أحمدي ربنا ج 2 حصري لصفحة روايات رولا

​لما المحاكمة خلصت والغبار هدي، أنا وطارق بيه رجعنا للفيلا الهادية.
​بالليل، دخلت المكتبة ووقفت. في نص الترابيزة الخشب كانت فيه ورقة طلاق كبشة.
​طارق بيه كان واقف عند الشباك، بيبص على الجنينة. ملفش.
​”المحامين مضوا عليها خلاص،” قالها بصوت هادي وخالي من المشاعر، مع إن كتافه كانت متشنجة جداً. “بيتك رجعلك. والصندوق اتعمل. اسمك نضيف دلوقتي. أنتي في أمان يا أميرة. مش مديونة ليا بأي حاجة. أنتي حرة تمشي.”
​وقفت هناك، ببص لظهر الراجل اللي ضحى بمتبرعين ملايين، وبمكانه الاجتماعي، وليالي من غير نوم بس عشان يقف بين عيالي وبين واحدة مفترية. راجل معاه كل النفوذ، وعمره ما حسسني إني صغيرة.
​مسكت أوراق الطلاق.
​ومن غير ولا كلمة، مسكت الورق ومزقته نصين بقوة. صوت قطع الورق كان عالي في الأوضة الهادية. رميت القصاصات في الدفاية.
​طارق بيه لف، وعينيه واسعة من الصدمة.
​مشيت بالراحة لحد ما بقيت واقفة قدامه بإنشات. رفعت إيدي وحطيتها على خده.
​”أول مرة اتجوزتك فيها يا طارق بيه،” همست، والدموع نازلة من رموشي، “كانت صفقة. كانت درع أحمي بيه بناتي.”
​ملت عليه، وحطيت راسي على راسه.
​”بس المرة دي… أنا بطلب أقعد. لأني بحبك بكل جوارحي.”
​دمعة واحدة طلعت ونزلت على خد طارق بيه. لف دراعاته حواليا، وشدني لصدري، ولأول مرة في علاقتنا الغريبة، باسني. مكانتش بوسة يأس؛ كانت وعد.
​بعدها بشهور، عملنا فرح تاني.
​مكانش فيه إعلام، ولا أعضاء مجلس إدارة، ولا قاعات فخمة. وقفنا في جنينة الفيلا الهادية والمشمسة.
​فريدة، وشها منور بالفخر، كانت شايلة الدبل. وجيدة كانت بتغني لحن ناعم وأنا ماشية في الممر الخشب. وليلى، خفت تماماً ومليانة طاقة، كانت بترمى ورد أبيض في كل حته. الدادة إحسان كانت قاعد في أول صف، بتبكي من الفرحة في منديل.
​بفلوس التأمين اللي رجعت وبيع البيت القديم، عملت مؤسسة خيرية جديدة. اشتريت مكان واسع ومتأمن وحولته لمأوى بيوفر سكن طوارئ، وحماية قانونية، واستشارات استقلال مالي للستات والأمهات اللي بيهربوا من العنف.
​طارق بيه مول العيادات الطبية والقانونية التابعة ليها، بس أصر إن المبنى الرئيسي يشيل اسمي.
​أنا رفضت. وبداله، سميته بيت الفراشات التلاتة.
​سميته على اسم بناتي. لأني اتعلمت إن حتى في أضلم الليالي، هما عمرهم ما بطلوا ينوروا.
​فيلا طارق بيه تحولت بالراحة من متحف ساكت لبيت مليان حركة وحياة. رسومات الألوان الشمع مغطية التلاجة الاستانلس. الجزامات الصغيرة جمب الباب الرئيسي. الضحك والمزيكا رايحين جايين في الطرقات الطويلة.
​ليلى اتعلمت تعزف الأغنية اللي كنت بدندنها لها وأنا ببكي جنب غسالة القصر. في ليلة صيف، استندت على باب الصالون، وبصيت على طارق بيه وهو قاعد جنبها على البيانو، إيديه الكبيرة بتمشي إيديها الصغيرة على العاج.
​وأنا بتفرج عليهم، استوعبت حاجة كبيرة.
​لسنين، عفاف هانم زرعت فيا إن القوة الحقيقية هي إنك تستحمل في سكات. وبعدها، ومن الصدمة، كنت فاكرة إن الحب هو إنك تضحي بنفسك وتمشي قبل ما تبوظ حياة حد نضيف.
​الفكرتين كانوا كذب.
​القوة الحقيقية ساعات بتكون إنك تملك الشجاعة تطلب المساعدة. والحب الحقيقي عمره ما بطلب من حد يختفي في الضلمة. بيطلب منه يقعد، في النور، ويختاروا بعض كل يوم.
​بعدها بالليل، والهوا الدافي ماشي في الجنينة، قعدت في البلكونة مع طارق بيه. بنتفرج على بنتنا التلاتة بيجروا ورا الفراشات المضيئة في النجيل، والبطرمانات بتنور بالنور اللي مسكوه.
​حطيت راسي على كتفه وشبكت صوابعي في صوابعه.
​”عمرك ندمت؟” سألته بصوت واطي. “على الكلام اللي قلته في صالة الأكل اليوم ده. أنتوا طالعين معايا. أنت خسرت ملايين وكرسي في إمبراطوريتك بسبب القرار ده.”
​طارق بيه ابتسم، وعينيه متابعة ليلى وهي بتجري وتصرخ من الفرحة.
​”أنا مخسرتش ملايين يا أميرة،” همس، ولف باس راسي. “أنا بس خسرت الحمل التقيل بتاع ناس مكانوش شايفين فيا غير حساسي البنكي.”
​عصر على إيدي جامد.
​”وفي المقابل، لقيت الحقيقية الوحيدة اللي روحي كانت جعانة لها.”
​عفاف هانم الشاذلي قضت سنين تحاول تقنعني إن بناتي التلاتة مالهمش قيمة لمجرد إنهم اتولدوا بنات.
​النهاردة، نفس البنات دول هما الامل لآلاف الستات المكسورين اللي بيدخلوا أبواب بيت الفراشات التلاتة، يدوروا على أمان، وعدالة، وفرصة تانية في الحياة.
​المجتمع زمان سماني خدامة. والجرايد سمتني سارقة وطماعة.
​بس النهاردة، بناتي بينادوني: يا ماما.
​والملياردير اللي كان حالف يموت لوحده؟
​هو بس بيناديني: بيتي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *