150 جنيه حصري لصفحة روايات رولا
حصري لصفحة روايات رولا
جوزي أداني 150 جنيه وبعتني لوحدي المستشفى وانا في آخر أيامي وقربت أولد. شلت الفلوس في شنطتي، طلبت عربية وسمعت الكلام… بس لما جه يدوّر عليا بعد ساعات، اكتشف إني ما عتبتش باب المستشفى أصلاً.
— 150 جنيه اهيه، تكفيكي رايح جاي وميكروباص. ولو اتفضل معاكي فكة، هاتي لك أي حاجه تشربيها.
حسام رمى الورقتين المتنيين جنب كوباية الشاي من غير ما يبص في وشي. أنا كنت في الأسبوع التامن والتلاتين من الحمل، والدكتورة في الوحدة الصحية كانت قايلا لي ارجعي لي الصبح ضروري عشان ضغطي كان عالي مرتين ورا بعض.
— أنا بس بطلب منك تيجي معايا المرة دي بس..
حماتي، نادية، قفلت التلفزيون بزهق ولت وشها ناحيتي:
— جرى ايه يا نورهان؟ هو انتي بتعملي من الحبة قبة ليه؟ أنا خلفت تلاتة وعمري ما عملت الهيصة دي ولا قطعت مَية ونور!
— يا طنط دي مش دلع، الدكتورة هي اللي طلبتني بالاسم.
حسام مسح وشوشته بإيده بقلة صبر:
— لو قعدت النهاردة من الشغل، الأسطى هيخصم مني اليومية وينزل عليا الجزا. امشي انتي، انتي مش مشلولة يعني!
ما زعقش، وصوته ما كانش عالي.. وعشان كده الكلام علم في قلبي وأوجع أكتر.
بقالي سنتين عايشة في البيت ده في عين شمس، بطحن نفسي عشان أثبت إني “ست بيت أصيلة”. بطبخ لأربعة، وبكسح وبسمسح، وأجري بحماتي في مواعيد دكاترتها، وحتى لما رجليا ابتدت تورم زي العجين، ما فتحتش بؤي.
عمري ما طلبت حاجة زيادة.. حتى سرير البيبي ألت له لسه شوية، عشان حماتي كانت كل يوم تعيد وتزيد إن المصاريف متكتفة، وحسام يقولي الأولويات للأهم.
الصبح ده، أنا ما كنتش عايزة غير إن جوزي يقعد جنبي على الكرسي الخشب بتاع العيادة، ويسمع معايا كلام الدكتورة وهي تطمني إن ابني اللي في بطني بخير.
بصيت للـ 150 جنيه اللي على الترابيزة.
— حاضر.
حماتي ابتسمت بنصر:
— شفت بقى؟ الموضوع ما كانش مستاهل كل النواح ده.
لميت الفلوس وقمت شربت بق المية. أنا خلاص تعبت من كتر ما ببرر وجعي.
ليلتها حسام حط راسه على المخدة ونام في ثواني. أنا فضلت صاحية، حاطة إيدي على بطني وبص للنسافة اللي على الحيطة.
افتكرت كلمة أمي قالتها لي وهي بتجهزني قبل الجواز:
— يا بنتي، البيت مابقاش بيت لما تضطري تستأذني عشان تشتكي أو تقول آخ.
على الساعة خنسة الصبح، تسحبت بالراحة. فتحت الدولاب ولميت فستانين، وورقي كله، ودفتر المتابعة بتاع الحمل، والشاحن، وشوية الفلوس اللي كنت محوشاهم من بيع توربسات وحلويات من البيت.
قبل ما أفتح باب الشقة وأخرج، حطيت مية جنيه من الـ 150 على سفرة الصالة.
وأخدت الخمسين جنيه الباقية.
مش عشان أصرفها ولا أدفع بيها حاجة..
عشان تفضل في جيبي تفتكرني وتفكرني بالرخص اللي بقيت فيه في البيت ده.
سواق العربية اللي طلبتها أوبر تبص في مرايته، شاف كرشي المتكور وبعدين بص في الجي بي اس:
— على الدمرداش يا مدام؟
— لا.
— أومال على فين؟
اتنفست بطول صدري:
— على موقف عبود.
— عبود؟! انتي هتسافري وانت في الحجم ده؟
— رايحة لأهلي.
ما سألش تاني ولا فتح بؤه.
والعربية ماشية بيا والقاهرة بتبتدي تصحى والشوارع فاضية، كنت خايفة.. خايفة خوف يعلم بيه ربنا. بس لأول مرة، كان خوفي من إني أهرب وأمشي، أقل مليون مرة من خوفي إني أرجع الشقة دي تاني.
قطعت تذكرة ميكروباص على طنطا بفلوسي. وأنا قاعدة في الكرسي جنب الشباك، لقيت رسالة جاية لي من حسام:
وصلتي المستشفى ولا لسه؟
بصيت للشاشة، وقمت قافلة التليفون خالص.
ساعة ونص وكانت أمي مستنياني في موقف طنطا. أول ما شافتني، أختي الصغيرة صفاء جرت عليا ووقفت فجأة قبل ما تحضنني من منظري.
أمي قربت ووشها اصفر:
— في ايه يا نورهان؟ ايه اللي جابك كدة؟
كنت عايزة أقولها مفيش، وأضحك.. بس دموعي سبقتني.
— يا أمي.. أنا مش عايزة أرجع البيت ده تاني.
أمي ما سألتش كلمة زيادة. سحبت الشنطة من إيدي:
— يبقى مش هترجعي. والباقي يتحرق، نفكر فيه بعدين.
أبويا كان عامل حسابي ومجهز غدا، وأختي طلعت لي غيارات وطقم جديد وحطت هدم للبيبي كانت شايلاها لي على السرير. محدش سألني التذكرة بكام، ومحدش اتأفأف عشان قعدت ورفعت رجلي. أمي قلعتني الجزمة وبصت لرجليا المنفوخة بأسى:
— يا حبيبتي يا بنتي.. بكرة الصبح من بدري هنروح لـ دكتور كويس هنا ونطمن عليكي.
كلمة “هنروح” دي بالذات، نزلت على قلبي زي المية الساقعة، وقعدت أعيط زي العيال الصغار.
في عين شمس، حسام كان فاكر إني هخلص وأرجع على الظهر أعمل الأكل. حماتي حتى كانت سايبة حلة الفاصوليا على البوتجاز عشان أنا اللي أسبكها وأكملها.
على الساعة اتناشر، حسام اتصل بيا.
مرتين.. تلاتة.. التليفون مقفول.
نزل وجري على المستشفى الدمرداش. دخل يتلوى بين الممرضات:
— لو سمحتي، مراتي نورهان السيد.. كانت هنا في العيادة الخارجية.
الممرضة فتحت الدفتر وبصت في الكمبيوتر:
— نورهان السيد؟ كانت متسجلة في كشف الساعة تسعة، ومجتش ولا دخلت للدكتورة.
حسام حس برعشة في ركبه ودمه نشف.
رجع البيت بيجري زي المجنون. فتح الدولاب، شاف الرف بتاعي فاضي وشنطتي مش موجودة، ولمح المية جنيه محطوطة على السفرة.
— ياما! نورهان ما راحتش المستشفى والهدوم مش هنا!
حماتي لوت بقها وبصت بعيد:
— تلاقيها راحت تلوي دراعك عند أهلها عشان تروح تجيبها وتتدلع عليك.