنا في الأوضة، ضغطي نزل فجأة للأرض تاني.
أجهزة الإنذار صفّرت.
أربعة دكاترة دخلوا يجروا.
كنت حاسة إني بموت ومش قادرة أتنفس.
سمعت الدكتور شريف بيصرخ بأوامر سريعة، وبعدها كل حاجة بقت ضلمة.
لما مصطفى وصل المستشفى، لقى السرير فاضي.
—فين مراتي؟!
الممرضة حاولت تهديه:
—أستاذ مصطفى، هي دخلت العناية المركزة.
وقف مشلول في نص الطرقة جنب مكنة القهوة، وناحية تانية عيلة كاملة بتعيط وبتصرخ.
لأول مرة استوعب إن آخر جملة قالها لي كانت: “أنا هصلح كل ده”، وأنا رديت عليه: “مابتقدرش تصلح سنين في ليلة”.
الساعة أربعة الصبح، الدكتور طلع.
مصطفى قام وقف فجأة:
—عايشة؟
الدكتور أخد نفس طويل:
—عايشة.
مصطفى اتسند على الحيطة ووقعت منه ركبه.
بس الدكتور كمل كلامه:
—استجابت للعلاج، الوضع لسه حرج بس لأول مرة المؤشرات تبدأ تتحسن.
كانت نسبة شفاء صغيرة.. بس الكلمة دي “بدأت تتحسن” كانت كفيلة تخلي مصطفى يمسك في الأمل تاني.
الجزء الثالث
قعدت تسع عشر يوم في المستشفى.
تسع عشر يوم وأنا بص بصة عابرة على الشارع من شباك الأوضة.
تسع عشر يوم وأنا بتعلم إزاي أقعد من غير ما أدوخ، إزاي أحط رجلي على الأرض، وإزاي أمشي خمس خطوات بمساعدة أخصائية العلاج الطبيعي.
الجرح ساب علامة وكلويد كبير في رجلي.
في الأول ماكنتش طايقة أبص عليه.
أول مرة الممرضة شالت الرباط خالص، درت وشي الناحية التانية:
—مش قادرة أصبه.
هي ماضغطتش عليا.
بعدها بيومين طلبت مراية.
العلامة كانت موجودة.. سودة، مش منتظمة، وصعب تستخبى بسهولة.
عيطت بالراحة.
مصطفى كان قاعد معايا، قرب بس مالمسنيش:
—لو عاوزاني أمشي وأسيبك، همشي فوراً.
بصيتله.. كان خاسس جداً، وعينيه دبلانة من كتر النوم على الكراسي وفي العربية لما المستشفى ترفض تخليه يبات.
—مش عاوزاك تمشي —رديت—. بس مش هرجع أكون الست اللي بتسكت وتعدي عشان أنت ترتاح.
هز رأسه:
—مش هطلب منك ده تاني أبداً.
أنا ما سامحتوش في ساعتها.. وماكانش له لازمة أصلاً.
في حاجات مابتتصلحش بالوعود، بتتصلح بشهور وسنين من القرارات الصح.