150 جنيه حصري لصفحة روايات رولا
— هعمل كل ده برضه.. أنا أبوه ومسؤول عنه حتى لو مش معايا.
الرد ده كان أول كلام منه يخرج بجدية ومش مجرد مساومة عشان أرجع.
بعد يومين، حماتي نادية جات طنطا. ما جابتش معاها أكل ولا لعب، كانت شايلة ظرف:
— نورهان.. ممكن أتكلم معاكي؟
— اتفضلي يا طنط.
— الظرف ده فيه 12 ألف جنيه.. بعت كويشة دهب حيلتي، ورجعت جزء من الفلوس، وأختي هترجع الباقي وأنا هكمل كل قرش. أنا ما أخدتش الفلوس بشر، بس ما كانش من حقي أتصرف فيها.
فضلت ساكتة.
— وأنا أسفة على مكالمة المستشفى.. أنا فكرت في شغل حسام الأول.
— وده كان أوحش حاجة عملتيها يا طنط.
— أنا عارفة ومكسوفة من نفسي.
— أنا مش محتاجة منك تحبيني زي بنتك.. أنا محتاجة منك تحترمي إني مرّة حسام وأم ياسين، وما حدش يسوق حياتي تحت مسمى “المصلحة”.
أمّه هزت راسها ودموعها نازلة:
— حقك عليا.
— وحتى لو مش فاهمة، ده حد فاصل مش هيتعدى تاني.
ما كانش فيه أحضان ولا مسامحة فورية.. بس حسيت لأول مرة إني بتكلم بكرامة ومن غير خوف.
على مدار الشهور اللي بعد كده، حسام كان بيسافر بين القاهرة وطنطا. كان بينام على الكنبة في بيت أهلي لما أسمح له، اتعلم يغير الحفاضات، يعقم البزازت، يغسل الهدوم الصعيرة، ويشيل ياسين بالفجر لما يعيط.
في ليلة، البيبي بدأ يصرخ، جيت أقوم حسام شالني ورجعني:
— ارتاحي انتي.. أنا هقوم له.
— انت وراك شغل الصبح.
— وانتي وركي شغل ألعن.. شغلانتك ما بتخلصش. نامي انتي.
ما كانتش كلمة معسولة، بس كانت تصرف فعلي.. اهتمام حقيقي وراجل بيتعلم إن الرعاية مش تفضل منه عليا.
بعد شهرين، أخدني شقة صغيرة في منطقة الهرم:
— أنا ما مَضيتش عقود.. عايزك تشوفيها الأول.
الشقة كانت أوضتين وصالة ومطبخ، وفيها شباك كبير يدخل شمس لأوضة ياسين:
— ليه الشقة دي بالذات؟
— عشان لو قررتي ترجعي لي، مش هترجعي لنفس البيت اللي هربتي منه.. هتبدأي في مكان بتاعنا إحنا بس.
— وأمك هتقول إنك بعتها وسبتها؟
— أمي كبرت وتقدر تعيش حياتها.. بس مش هتحكم في حياة مراتي تاني.
بصيت له كتير وقلت:
— أنا مش هرجع عشان خايفة تضيع مني.
— ولا ترجعي عشان كده.. ارجعي لو شايفة إن فيه حاجة تستاهل نبدأها من جديد.
استنيت تلات أسابيع كمان.. مش عشان أعاقبه، بس عشان كان من حقي أخد قراري براحتي. ولما وافقت، حطيت تلات شروط:
المفتاتيح معانا إحنا بس.
فلوسنا وحساباتنا ملكنا إحنا وبس.
لو صحتي أو كرامتي اتعاملوا كإنه عبء تاني، همشي ومن غير كلام.
— موافق.
— ما تمدش إيدك كإننا بنبصم عقد شغل!
ضحك وقال:
— طب ممكن أحضنك؟
— ده ينفع.
الشهور اللي بعد كده ما كانتش وردية 100%.. اتخانقنا، وياسين كان بيسهرنا ليالي، وحماتي حاولت تتدخل وتدي نصايح أكتر من اللزم. بس الفرق إن حسام كان بيوقفها عند حدها. في مرة، كانت بتقولي إني بشيل الولد كتير وهعوده على الشيل، قبل ما أرد حسام قالها:
— يا أمي، لو جاية تزوري حفيدك منورة البيت.. لو جاية تديري بيتنا، ده مش وقت مناسب.
أمّه سكتت.. وأنا دخلت المطبخ وعيطت، مش عشان الموقف، بس عشان لأول مرة ما كنتش بطول لوحدي ولا بدافع عن نفسي بفرادي.
حماتي كملت باقي الفلوس ورجعتها، وأنا رجعت أعمل تورطات وحلويات في البيت لما ياسين بدأ ينظم نومه، وحسام كان بياخد ساعتين من وقته عشان يقعد بالولد.
في ليلة، لقيت الخمسين جنيه القديمة اللي كنت شايلاها في شنطتي من يوم ما مشيت. حطيتها على الترابيزة. حسام شافها وعينيه جات عليها:
— لسه شايلالها؟
— أيوة.
— ظني إني عمر ما هنسى الـ 150 جنيه دول.
— ولا أنا.
مسكت الورقة وحطيتها في علبة الخشب جنب حظاظة المستشفى بتاعة ياسين.
— مش هترميه يا نورهان؟
— لا.
— ليه؟
بصيت لابني وهو نايم في حضنه وقلت له:
— مش عشان أفتكر انتوا كنتوا شايفيني برخيص قد ايه.. عشان أفتكر أنا دفعت كام عشان أعرف قيمة نفسي.
أنا ما رجعتش عشان حسام عيط ولا عشان أمّه رجعت الفلوس.. أنا رجعت لما شفت أفعال وتغيير حقيقي بيحصل على الأرض، مش مجرد كلام. ولما اتعلمت درسي: إن عشان تحافظي على بيتك وعيلتك، ده ما يعودش أبداً إنك تملخي نفسك وتختفي عشان ترضيهم.
أوقات، إنك تمشي وتسيبي كل حاجة مش معناه انك بتهدمي البيت.. أوقات بتكون دي الطريقة الوحيدة اللي تجبر الكل يفهموا يعني ايه “بيت” بجد.