لما فتحت عيني حصري لصفحة روايات رولا
حصري لصفحة روايات رولا
لما فتحت عيني في المستشفى، كان جوزي قاعد جنب السرير، ماسك إيدي زي راجل مكسور وميت من الرعب إنه يخسر مراته.
أمّه قربت من الدكتور وهمست بصوت واطي: «يا حبة عيني.. أكيد مخها اتلخبط ومش مجمعة بعد الحادثة.»
أنا ما صلحتيش كلامها.
وما قلتلهمش إني فاكرة كل تفصيلة بتحصل.
الفرامل اللي قفلت فجأة وما بقتش تستجيب.
عربيتي وهي بتنحرف برة الطريق.
النزلة المُرعبة في المنحدر بتاع طريق السخنة.
تليفوني اللي كان بيرن وأنا لسة محشورة جوة الصاج اللي اتعجن.
والجملة اللي طلعت من السبيكر بعديها:
«كلمونا لو ماتت.»
سامح وأمّه «فادية» كانوا عاملين تمثيلية ملعوبة صح، كل ما يدخل دكتور أو ممرضة الأوضة.
يسألوا بلهفة وخوف.
يعصروا على إيدي.
يمثلوا إنهم بيموتوا في جلدُهم من القلق على صحتي وهل هقوم منها ولا لأ.
بس ورا الابتسامات المزيفة المليانة عطف دي، كانوا خلاص بيرتبوا عشان يحطوا إيديهم على كل حاجة قضيت سنين عمري ببني فيها.
عشان كده إديتهم اللي هما عايزينه بالظبط.
ابتسامة ضعيفة.
نظرة تائهة ومش مجمعة.
وسكوت.
عشان الشخص الغريب اللي شدّني وطلعني من عربيتي المتقطعة، جاب معاه حاجة سامح وفادية عمرهم ما يتخيلوا إنها موجودة.
دليل.
فضلت باصة للسقف بنظرات مش مركزة، وصوت جهاز القلب بيكركب بانتظام جنبي.
سامح كان قاعد على الكرسي قُريب من سريري، لابس نفس البدلة الكحلي شيك جداً اللي كان لابسها في عشانا بتاع عيد جوازنا.
كانت زي الفل..
مافيهاش بقعة.
ولا كسرة.
مافيهاش أي حاجة توحي بإنه قَضى الصبح بيجري زي المجنون يدور على مراته اللي كانت بتموت.
فادية كانت واقفة قُريب في طشة ريحة برفان فل حادة ومالية الأوضة.
وتحت دراعها، كانت حاطة شنطة أوراقي الجلد.
«نسرين؟» سامح قالها بصوت حنين وهو بيدلك صوابعي: «عارفة أنا مين؟»
بصيت وراه وسبت عينيا تسرح.
«راسي وجعاني أوي..»
لمعة ارتياح صغيرة أوي عدت بينه وبين أمّه.
اختفت في ثانية.
أي ممرضة كانت ممكن تفوتها.
أنا ما فاتتنِيش.
بعد أرباع عشرة و11 سنة جواز، بقيت حفظت سامح وبقيت بقراه من نبرة صوته.
لسنين طويلة، كان بيسيب الناس تفترض إن شركة «البركة للمستلزمات الطبية» دي بتاعته هو.
بس الحقيقة ما كانتش كده.
أنا اللي أسست الشركة دي بفلوس ورثي عن بابا الله يرحمه.
الوحدات الطبية المتنقلة اللي عملت اسم الشركة ونجاحها كانت ببراأت اختراع متسجلة باسمي أنا.
وأنا اللي كنت بملك اتنين وستين في المية من أسهم التصويت.
سامح كان مسك مدير العمليات عشان أنا اللي وثقت فيه.
عشان كنت بحبه.
وفادية من ناحيتها، قضت سنين تقول على الشركة «شركة العيلة»، وكأن شغلي وشقايا ملك ابنها بجهة حتمية.
دلوقتي، حطت شنطة أوراقي على الترابيزة اللي جنب السرير وفتحتها.
«دول شوية أوراق بسيطة محتاجين توقيعك يا حبيبتي،» قالتها بنبرة ناعمة زي السمنة: «ورق مؤقت كده.. عشان التأمين والمرتبات وتفويض طبي.»
حطت أول ورقة قدامي.
عرفت ختم الشركة في ساعتها.
الورقة دي ما كانش ليها أي علاقة بالمستشفى.
دي كانت عقود تنازل عن أسهم التصويت في الشركة.
سبت جفوني تسترخي وكأني مش القادرة أركّز.
«ممكن بعدين..»
صوابع سامح اتقفلت على إيدي بضغط أعلى.
وجع فظيع ضرب في إيدي.
بس ابتسامته ما اتغيرتوش.
«مجلس الإدارة هيجتمع بكرة،» قالها بصوت واطي ومكتوم: «أكيد مش عايزة ييجي بكرة وميتين موظف ما يصرفوش مرتباتهم عشان إنتي بس مش مجمعة أوي اليومين دول.»
بصيتله من غير ما أرد.
في الآخر، سامح وأمّه خرجوا.
فضلت مستنية وصوت خطواتهم بيبعد في الطرقة.
عشر ثواني.
تلاتين.
دقيقة كاملة.
بعدها باب الدولاب اتفتح.
راجل طويل وعريض، لابس جاكيت توصيل مبلول، نزل بالراحة وخطى جوة الأوضة.
في إيد كان ماسك تليفون شاشته متدشملة.
وفي الإيد التانية كارت ميموري صغير.
ده كان الراجل اللي لقاني تحت في المنحدر.
الغريب اللي شدّني وطلّعني وريحة البنزين والزيت مالية المكان تحت العربية.
«أنا يونس،» همس بصوت واطي: «الممرضة بتاعتك خبتني جوة لما جوزك وصل.»
فضلت باصلة له.
يونس رفع كارت الميموري.
«كاميرا العربية عندي لقطت حاجة الصبح بدري.»
نبضي بدأ يصرخ.
فتح فيديو على تليفون المكسور.
الوقت في الفيديو كان قاري 5:14 الصبح.
التصوير بدأ جوة جراج العمارة.
بعدها سامح ظهر في الكادر.
جوزي كان ماشي بيمد ب do خطواته رايح لعربيتي.
بص حواليه بحذر.
وبعدين وِطى ووطى جسمه جنب العربية.
يونس كبّر الصورة.
حاجة معدن برقت في إيد سامح.
قصّافة صاج أو مقص سلك.
«الكاميرا سجلته وهو بيلعب تحت عربيتك،» يونس قالها.
معدتي اتقلبت.
بس هو ما خلصش كلامه.
«لما لقيتك بعد الحادثة، تليفونك بدأ يرن. افتكرت حد بيطمن عليكِ، ففتحت السبيكر.»
فتح تسجيل تاني.
صوت فادية ظهر الأول:
«هي طارت ولا لسة؟»
وبعدين صوت سامح:
«كلمونا لو ماتت.»
فضلت مبلمة في الشاشة.
كل الأعذار اللي كنت بحاول أخترعها له في دماغي تبخرت.
يونس رجّع كاميرا العربية تاني.
«ده الجزء اللي لازم تشوفيه بنفسك.»
عمل إيقاف مؤقت.
وش سامح كان باين ومكشوف تماماً لعدة ثواني وهو بيبص ناحية الكاميرا.
وبعدين الصورة جابت إيديه وهي بتتحرك تحت العربية..
بالظبط عند خراطيم الفرامل.
تلج مشي في جسمي كله.
دي ما كانتش حادثة بالصدفة واستغلوها.
ده كان هناك بنفسه قبل ما أتحرك.
ودلوقتي، وأنا نايمة في سرير المستشفى، هو وأمّه بيحاولوا يقنعوا الدنيا كلها إني عاجزة ومش مجمعة عشان أمضي وأسلمهم الشركة.
يونس حط كارت الميموري في كف إيدي.
«ميعرفوش أي حاجة عن إن معايا تسجيلات.»
قفلت صوابعي عليه بقوة.
الخوف كان لسة جوايا..
بس في حاجة تانية أكبر وأقوى بدأت تحل محله.
السيطرة.
ولأول مرة من ساعة ما فتحت عينيا، سامح ما بقاش هو اللي معاه كل الخيوط.
أنا اللي معايا.
فجأة صوت خطوات ظهرت برة الأوضة.
يونس اتحرك بسرعة واستخبى جوة الدولاب تاني.
كرة الباب بدأت تلف.
سحبت كارت الميموري بسرعة تحت الملاية وشيلت أي تعبير أو ملامح من وشي.
عقبال ما سامح خطى جوة الأوضة، كنت رجعت أصل في السقف بنظرات تايهة ومش مركزة.
ضعيفة.
مش فاهمة حاجة.
بالظبط الشخصية اللي هو محتاج الكل يصدق إني بقيتها.
سامح ابتسم وهو بيقرب من السرير.
ابتسمتله بضعف وكسرة.
بس الفرق دلوقتي.. إني بقيت عارفة هو عمل إيه بالظبط.
والأهم من ده كله—
إني أقدر أثبت ده.
دكتورة ميرفت قفلت الباب وراهم، والتفتت لي وهي بتملا السرنجة.
بصيت لها بثبات، وفي ثانية واحدة نظرة التوهان والضعف اختفت تماماً من عينيا.
«دكتورة ميرفت، أنا بجمع كل كلمة، ووعيي كامل مية بالمية.»
إيدها اتسمرت في الهواء والسرنجة كانت هتقع منها. «نسرين؟ إنتي…»
«جوزي هو اللي قص خراطيم الفرامل،» قطعت كلامها بصوت واطي بس حاسم، وطلعت كارت الميموري من تحت الملاية. «وهنا فيه فيديو للج/ريمة وتسجيل لصوته هو وأمه وهم بيستنوا خبر موتي. محتاجة منك تقرير طبي رسمي بإن عقلي سليم تماماً وما عنديش أي اضطراب، ومحتاجة تطلبيلي شرطة النجدة فوراً.»
دكتورة ميرفت بلعت ريقها وصدمتها تحولت لذهول كامل، بس مهنيتها غلبت. هزت رأسها بالرفض للشرطة في اللحظة دي وقالت بصوت واطي: «الشرطة لو دخلت المستشفى دلوقتي جوزك هيحس وهيهرب أو يداري الأدلة. أنا هعملك التقرير الطبي فوراً وهختمه بالنسر، وهكلملك محامي كبير يعرف يتصرف قانونياً.»
بعد ساعتين، كان المحامي «أستاذ مجدي» قاعد جنبي في الأوضة، ومعاه يونس اللي خرج من الدولاب وسجّل أقواله ونزل مع المحامي عشان يفرغوا الفيديوهات في النيابة. أستاذ مجدي قال لي جملة واحدة: «الشركة قانوناً تحت حمايتك، وبكرة اجتماعات مجلس الإدارة هتبقى مصيدة عمرهم.»
جه يوم الاجتماع في مقر شركة «البركة للمستلزمات الطبية» في التجمع الخامس.
سامح كان قاعد في صدر ترابيزة الاجتماعات، لابس بدلة جديدة وراسم وش الحزن والأسي، وفادية قاعدة جنبه بتفرق أوراق التنازل المزورة على أعضاء مجلس الإدارة.
«للأسف يا جماعة،» سامح قالها وهو بينزل دموع التماسيح: «نسرين حالتها جرحة جداً، الدكتور أقر إن عندها تلف في خلايا المخ ومش مجمعة أي حاجة، وعشان الشركة ما تقفش والموظفين بيوتهم ما تتخربش، أنا هضر استلم إدارة الأسهم بناءً على التفويض ده.»
فجأة، الباب الاتفتح بقوة.
دخلت أنا.. ماشية على رجليا، ساندة بصعوبة بسيطة على عصاية، بس رفعة رأسي وباصة في عينيه بثبات.
ورايا دخل أستاذ مجدي، ومعاه ظابط شرطة وتلاتة أمناء شرطة بالزي الرسمي.
القاعة كلها اتكهربت والأعضاء وقفوا على حيلهم.
سامح وشه اتقلب أصفر زي الليمونة، وفادية الشنطة وقعت من إيدها والأوراق اتطارت على الأرض.
«نسرين؟! إنتي… إنتي بتعملي إيه هنا؟ إنتي مش واعية!» سامح قالها وصوته بيلعثم.
«أنا واعية أوي يا سامح،» قلتها وأنا بقرب من الترابيزة وبحط التقرير الطبي المعتمد قدام رئيس مجلس الإدارة. «أنا واعية لدرجة إني فاكرة كل تفصيلة في جراج العمارة الساعة 5:14 الصبح وأنت بتنزل تحت عربيتي وتقص الفرامل.»
فادية صرخت: «إنتي بتتبلي على ابني! إنتي اتجننتي بعد الحادثة!»
أستاذ مجدي شغل شاشة العرض الملحقة بالقاعة ووصل بيها فلاشة.
على الشاشة الكبيرة، ظهر فيديو كاميرة العربية بدقة عالية. سامح وهو بيوطي وشغال بالمقص، ووشه باين وواضح جداً تحت إضاءة الجراج. وبعديها اشتغل التسجيل الصوتي المسبق.
صوت فادية يرن في السبيكر: «هي طارت ولا لسة؟»
وصوت سامح: «كلمونا لو ماتت.»
الصمت ساد القاعة، وأعضاء مجلس الإدارة كانوا باصين لسامح بقرف وذهول غير طبيعي.
الظابط قرب من سامح وقيد إيديه بالكلبشات: «أستاذ سامح، أنت مقبوض عليك بتهمة الشروع في ق/تل زوجتك مع سبق الإصرار والترصد، والتزوير في أوراق رسمية.»
سامح بدأ يصرخ ويهدد وهو بيتسحب لبرة: «دي شركتي! أنا اللي بنيت المكان ده! مش هسيبهولك!»
والظابط التفت لفادية: «وأنتي متهمة بالاشتراك والمساعدة في ج/ريمة قت/ل وتزوير، اتفضلي معانا.»
فادية قعدت تصرخ وتصوت في طرقة الشركة والناس كلها بتتفرج عليهم وهم مكلبشين وداخلين بوكس الشرطة قدام مبنى الشركة في التجمع.
بعد ست شهور…
سامح أخد حكم بالسجن المشدد 15 سنة بتهمة الشروع في الق/تل والتزوير، وفادية أخدت 7 سنين مشاركة في الجر/يمة.
أنا رجعت كرسي إدارتي في شركة «البركة»، وعينت «يونس» مدير قسم اللوجستيات والنقل في الشركة بمكافأة كبيرة وراتب محترم جداً يستاهله شهامته وأمانته.
وأنا قاعدة في مكتبي وبطل من الشباك، افتكرت اللحظة اللي كنت محشورة فيها جوة العربية تحت المنحدر…
سامح وفادية افتكروا إنهم بيموتوني عشان ياخدوا شقايا، بس الحقيقة إنهم حفروا بئر نهايتهم بإيديهم.