حماتي دخلت حصري لصفحة روايات رولا

حماتي دخلت، شافت البيت نضيف وبيلمع، وقالت لابنها: “شايف؟ بعد اللي عملته معاها، أخيرًا فهمت مين اللي كلمتها تمشي في البيت”. جوزي قعد ياكل وهو حاسس بالانتصار والغرور، ومكانش يعرف إن تحت الكرسي بتاعي فيه دوسيه مليان وصولات بقالها أربع سنين، وفيديوهات لتهديداته ليا، وورق كفيل يطلعه بره المولد بلا حمص وياخد منه كل حاجة كان فاكر إنها بقت بتاعته.
​الجزء الأول
​— أمي جاية بكرة وهتقعد معانا الوقت اللي يريحها. ومش فارق معايا بقى إن الشقة دي مكتوبة باسمك.
​”محمود” قال الجملة دي وهو قاعد في الصالة بتاعتي، ماسك سيجارته بكل برود، كأنه بيقولي إن الجو هيمطر بكرة.
​أنا تنحت ومبقتش عارفة أتحرك.
— نعم؟ بتقول إيه؟
— زي ما سمعتي يا “ياسمين”. أمي محتاجة مكان تعيش فيه وإحنا عيلة.
​الشقة دي، اللي في “مصر الجديدة”، مكنتش “شقتنا”. جدتي “زينب” كانت كاتباها باسمي وورثتهالي قبل ما أعرف “محمود” بتلات سنين. وقبل ما تموت خلتني أوعدها بحاجة وقتها حسيت إنها مبالغ فيها:
— إياكي تبيعي المكان ده عشان ترضي أي حد. الست محتاجة مكان تقفل بابه عليها لما الحب يختفي وميبقاش حب.
​لممدة خمس سنين كنت فاكرة إن جدتي كانت شكاكة بزيادة. بس في الليلة دي فهمت إنها ببساطة كانت عاشت وشافت أكتر مني.
​جوازي كان بقاله شهور بينهار. أنا بشتغل مصممة جرافيك في شركة إعلانات، وبدفع مصاريف الصيانة، والكهربا والمية، وطلبات البيت، وتقريبًا كل مصاريف الشقة. “محمود” كان بيشتغل في تجارة مواد البناء ومكسبه حلو، بس فلوسه كلها كانت بتطير على خروجاته وقهوته مع صحابه، وقسط عربيته، وحاجات بيشتريها عمره ما بررلي هي إيه.
​وفوق كل ده، كان مستني مني أرجع من الشغل أقف أطبخله.
لو لقى كوباية مش نضيفة، يقلب الدنيا.
ولو ملقاش العشا جاهز، كان يقولي “الستات التانية بتعرف توفق بين كل حاجة”.
​قبل ما يبلغني بمجية أمه بيومين، دلق القهوة في المطبخ وساب الأرض بتلزق.
— امسحيها — أمرني وهو بيلبس جزمته.
رميت الفوطة في صدره.
— إنت اللي دلقتها، امسحها إنت.
بصلي كأني شتمت عيلته كلها.
— إنتي اتجننتي؟ فيكي إيه؟
— فيا إني تعبت من إني أكون الخدامة بتاعتك.
​دي كانت أول مرة أشوف كره حقيقي في عنيه.
​حماتي “سعاد” وصلت تاني يوم ومعاها تلات شنط سفر كبار.
حتى مسألتش هتقعد فين ولا هترتب حاجتها إزاي.
دخلت تفحص الحيطان، العفش، والستاير.
— يا إلهي يا “ياسمين”… البيت مليان تراب. عشان كده “محمود” بيقول إنك بتشتغلي كتير أوي. الست برضه المفروض متهملش بيتها.
​كنت عايزة أرد عليها، بس فضّلت أوضحلها حاجة أهم.
— حضرتك تقدري تنامي على الكنبة السرير اللي في الصالة. وهفضي لحضرتك درجين في الدولاب.
ملامحها اتغيرت.
— الصالة؟ أنا كنت فاكرة إنكم هتدوني أوضة النوم بتاعتكم.
— بس دي أوضتنا إحنا.
— طب ما تناموا إنتو على الكنبة، أنا ست كبيرة في السن.
​كان عندها 58 سنة، وعندها طاقة وصحة أكتر مني بعد تسع ساعات شغل قدام الكمبيوتر.
​”محمود” رجع بالليل، وزي ما توقعت، وقف في صف أمه.
— يعني هتخسري إيه لو ريحتيها؟
— هخسر إن محدش سألني أصلًا إذا كنت موافقة إنها تعيش هنا ولا لأ.
— رجعنا تاني لأسطوانة “شقتي”.
— عشان هي فعلًا شقتي.
“محمود” خبط على الترابيزة بإيده.
— وأنا كمان جوزك!
— كونك جوزي ده مش معناه إنك صاحب الشقة.
​حماتي “سعاد” ظهرت من وراه وقالت:
— دلوقتي بس فهمت ليه ابني اتغير كده. إنتي معيشاه معاكي كأنه عالة ومقيمة.
​أخدت نفس عميق وقولتلها:
— طنط “سعاد”، طول ما حضرتك قاعدة هنا، أنا محتاجة تحترمي حاجتي وقراراتي.
ضحكت بصوت عالي وبسخرية:
— هنشوف طريقتك دي هتكمل معاكي لحد إمتى.
​في نفس الليلة دي، “محمود” دخل أوضة النوم وهو متعصب وناره قايدة.
— إياكي تتكلمي مع أمي بالطريقة دي تاني.
— أنا مغلطتش فيها ولا قللت احترامي.
مسكني من دراعاتي الاتنين.
جامد.
جامد أوي.
— بقولك إياكي تعملي كده تاني.
— سيبني.
ضغط على دراعي أكتر.
— “محمود”، إنت بتوجعني.
​في الآخر زقني في الحيطة وخرج ورزع الباب وراه.
فضلت باصة للعلامات الحمرا اللي بدأت تظهر على دراعي.
مسكت تليفوني.
وصورتهم.
ولأول مرة مفكرتش إزاي أنقذ جوازي.
فكرت إزاي أخرج من الجوازة دي عايشة، وشقتي في أمان.
​مكنتش لسه قادرة أتخيل “محمود” وأمه ممكن يوصلوا لإيه ويعملوا إيه لما يفهموا إني خلاص مبقتش ناوية أقول حاضر ونعم تاني.
​الجزء الثاني
​تاني يوم الصبح استأذنت من الشغل ورُحت أقابل الأستاذة “مريم”، محامية أحوال شخصية كانت زميلتي في الشغل نصحتني بيها.
أخدت معايا عقود الشقة، وورق الوراثة، والصور اللي صورتها لدراعي.
​”مريم” راجعت الورق كله بهدوء.
— الشقة باسمك، وجاية لك عن طريق الميراث، وغير كده إنتو متجوزين بعقد فيه فصل بين الأموال. كل ده في صالحك جدًا وممتاز. بس الأهم عاجلًا مش العقار… الأهم هو ده.
​شأرت على صور دراعي.
— حسيت بالكسوف والخزي وأنا بكتشف الحقيقة دي بصوت عالي:
— هو عمره ما مد إيده عليا قبل كده.
— هو استخدم القوة البدنية وهددك، متمشيش وتستني لما الموضوع يسوء أكتر.
​نصحتني أسجل أي رسائل، وأوثق التهديدات، وأشيل نسخ من كل أوراقي الرسمية في مكان أمين.
ودي كانت بداية حربي الساكتة.
​حماتي “سعاد” كانت بتعمل فطار عملاق لـ “محمود” وتستغل أي فرصة عشان تقلل مني:
— بص يا حبيبي، طبق الفول والسلطة دول اللي يفتحوا النفس، مش الأكل الجاهز والمجمد اللي مرتك بتجيبه.
— أنا مبجبلوش حاجة — رديت عليها — هو عنده 35 سنة، يقدر يدخل المطبخ يعمل لنفسه.
— الست الشاطرة هي اللي تخدم جوزها.
— الست شريكة حياة، مش خدامة.
​”محمود” كان بيبصلي بغل وكره بيزيد كل يوم.
​بعد أسبوع رجعت من الشغل لقيت نص هدومي محطوطة في كراتين.
فتحت الدولاب، لقيته مليان بفساتين وحاجات حماتي “سعاد”.
رُحت على المطبخ فورًا:
— هدومي فين؟
— رتبتهالك في أوضة الخزين — ردت ببساطة وبرود — أنا برضه محتاجة مساحة لهدومي.
— طلعي هدومي تاني مكانها.
— متكونيش أنانية.
— دي أوضتي وده دولابي!
​”محمود” طلع على الصوت:
— أمي هتفضل واخدة المساحة دي.
​طلعت تليفوني وبدأت أسجل فيديو.
— قولها تاني كده؟
— إنتي بتسجللي دلوقتي؟
— اه.
​قرب مني خطوة:
— شيلي البتاع ده من وشي.
— لأ.
​رفع إيده عليا.
ملحقش يلمسني، بس الكاميرا سجلت الحركة والتهديد بوضوح تام.
​بعد الحركة دي غيروا خطتهم.
في ليلة رجعت البيت، جيت أفتح الباب بالمفتاح مفتحش.
“محمود” كان غير كالون الباب.
طلبت النجدة فورًا، ووريتهم الأوراق الرسمية والمحضر، وجبروه يفتحلي ويدخلني.
لما البوليس مشي، جوزي قرب مني وهو بيجز على سنانه:
— إنتي بقيتي تجبيلي البوليس لحد بيتي وضد عيلتك؟
— إنت اللي قفلت باب بيتي في وشي ورميتني بره.
— أنا عايزك تفهمي إنك مش إنتي اللي بتمشي كلمتك هنا لوحدك.
​الجملة دي اتسجلت حرفيًا.
تليفوني كان في جيبي والمسجل شغال.
​بس أصعب ليلة مرت عليا كانت بعد أول جلسة لينا قدام القاضي.
“محمود” كان شارب، ودخل يزعق ويصرخ إني شهرت بيه وإني عايزة أرميه في الشارع، وإن مفيش ست تقدر تاخد منه اللي بناه.
— إنت مبنيتش الشقة دي! — صرخت فيه.
​راح زاققني بكل قوته.
اتخبطت في الحيطة.
مسكني تاني، ولما حاولت أبعده ضربني بوكس في ضلوعي.
حماتي “سعاد” طلعت من الصالة.
افتكرتها هتهديه أو تحوشه.
بس بعد ما “محمود” نزل ورزع الباب وخرج، بصتلي وأنا بحاول أخد نفسي بالعافية وقالت:
— إنتي اللي جبتيه لنفسك… الست الذكية هي اللي تعرف إمتى تبطل تستفز جوزها.
​الجملة دي كانت القشة اللي قطمت ضهر السلسلة وكشفت كل حاجة جوايا.
طلبت البوليس، وعملت محضر عدم تعرض واعتداء، والطب الشرعي أثبت الإصابات.
لما “محمود” رجع ولقى الظباط، وشه جاب ألوان.
لم حاجته وأمه أخدته ومشيوا في نفس اليوم.
​قعدت تلات أيام مأعرفش عنهم حاجة.
وكانوا أهدى وأجمل تلات أيام عشتهم من سنين.
​ساعتها أخدت قرار غريب.
ضفت الشقة ونضفتها وخليتها بتبرق.
اشتريت لحمة وورق عنب ورز، وعملت صينية بطاطس بالسجق، وسلطات، وفطير، وحتى صينية البسبوسة اللي “محمود” بيحبها عملتها.
فرشت المفرش الشيك، وطلعت الطقم الكريستال بتاع جدتي.
البيت كان شكله كأنه تجهيز لعزومة صلح.
​في اليوم الرابع سمعت المفتاح في الباب.
“محمود” كان معاه نسخة ثانية.
دخل وهو ماسك إيد أمه “سعاد”.
الأتنين اتثمروا مكانهم لما شافوا البيت متروق والنظافة والأكل اللي مالي الترابيزة.
​”محمود” ابتسم بغرور:
— شايفين يا أمي؟ أخيرًا فهمت.
​حماتي قربت بنصر، بصت على السفُرة، وطبطبت على كتف ابنها:
— قولتلك يا حودة… الستات دول لازم توريها العين الحمرا والأيد الناشفة في الأول عشان تتعدل وتبقى مطيعة.
​أنا كنت واقفة ساندة على باب المطبخ.
مناقشتش.
معيطتش.
ابتسمت بهدوء وقولتلهم:
— اتفضلوا ارتاحوا، العشا عشانكم.
​قعدوا ياكلوا وهم قمت في الثقة إنهم كسبوا المعركة.
اللي مكانوش يعرفوه، هو إيه اللي مستنيهم جوة الدوسيه اللي أنا حطاه تحت الكرسي بتاعي.
​الجزء الثالث
​”محمود” قعد ياكل ولا كأن حاجة حصلت.
أكل وطلب أطباق زياده ورز، وحتى فتح أزازة الحاجه الساقعة.
— الأكل حلو النهاردة — قالها بفوقية — المفروض نفضل كده على طول، من غير دراما ومشاكل.
​حماتي “سعاد” هزت رأسها:
— العيلة بتظبط لما كل واحد يعرف حجمه ومكانه.
​أنا فضلت باصة لوشوشهم.
لسنين طويلة الجمل دي كانت بتحسسني إني صغيرة وضئيلة.
بس في الليلة دي، حسيتها كلام فارغ ويضحك.
​— خلصتوا أكل؟
“محمود” كشر:
— لسه باكل.
— براحتك، مفيش استعجال.
​استنيت لحد ما ساب شوكته ومسح إيده.
طلعت الدوسيه من تحت الكرسي وحطيتها قدامه على الترابيزة.
— دلوقتي بقى… افتح ده.
— إيه ده؟
— افتحه وإنت تعرف.
​”محمود” سحب أول ورقة، والابتسامة اختفت من وشه فورًا.
— دعوى طلاق؟
— اترفعت خلاص.
​حماتي “سعاد” الكوباية كانت هتقع من إيدها:
— بتقولي إيه؟
— بقول إننا بنتطلق.
​”محمود” بص للأكل وللترابيزة وهو مش فاهم:
— أومال… كل الأكل والترويق ده إيه؟
— دي حفلة.
— حفلة إيه؟
​بصيت في عنيه بثبات:
— حفلة إني أخيرًا فهمت إني مش مجبرة أعيش في خوف في بيت جدتي سابتهولي عشان يحميني من أشكالكم.
​حماتي وقفت وزعقت:
— إنتي ست قليلة الأصل ومبتطمرش فيكي حاجة!
— اقعدي يا طنط، لسه بدري.
​”محمود” كان بيقلب في الورق وإيده بترعش.
كان فيه نسخ من العقود، إعلام الوراثة، عقد الجواز، فواتير الصيانة، التحويلات البنكية للتوضيبات، وكشوفات الحسابات.
​— إنتي مَتقدرِيش تطلعيني بره — قالها بصوت مهزوز — أنا عايش هنا بقالي سنين.
— وجودك هنا مبيخليكش صاحب البيت.
— أنا جوزك!
— كنت جوزي… والمسألة مسألة وقت.
​خبط على الترابيزة:
— أنا دفعت وصرفت في البيت ده!
​طلعت دوسيه تاني:
— دي حسابات أربع سنين. لو لقيت تحويلة واحدة من حسابك لثلاجة، ولا لغسالة، ولا لتصليح سباكة، ولا لصيانة أسانسير… وريها لي.
​بدأ يقلب في الورق بلهفة، ملقاش حاجة.
لان مفيش حاجة أصلًا.
لما باع عربيته القديمة عشان يشتري الأحدث، أنا اللي دفعت مصاريف توضيب البيت.
لما أخد مكافأة الشغل، طلع مع صحابه شرم الشيخ.
ولما المواسير ضربت والمطبخ اتغرق، أنا اللي دفعت من تحويشتي.
​— أنا كنت بديكي فلوس كاش في إيدكي — تمتم بصوت واطي.
— ممتاز، أثبت ده قدام المحكمة والقاضي.
​حماتي خبطت بإيدها على الترابيزة:
— ده مش بيزنس! ده بيت وجواز!
— وعشان أنا فكرت بالطريقة دي زمان، سمحت بحاجات كتير مكانش ينفع أسمح بيها.
​”محمود” شاور عليا:
— إنتي بقالك أسابيع بتجهزي للكلام ده؟
— بقالي أسابيع بأمّن نفسي وبحمي حياتي.
​طلعت التليفون وفتحت فولدر.
— 27 تسجيل صوتي. 9 فيديوهات. صور الإصابات والبطحة اللي في دراعي. المحضر بتاع تغيير الكالون. محضر الاعتداء. ورسائل أمك وهي بتهددني.
​حماتي وشها اصفر:
— إنتي كنتي بتسجليلنا؟

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *