أحمدي ربنا ج 2 حصري لصفحة روايات رولا

​”العبء ده حاجة الناس بتستحملها بالعافية،” قالها وهو بيكد على كل كلمة. “أنتي وبناتك عيلتي. أنتوا مكانكم هنا.”
​صوته اتهز بكسرة بسيطة عند كلمة “عيلتي”.
​بعدها في الضهرية، وأنا قاعدة في البلكونة، الدادة إحسان جابتلي كاس شاي، وحكتلي السر المستخبي في روح طارق بيه السيوفي.
​أم طارق بيه مكانتش بس ماتت في حادثة وأهو طفل عنده عشر سنين. أبوه، اللي كان راجل أعمال تقيل في السوق، كان بيبهدلها ويضربها ورا الأبواب المقفولة لسنين. البقع الزرقا كانت تستخبى تحت الحرير الغالي. والصريخ كان بيتكت في قصور عازلة للصوت. كل الوسط الأرستقراطي كان عارف. ومحدش اتدخل، لأن فلوس عيلة السيوفي كانت بتشتري سكوت جبان.
​في ليلة مرعبة، طارق الطفل أبو عشر سنين لقى أمه مغمي عليها ومضروبة على أرضية أوضتها. استخبى تحت السرير، مرعوب وعاجز، لحد ما صوت سرينة الإسعاف شقت الليل. هي ماتت في عربية الإسعاف.
​”من اليوم ده،” الدادة إحسان همست، وهي بتتفرج على طارق بيه وهو بيلعب استماية مع ليلى في الجنينة البعيدة، “حلف يمين على نفسه. لو في يوم بقى معاه قوة، وشاف ست عايشة في رعب، هيحرق الدنيا قبل ما يغمض عينيه.”
​في اللحظة دي، المكعبات كلها ركبت ببعضها.
​هو متجوزنيش شفقة. مكانش بينقذ خدامة. هو كان بيحاول يرجع بالزمن وينقذ أمه. كان بينفذ وعد عيله طفل عنده عشر سنين.
​تحت مظلة الاحترام العميق ده، بناتي ابتدوا يفكوا بالراحة.
​فريدة بطلت تخبي العيش في جيبها، وأخيراً صدقت إن فطار بكرة مضمون. وجيدة، اللي مكانش ليها صوت من شهور، ابتدت تدندن ألحان وهي بترسم بال ألوان المية على ترابيزة المطبخ.
​وليلى اكتشفت البيانو البيانو الضخم اللي في الصالون. في الأول كانت بتخبط بقبضتها على الزراير. وبدل ما يزعقلها، طارق بيه كان يقعد جنبها بالصبر على الدكة، وإيديه الكبيرة تهدي صوابعها الصغيرة، ويعلمها أغاني أطفال نوتة نوتة.
​ومع إننا كنا مربوطين بقبالة جواز رسمية، كنا عايشين زي اتنين زمايل بيحترموا بعض جداً. هو ينوم في الجناح الشرقي، وأنا في الغربي. دايماً يخبط على بابي ويستنى الرد. عمره ما شال بنتي أو حضنها من غير ما يستأذنها الأول. كان بياخد رأيي في كل صغيرة وكبيرة تخصهم، من أكلهم لمدرسينهم.
​الهدوء والاحترام ده كان زي المرهم، بيلم جروح نفسية مكانتش فاكرة إنها لسه بتنزف.
​بس عفاف هانم كانت زي الذئب المجروح، وده كان مخليها خطيرة زيادة.
​عشان تسيطر على الكلام في الميديا، سربت صور مبكسلة من كتب كتابنا البسيط للجرايد والمواقع الشمال. المانشيت كان بيصرخ: الملياردير والخدامة: إزاي ست طماعة جرت رجل أكبر عازب في البلد.
​الرد الشارع كان قاسي. عربيات البث كانت مخيمة قدام البوابة. لما حاولت أودي فريدة ووجيدة مدرستهم الخاصة، الأمهات الهاي كلاس لفوا وشهم عنا في الجراج. واحدة منهم، متغرقة ألماظ، قالت بصوت عالي: “دول عيال الخدامة الحرامية.”
​طارق بيه فوراً سحبهم من المدرسة وجابلهم مدرسين خصوصيين في البيت، بس الأذى كان حصل. السم كان بيسري في إمبراطوريته.
​مؤسسة المستشفيات بتاعته ابتدت تخسر دعم. متبرعين كبار، مرعوبين من الفضيحة، سحبوا ملايينهم. مجلس الإدارة عمل اجتماع طارئ، وبيطالبوه يطلقني عشان ينقذ المنظومة.
​في ليلة، مش جايلها نوم، اتسحبت تحت أجيب مية. وقفت برة باب المكتب الأرو. كان موارب شوية. سمعت مكالمة شديدة على السبيكر.
​”لازم تطلقها يا طارق بيه!” رئيس المجلس كان بيترجاه وصوته فيه هلع. “تحقيق التزوير ده مبهدل سمعتنا. اشتريلها بيت في الساحل ولا في أي حتة. اعمل صندوق للعيال. اعمل أي حاجة بس اقطع الجوازة دي قبل ما نخسر مبنى الأطفال الجديد!”
​رد طارق بيه كان درس في التحكم في الغضب.
​”أنا ماشتريتش ست يا دكتور،” قالها ببرود. “أنا اخترت أحمي عيلتي.”
​”أنت هتضيع كل اللي بنيته في حياتك عشان كبرياء!”
​”لو ضيعت كل حاجة،” طارق بيه رد بثبات، “يبقى هعرف مين اللي كان بيمول الفكرة ومين اللي كان متأجر جنب فلوسي. أنا مش هسيبها. متفتحش الموضوع ده تاني.” الخط قطع.
​وقفت في الطرقة الضلمة، وقلبي بياكلني من الذنب.
​هو بضيع شغل عمره. المستشفيات اللي بتعالج الأطفال بتتأذى بسببي. عفاف هانم كانت بتكسب.
​في الليلة دي، ومسمومة بفكرة إن الحب محتاج تضحية، عملت أكبر غلطة في حياتي.
​لميت شنطة قماش صغيرة. صحيت البنات الساعة تلاتة الصبح، وقلتلهم إننا رايحين في مغامرة سرية. اتسحبنا زي الخيال، وطلعنا من الباب الخلفي ومشين كيلو في الضلمة لحد الطريق السريع، ووقفت تاكسي.
​خدتهم لملجأ ستات متأمن ومستخبي بتديره دار رعاية في وسط البلد، وسبت تليفوني قصد عشان محدش يعرف يتتبعني.
​سبت جواب مكتوب بخط إيدي على رخامة المطبخ.
​طارق بيه،
أنا بحبك زياده عن إني أشوفك بتدمر نفسك وشغلك بسببي. آلاف الستات والأطفال اللي معتمدين على مستشفياتك محتاجينك أكتر مني بمراحل. أنت أنقذتنا. دلوقتي دوري أنقذك. أرجوك، متدورش علينا. خليهم يفتكروا إنك طردتني. أنقذ اسمك وشغلك.
أميرة.
​كنت فاكرة إن الهروب ده أعلى درجات التضحية والحب.
​كنت غلطانة تماماً وبشعة.
​…
​الجزء الرابع: الفراشات المضيئة
​عشر أيام في معزلنا في الملجأ، والدنيا اتهدت.
​ليلى، اللي صحتها كانت بتقل طول الأسبوع، وقعت فجأة على أرضية صالة الأكل. شفايفها تحولت للون أزرق يرعب، وكانت بتشهق زي السمكة اللي طالعة من المية. جسمها كان بيتحرق بسخونية عالية.
​الإسعاف جرت بينا لأقرب مستشفى عام محيلتهاش حاجة. في الطوارئ، دكتور أطفال قال كلمة كانت زي الحكم بالإعدام.
​ليلى عندها عيب خلقي في القلب مكانش متأشخص. التعب والإلتهاب جابولها هبوط حاد في القلب. محتاجة عملية قلب مفتوح فورية ودقيقة عشان نصلح الصمام.
​وقفت تحت نور الطوارئ، وجيوبي فاضية تماماً. معنديش تأمين. معنديش تحويشة. الحساب البنكي الأوفشور متجمد. معنديش أي طريقة أنقذ بيها حياة بنتي الصغيرة.
​المديرة، ومن غير ما تسمع لدموعي ورجايا، راحت للتليفون الأرضي وطلبت الرقم الوحيد اللي يفرق.
​طارق بيه السيوفي وصل بعد واحد وأربعين دقيقة بالظبط.
​دخل من الباب الجرار بتاع الطوارئ، شعره مبلول من مطرة مفاجأة، وكرافتته مخلوعة. كان شكله زي الراجل اللي مانامش دقيقة من عشر أيام. الهالات السودة تحت عينيه كانت كحلي من التعب والرعب.
​مازعقليش. مأليش سبتيه ليه.
​عدى من جنبي، ودخل عناية الأطفال، ونزل على ركبه جنب سرير ليلى. مسك إيدها الصغيرة الضعيفة بين إيديه الكبار، وحطها على شفايفه، وكتفه كان بيتهز في سكات.
​وبعدها بس وقف ولفلي. مشاعره في عينيه كانت عريانة.
​”إياكي في يوم،” همس وصوت بيترعش بحدة، “تقرري عني إيه اللي أنا مستعد أخسره يا أميرة.”
​”طارق بيه، مؤسستك… المستشفيات…” بكيت، والذنب بيموتني.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *