150 جنيه حصري لصفحة روايات رولا
حسام مسك الورقة المية جنيه وإيده بترتعش:
— ولفرض ما كانش دلع يا أمي؟ افرضي مش راجعة؟
حماتي لأول مرة تسكت وما تلاقيش رد تقوله.
حسام جرب يتصل تاني، أنا كنت فتحت التليفون بس ما رديتش عليه.
وفجأة.. تليفون حسام رن. كانت نمرة الوحدة الصحية. الممرضة بتتكلم بجدية وقلق:
— يا أستاذ حسام؟ احنا بنحاول نوصل لمدام نورهان من الصبح، تحليل الدم والضغط بتوع المرة اللي فاتت طلعوا ولازم تيجوا يتحولوا فوراً على الطوارئ، القراية فيها خطر عليها وعلى الجنين!
حسام كان ماسك التليفون، والخط قطع..
وبص للـ 150 جنيه اللي كانت في إيده.
ولأول مرة، الـ 150 جنيه ما بقتش مجرد مصاريف مواصلات ولا رمية كلام.. بقت هي السبب في إن بيته يتخرب، وابتدى يسأل نفسه: يا ترى هي اشتكت كام مرة وقالت لي أنا تعبانة.. وأنا اللي اخترت أعمل نفسي مش سامع؟الجزء الثاني:
تاني يوم الصبح، أمي أخدتني لعيادة دكتورة شاطرة في طنطا. كشفت عليا وقست الضغط ولقته لسه عالي، فقالت لي إننا لازم نتابع بدقة شديدة الأيام الجاية:
— لو حسيتي بصداع شديد، زغللة في عينيكي، مغص جامد، أو حركة البيبي قلّت، تجيلي على الطوارئ فوراً من غير تفكير.
أمي كانت بتسأل الدكتورة على كل تفصيلة وتهتم بكل كلمة، وأنا واقفة ساكتة وبفكر في حاجة غريبة قوي.. بقالي شهور طويلة كنت بحس بالكسوف والخجل لمجرد إن محتاجة أروح للدكتور!
أول ما خرجنا من باب العيادة، أمي مسكت إيدي وقالت لي:
— هنا يا نورهان مش هتحتاجي تستأذني حد عشان تقولي إنك تعبانة.
التلات أيام اللي بعدهم عدوا في هدوء. حسام كان بيبعت رسائل كتير جداً، بس ما اتجرأش ييجي من غير إذن. في الأول كانت رسائله كلها اندفاع وجنان، وبعدين نبرته اتغيرت وبقت أهدى:
أنا قلقان عليكي.. ومش هجبرك ترجعي، بس اطمني عليكي وعلى البيبي بس قوليلي إنكم بخير.
رديت عليه بكلمتين بس:
إحنا بخير، وأنا محتاجة وقت ومساحة لجمالي.
على الفجرية في اليوم الرابع، صحيت على وجع وطلقة شديدة خلتني أغمض عيني وأصوت بالراحة. بعد اتناشر دقيقة، جالي نفس الوجع تاني.
— يا أمي!
أمي دخلت الأوضة وهي بتلبس الروب بتاعها بسرعة:
— الوجع بدأ؟
— أيوة يا أمي، شكلي بولد.
في خلال عشرين دقيقة، كان أبويا مدور العربية تحت البيت، وأختي صفاء شايلة شنطة البيبي، وأمي ماسكة إيدي وبتمشي معايا خطوة بخطوة. محدش قال إني بأوفر، محدش استغلى المصاريف، ومحدش سابني أروح لوحدي.
في الطريق، عصرت على إيد أمي وقلت لها:
— أنا خايفة قوي يا أمي.
— خافي يا بنتي براحتك.. بس المهم إنك خايفة وأنا جنبك ومش لوحدك.
دموعي نزلت في صمت. أول ما وصلنا المستشفى، الدكاترة أكدوا إني في حالة ولادة فعلياً. الساعات اللي بعد كده كانت متعبة ومهدودة للحيل، وأمي فضلت جنبك لحد ما الدكاترة طلبوا منها تخرج للانتظار. قبل ما تخرج، باست دماغي وقالت لي:
— أنا ورا الباب ده مش هتحرك.
تليفون أمي رن، وكان حسام على الخط:
— يا طنط.. هي نورهان عندك؟
— نورهان في المستشفى.
— في ايه اللي حصل؟!
— ابنك جاي في الطريق وبيولد.
سكت شوية ودمه اتجمد:
— أنا جاي حالا!
— تعال.. بس دخولك عندها هي اللي تقرره بنفسها.
حسام ساق العربية وطار على طنطا، واشترى في طريقه هدم وحاجات للبيبي. بس ما لحقش لحظة الولادة.. “ياسين” شرف الدنيا على الضهر. أول ما سمعت صريخه، حسيت إن فيه جبل انشال من على صدري. الممرضة حطته على صدري، مسكت إيده الصغيرة وقلت له بصوت واطي:
— أنت مش هتربى على إن الحب معناه إنك تستحمل الإهانة وتيجي على نفسك.
حسام وصل بعد الولادة بساعتين. أمي خرجت له في الصالة:
— ممكن أدخل؟
— نورهان مش جاهزة تشوفك دلوقت.
بص في الأرض وسأل:
— طب وياسين؟
— الحمد لله بخير.
— شكراً.
ما جادلش ولا فتح بؤه. قعد على الكرسي في الطرقة واستنى ييجي أربع ساعات كاملين، لحد ما وافقت إنه يدخل خمس دقائق بس.
دخل خطوة خطوة، ولما شاف ياسين عينيه اتملت دموع:
— ممكن أشيله؟
— اغسل إيدك الأول.
جري غسل إيده بسرعة، وشاله بتوتر وخوف:
— أهلاً يا بطل..
وبعدين بص لي وقال:
— نورهان.. سامحيني.
— لا يا حسام.
وقف مكانو مذهول:
— لا؟
— ما تطلبش مني أسامحك لمجرد إننا خلفنا بيبي. أنا ما مشيتش عشان الـ 150 جنيه.
— أنا عارف..
— لا، أنت يلا دوب بتبتدي تفهم!
حكيت له عن كل مرة كنت بحسب فيها القرش عشان أمك ما تقولش عليا مبذرة.. وعن كل مرة كنت بشتكي من الوجع وتقولي “معلش استحملي شويه”.. وعن إحساسي إن حملي ده كان ذنب ولازم أدفع ثمنه خدمة في بيتكم:
— أنا كنت فاكرة إني كل ما أكون طيبة وأستحمل، هتعاملوني كواحدة منكم.
حسام قعد على الكرسي ومكسور:
— أنا كنت فاكر إن نزولي الشغل وهاتي لليومية كفاية عشان أكون زوج صالح.
— ما كانش كفاية.
— أنا عرفت ده خلاص.
— يبقى ما توعدش.. وريني أفعال.
في نفس الليلة، حسام رجع عين شمس عشان يجيب أوراق وشهادة الميلاد. وأمه بتدور في الأدراج، وقعت كراسة صغيرة على الأرض. حسام عرفها فوراً.. دي كراسة الجمعية والتحويشة اللي كنا بنجمعها عشان مصاريف الولادة والعيادة. فتحها ولقى المبلغ طار!
— كان هنا 30 ألف جنيه! فين الفلوس يا أمي؟
أمّه وشها أصفرّ وارتبكت:
— أنا.. أنا كنت هرجعهم تاني!
اعترفت إنها أخدت 25 ألف جنيه أديتهم لختها عشان جوزها ساب الشغل!
— هي نورهان كانت تعرف؟
— لا.
— وأبويا؟
— لا برضه.
حسام افتكر سرير البيبي اللي ما اشتريناهوش، والتقويات والحديد اللي كنت بأجلهم، وكل مرة كانت تقوله “المصاريف متكتفة ويا دوب الفلوس على القد”.
— يعني كنتي بتاخدي تحويشتنا، وبتخليها هي تحس بالذنب لو طلبت جنيه؟!
— أنا ما كانش قصدي أئذيها!
— بس أذتيها ودمرتي بيتي!
وفجأة لمح ورقة تانية متنية عليها ختم الوحدة الصحية.. كانت الإخطار بتاع الضغط. وأمه كانت كاتبة بخط إيدها عليها: “ما تقولش لحسام دلوقت عشان ما يقعدش من الشغل والجزا ينزل عليه”.
— انتي كنتي عارفة بتقرير الدكتورة؟!
أمّه عيطت وقالت:
— المستشفى اتصلت، ونورهان كانت خايفة عليك، فقلت بلاش نكبر الموضوع ونتقل عليك في الشغل!
— ننتظر ايه يا أمي؟! ننتظر لما تضيع مني هي والابن؟!
في الليلة دي، حسام أدرك الحقيقة البشعة: إن كل اللي في البيت اتعودوا يعتبروا وجعي وتعتبي مجرد “تعطيل ومصاريف”، وهو كان أكثر واحد بيساعدهم على ده بصمته.
مع الفجر، حسام كان راجع طنطا ومعه الكراسة والورقة. أمي خرجت له قبل ما يدخل لي:
— لو كانت البنت جرالها حاجة، كنت هتيجي تقولي ما كنتش اعرف برضه؟
حسام نزل راسه في الأرض ومردش.. ما كانش عنده أي رد.
الجزء الأخير:
حسام استناني لما صحيت، ودخل ومعه الورق:
— أنا لازم أوريكي ده، وما فيش حاجة هتستخبى عليكي تاني.
شفت الحساب والورقة وحسيت بنغزة في قلبي:
— الفلوس راحت فين؟
— أمي سحبتهم وأدتها لخلتي من غير ما نعرف.. وهترجعهم.
بصيت للدفتر وقلت:
— يعني لما كنت بسأل عن السرير والهدوم..
— كانت الفلوس موجودة بس هي اللي قررت تتصرف فيها.
— ولما قالوا لي الفيتامينات غالية؟
— نفس الكلام.
غمضت عيني.. ما كانش وجعي إن خالته أخدت الفلوس، وجعي إنهم عاملوني كإني جشعة وببذر في فلوس مش فلوسي!
مسكت الورقة التانية وعرفت الخط:
— ودي جبتها منين؟
— كانت مع أمي في البيت.. هي اللي ردت على تليفون المستشفى وكتبت النوتة دي.
قريت الخط: “ما تقولش لحسام عشان الجزا”.
حسيت بالكسوف.. مش من أمّه، من نفسي:
— أنا برضه غلطت لما خبيت عليك إني خايفة.. مرة جيت أقولك الدكتورة قلقانة، لقيتك بتعد الأيام الخسرانة لو غيرت خط الشغل، فسكت وقلت مفيش حاجة.
حسام حط إيده على وشو وبكى:
— نورهان..
— ده البيت اللي بنيناه يا حسام.. بيت اتعلمت فيه أطس واصغر نفسي عشان ما أكلفكوش وما أضايقكوش.
— أنا مش هسمح تعيشي كده تاني.
— وهتعمل ايه عشان ده ما يحصلش؟
سكت لحظة وقال بجدية:
— أولاً: مش هترجعي بيت أمي تاني خالص، حتى لو اخترتي ما ترجعيلوش معايا. ثانياً: فلوس ياسين هتبقى في حساب مقفول باسمنا إحنا وبس. ثالثاً: أمي مالهاش أي كلمة أو تدخل في حياتنا، صحتك، أو مصاريفنا. رابعاً: أنا هغير ورديات شغلي، مش عشان “أساعدك”، عشان ده ابني وأنا شريك معاكي في تربيته.
— ولو ما اديتكش فرصة تانية؟