ادي واحد لاخوكي حصري لصفحة روايات رولا

حصري لصفحة روايات رولا
الفصل الأول: صدى الصراخ في ليلة سبوع التوأم
​أول مرة سمعت فيها صراخ العيال التلاتة مع بعض في نفس اللحظة وفي صوت واحد، مش قادرة أقول إن الهلع تملكني.. بالعكس، أنا كنت هضحك من كتر الزحمة!
​رامي، جوزي، كان واقف جنبي في الريسبشن في شقتنا في التجمع الخامس، الشمس كانت مالية المكان، وهو رايح جاي بيهز واحد منهم بالعافية عشان يسكت، واثنين من أقرب أصحابنا واقفين حوالينا بيمدوا إيديهم يحاولوا يساعدوا بلهفة وارتباك. البيت كان أدفى، وأكركب، وصوته أعلى بكتير من أي وقت عدى علينا في الست سنين اللي عشناهم هنا. أكياس الهدايا الملونة مالية سفيرة الصالون، وبلالين الهيليوم الفضية طايرة في السقف فوق الشباك الكبير، وترابيزة المطبخ مليانة أكل وحلويات تكفي جيش صغير.
​كان المفروض تكون لمة صغيرة وبسيطة.. مفيش أي مظاهر بهرجة. مجرد عدد قليل جداً من الناس اللي أنا ورامي بنثق فيهم عمياء، اتجمعوا عشان نحتفل بالأرواح التلاتة الصغار اللي قلبوا دنيتنا وأسلوب حياتنا رأسًا على عقب.
​كنت قاعدة في زاوية الركنة الكبيرة، شايلة واحد منهم وضمّاه لصدري وهو ملفوف بالفوتة بتاعته، لما رامي قرب ووطى عليا. حواجبه كانت ملمومة شوية بقلق. “أنتِ كويسة يا أسماء؟” قالها بصوت واطي ومكتوم من تحت صوت هيصة أصحابنا.
​هزيت رأسي بشكل أوتوماتيكي يعني “أه”. بس بعدين، عملت الغلطة وبصيت لتحت. إيد صغيرة، رقيقة أوي، خرجت من اللفة وقبضت على صباعي الصغير بقوة مش متوقعة بالنسبة لحجمها.
​لسبب مش مفهوم، صباع ابني ده كان المطب اللي وقعني. مش الديكورات، ولا التهاني، ولا حتى كثرة التعب اللي شفته لحد ما وصلنا البيت. كانت لمسة الإيد الصغيرة دي اللي رافضة تسيب إيدي. زوري اتقفل، وحسيت بنغزة وسخونية ورا عيني قبل ما ألحق أداريها.
​رامي لاحظ التغير في حركتي في ثانية. أخد الولد اللي كان شايله وإداه لصاحبنا، وقعد جنبي على الكنبة، وحط إيده الكبيرة الداافية فوق إيدي.
​”في ايه يا أسماء؟” زمجر بصوت حنين.
​بصيت بعيني في كل أركان الأودية.. شفت الابتسامات الصادقة بتاعة العيلة اللي إحنا اخترناها بأرواحنا، وبعدين بصيت تاني بالتتابع على التلات سراير الشفافة المترصين جنب الشباك زي الحراس الصغيرين.
​”هم في أمان..” قلتها بصوت طالع بالعافية، كأن الكلمة طعمها طالع مر في بوقي.
​رامي مقالش كلام مجاملة مالوش لازمة.. هو بس ضغط على إيدي أكتر. كان عارف كويس الشبح اللي أنا بأحاربه في عقلي دلوقتي.
​من أسابيع قليلة بس، كنت محبوسة في سرير مستشفى أبيض وبارد، وكنت فاكرة بسذاجة إن أغبى وأصعب فصل في حملي الخطر ده انتهى خلاص. كنت عديت شهور من التعب الجسدي اللي يهد الحيل، ودخلت في ولادة طارئة وجوزي محبوس في دولة تانية برة مصر، وبمعجزة اتولدت التلاتة وبصحة جيدة. كنت فاكرة إن الحرب خلصت..
​مكنتش متخيلة ولا ييجي في بالي إن أهلي اللي من دمي هيتحركوا ويدخلوا الأوضة دي عشان يقرروا بكل بساطة وبدم بارد إن واحد من عيالي المولودين حديثاً بقى ملكهم هم، كأنه جائزة ترضية!
​وأنا قاعدة هناك، وإيد ابني ماسكة في صباعي، ذكريات الخيانة دي هجمت عليا زي المية التلج.
​قبل ما الكابوس ده يبدأ، حياتي مع رامي كانت هادية وبسيطة جداً. أنا اسمي أسماء. عندي تلاتة وتلاتين سنة، وكنت بنيت حياة مستقرة وبعيدة عن القيل والقال في التجمع. رامي كان خسر أبوه وأمه في حادثة عربية بشعة قبل ما نتعرف بسنين، وهي الحادثة اللي شكلت شخصيته وخليته راجل بيحمي الناس اللي بيحبهم بشراسة وهدوء يرهب. كان من نوعية الرجالة اللي بيحسوا بتعبي قبل ما أنا أشتكي، راجل عمره ما حسسني إن حبه ليا حاجة لازم أشتغل واعمل مجهود عشان أستحقها.
​عيلتي أنا بقى.. كانت ماشية بعملة تانية خالص.
​أبويا، صلاح، كان هو مركز المجرة في العيلة، لمجرد إنه كان بيفترض ويفرض ده. لو صلاح رايق، البيت هادي وسالم. لو متضايق، كلنا بنمشي على بيض مكسور، وبنحاسب على أنفاسنا عشان نرضي مزاجه. أمي، ماجدة، كانت المصلحة الاجتماعية بتاعته، قضت عقود بتلغي شخصيتها ووجودها لمجرد إنها تعدي اليوم، وقررت من بدري إن التنازل لأبويا أسهل بكتير من إنها تقف قصاد استبداده.
​وبعدين ييجي أخويا الصغير، أحمد. أحمد ده كان بئر ملوش قاع من الفرص التانية، الابن المدلل اللي كل أخطاءه وفشله المستمر بيغطى عليه بنهر مالوش نهاية من أعذار أمي وأبويا. ولما اتجوز ونوسة، الوضع بقى أسوأ وأسوأ. أحمد ونوسة قضوا سنين في صراع مرير وموجع مع أطباء ومراكز الحقن المجهري. أنا كنت زعلانة عشانهم من قلبي بجد، بس مع مرور السنين، حزن ونوسة ده تحول لغل وحقد مسموم ناحية أي حد عنده اللي هي مش عارفة توصل له.
​أنا كنت تقبلت من زمان إن عيلتي مش هتبقى الحضن الدافئ اللي بتمنى أروح له، وكنت مخلية بيني وبينهم مسافة أمان.
​لحد ما اكتشفت إني حامل.
​لما وريت لرامي اختبار الحمل الإيجابي، حضنني بقوة كادت تكسر ضلوعي، وبقينا نضحك زي المجانين من الصدمة والفرحة. ولحظة ساذجة وطائشة، سمحت لنفسي أصدق إن الطفل ده ممكن يبقى الجسر اللي يصلح اللي بيني وبين أهلي.
​بس بعد أسابيع، دكتورة السونار كانت باصة للشاشة، وإيدها اتجمدت على بطني. السكوت في العيادة كان يقطع النفس.
​”في حاجة مش كويسة يا دكتورة؟” تمتمت بصوت برعش، ونبض قلبي كان بيضرب في ودني.
​الدكتورة لفّت الشاشة ناحيتنا. مكنش طفل واحد.. ولا كانوا اتنين..
​إحنا كنا حامل في تلاتة!
​لما نقلت الخبر لأهلي في مكالمة جماعية، رد فعلهم كان بارد بشكل يرعب. أمي قالت مبروك برسمية. أبويا ههمهم بصوته كأنه بيوافق بالعافية. بس ونوسة هي اللي رمت القنبلة.
​”والله كويس,” قالتها بصوت ينقط سم وحقد جاف. “في ناس بياخدوا كل حاجة، وناس ملهمش حاجة.”
​الخط سكت تماماً. كان المفروض أفهم السم ده من ساعتها، وكان المفروض أبني سد بيني وبينهم من اللحظة دي. بس أعمل ايه.. ترددي وصبري عليهم كان هيضيع مني كل حاجة.
​الفصل الثاني: الشارع الفاضي
​حقيقة حملي في توأم ثلاثي حولت جسمي لساحة معركة بسرعة الصاروخ. كل أسبوع يعدي كان إنجاز وبطولة. رامي كان واقف جنبي بروح قتالية، جمع التلات سراير، كدس جبال من الحفاضات في الأوضة، وشال عني كل شغلة في البيت.
​بس تحت كل التجهيزات دي، كان في خوف بارد نايم في بطني. المخاطر الطبية كانت عالية جداً.
​وبعدين، قبل ما أدخل الشهر التامن بتلات أيام بالظبط، الدنيا اتقلبت. رامي دخل من باب الشقة ووشه أصفر زي الليمونة من القلق. الشركة بتاعته كانت بتجبره يسافر أوروبا فوراً عشان اجتماع صفقة استحواذ كبيرة. مكنش طلباً.. ده كان أمر من الإدارة.
​”أنا هقولهم لا,” قالها وهو رايح جاي في المطبخ. “مش فارق معايا اللي يحصل في الشغل، أنا مش هسيبك وأمشي.”
​”إحنا وصلنا لحد هنا من غير أي مشاكل,” قلتله وأنا بدلك ظهري اللي كان بيتقطع من الألم. “هي كلها كام يوم. لو حسيت بأي نغزة حتى، هكلم أهلي. هم ساكنين على بعد نص ساعة مني.”
​أخدت ساعات عشان أقنعه، بس في الآخر لم شنطته، باس دماغي، وخلاني أحلف بأسعد أيام حياتنا إني أكلمه فوراً لو حسيت بأي حاجة غريبة.
​أول 48 ساعة عدوا ببطء قاتل، بس كانوا هاديين. كنت عايشة على الكنبة، بأعد الركلات وبأبص في الساعة.
​ولما جاب الساعة 2 بعد نص الليل في اليوم التالت، صحيت على ألم حاد كأن حزام من حديد مصدي بيتلف ويتربط على بطني من تحت. اتقطعت انفاسي وأنا ماسكة في ملاية السرير بتمنى الوجع يخف. بعد عشر دقايق، ضربني تاني، كان أشد وأعمق.
​الرعب، بارد وحاد، جرى في عروقي. أنا لوحدي في الشقة، في الشهر التامن، حامل في تلاتة، وجايلي طلق ولادة مبكرة.
​إيدي كانت بترتعش بانهيار وأنا بفتح التليفون. مكلمتش رامي.. رامي كان طااير فوق المحيط الأطلسي ومفهوش في إيده أي حاجة يعملها. كلمت أمي.
​ردت في الرنة الخامسة، وصوتها تقيل بالنوم. “أسماء؟ أنتِ عارفة الساعة كام؟”
​”ماما,” صرخت وأنا بتني جسمي ونغزة ثانية بتمزعني. “أنا بولد.. الوجع ورا بعضه.. رامي لسة مجمش من السفر.. عايزة بابا وأنتِ تيجوا تاخدوني دلوقتي.. بسرعة!”
​السكوت على الخط كان تقيل ومقرف.
​”أسماء، أنتِ متأكدة إنك مش بتهولي كالعادة؟” اتنهدت، ونبرة الاستخفاف في صوتها كانت زي القلم على وشي. “إحنا في نص الليل!”
​”أنا حامل في تلاتة يا ماما!” صرخت، وكل الأدب واللياقة اتطيروا من عقلي. “أنا مش هعرف أسوق! أرجوكم تعالوا خذوني!”
​سمعت زعيق مكتوم في الخلفية. وبعد ثواني، جه صوت أبويا، جهوري، متضايق، ومش صبور.
​”أنتِ عايزانا نعملك ايه بالظبط يا أسماء؟” صلاح سأل بنبرة خالية تماماً من أي رحمة.
​”بابا,” بكيت وأنا ماسكة في رخامة المطبخ عشان مأقعش. “أنا محتاجة أروح الطوارئ حالا!”
​”يبقى اطلبي الإسعاف,” قالها بمنتهى البرود. “المطرة شغالة برة، وإحنا مش هننزل في نص الليل نعدي القاهرة عشان أنتِ معرفتيش تتصرفي وتظبطي أمورك مع جوزك. اتصرفي مع نفسك.”
​تكة.
​قفل السكة في وشي.
​وقفت في نور المطبخ الضعيف، ورعب بدائي يخنقني بيملا صدري. أنا قضيت عمري كله بأدور لهم على أعذار لقسوتهم، بس دي مكنتش قسوة.. دي كانت تخلي وبرود. هم كانوا مستعدين يسيبوني أنا وعيالهم اللي لسة متولدوش نموت لمجرد إن المطرة هتعطلهم أو تضايقهم!
​ضربتني طفرة وجع تانية، نزلتني على ركبي على بلاط المطبخ الساقع. سحبت نفسي للتليفون وطلبت 123 الإسعاف.
​الساعة اللي بعد كده كانت عبارة عن ضباب من الأنوار الحمراء، والمسعفين، والعربية اللي بتهتز بيا في الطريق. ولما كانوا بيشيلوني على النقالة يدخلوني العربية، لفيت رأسي وبصيت على الشارع.. كان في جزء غبي وسادج في عقلي بيتمنى يشوف إضاءة عربية أبويا داخلة الشارع.
​الشارع كان فاضي ومظلم.
​استعرت تليفون المسعف وكلمت رامي. لما سمع الرعب في صوتي، قناع الراجل الرزين اللي بيمسك أعصابه اتكسر. “مش مهم الطيران ولا الزفت!” صرخ في التليفون. “أنا هأأجر طيارة خاصة لو اضطريت! امسكي نفسك يا أسماء.. متخليهمش يدخلوكي العمليات من غيري!”
​بس الوقت كان سبقتنا. العيال كانت نازلة خلاص، وأبواب المستشفى اتفتحت عشان تبلعني. أنا كنت داخلة أوضة العمليات لوحدي تماماً.
​الفصل الثالث: الغربان تتجمع
​أوضة العمليات كانت عبارة عن مسرح مرعب من الاستانلس والنور الأبيض الصاطع. وبما إني حامل في توأم وثلاثي والولادة مبكرة، الولادة الطبيعية كانت مستحيلة. دكتور التخدير اتصرف بسرعة، وفي خلال دقايق، كنت متخدرة من صدري لتحت، بصة لستارة العمليات الزرقا، وجسمي بيرتعش بشكل هيستيري من الأدرينالين والبرد.
​غمضت عيني وتخيلت رامي، وادعيت ربنا إنه يكون في الطيارة دلوقتي.
​وبعدين، سمعته.. صوت صرخة رفيعة، غاضبة، بتشق السكوت المعقم بتاع الأوضة.
​أنفاسي اتجمعت.. وبعدها بثواني، صرخة تانية اتضمت للغنا. وبعدين، التالتة.
​”تلات صرخات زي الفل!” دكتورة النسا أعلنت من ورا الستارة، وعينيها بتضحك من ورا الماسك. “مبروك يا مدام.. عملتيها!”
​الدموع نزلت على خدودي، واتجمعت في ودني. الحمل التقيل بتاع التمان شهور اللي فاتوا اتأبخر في ثانية. صح هم اتولدوا بدري، وصح هيدخلوا الحضّانة شوية، بس بيتنفسوا.. عايشين!
​بعد ساعات، وأنا في أوضة الإفاقة اللي ريحتها بتول وقطن، تليفوني اهتز. كان رامي. أول ما وشه ظهر على الشاشة، وشكله مجهد ومرعوب في صالة المطار برة مصر، أنا انهارت.
​”وصلوا يا رامي,” بكيت وأنا ماسكة التليفون بإيد بترتعش. “التلاتة وصلوا بالسلامة.”
​رامي حط إيده على بوقه، وكتفه كان بيتهز من كتر الراحة اللي نزلت عليه. “أنا مكنتش جنبك.. أنا آسف يا أسماء.. أنا طالع الطيارة دلوقتي.. أنا جاي لك فوراً.”
​بعد ما قفلنا، فكرة خبيثة وسادجة دخلت عقلي. رغم الخيانة اللي ملهاش غفران بتاعة إمبارح، كان في جزء عبط فيا فاكر إن وصول الأطفال ممكن يمسح الصبورة. أصل اكيد لما يسمعوا إن أحفادهم التلاتة نجوا من الولادة الصعبة دي، هيتكسفوا على دمهم ويعرفوا هم تصرفوا بإجرام قد ايه.
​مسكت التليفون وكلمت أمي.
​”ماما,” قلتها بصوت بحاح. “العيال اتولدوا.”
​نبرة صوتها اتغيرت في ثانية. “التلاتة عايشين؟”
​”أه,” قلتها وأنا بتجاهل صيغة سؤالها الغريبة. “هم في الحضّانة.. وكويسين.”
​”إحنا جايين في الطريق,” قالتها بسرعة. “وأحمد ونوسة جايين معانا.”
​حسيت ببارقة أمل راجعة. يمكن دي اللحظة اللي تتصلح فيها الأمور.. يمكن لما يبقوا عم وعمة، قلب ونوسة يلين ومرارتها تخف.. يمكن أبويا يظهر منه أي نبرة حنية.
​من كتر ما كنت عطشانة لعيلة، مكنتش فاهمة إني لسة داعية قطيع من الدياب الجعانة يدخلوا عليا الأوضة.
​لما وصلوا على بليل، كنت عبارة عن خيال مآتة من التعب. جسمي بيتقطع من جرح القيصرية، والمسكنات مخلية زوايا الأودية مكسرة ومغلوشة. لما باب الأوضة الخشب التقيل اتفتح، أجبرت نفسي أبتسم ابتسامة مجهدة.
​أمي ماجدة دخلت الأولى، ماسكة شنطتها الدفاعية قصاد بطنها. أبويا صلاح دخل وراها، جسمه مفرود وقاسي. وأخيراً أحمد ونوسة تسللوا للأوضة، وعيونهم بتلف في المكان بقلق.
​”حاسة بإيه دلوقتي؟” أمي سألت، بس عينيها كانت رايحة ناحية التلات سراير الشفافة اللي الممرضات جابوهم الأوضة مؤقتاً عشان الرضاعة.
​”تعبانة,” اعترفت وأنا بتحرك بالعافية على المخدة.
​ونوسة حتى مابصلتيش. مشيت طوالي وعدت سريري ووقفت فوق سراير الأطفال، بصة للوجوه الصغيرة النايمة بتعبير مكنتش عارفة أفك شفرته. مكنش فرحة.. كان شكل جوع وحسابات وتقييم.
​أبويا صلاح سحب الكرسي الجلد اللي جنب السرير وقعد عليه بتقل، وصالب دراعاته.
​”ايه بقى؟” أبويا بدأ، وصوته خالي تماماً من أي نبرة حنية بتاعت جدود. “ناوية تتصرفي إزاي وتفتحي بيت لـ تلات عيال مرة واحدة؟”
​أجبرت نفسي على ضحكة خفيفة. “يعني.. بالقهوة وقلة النوم.”
​محدش ضحك. السكوت في الأوضة فجأة بقى تقيل، ومخنوق، ومحمل بنوايا مش معلنة. صلاح بص لأحمد بصلة ملغومة، وأحمد حط إيده في جيبه بقلة حيلة وبص في الأرض.
​شكة أدرينالين باردة ضربت في جسمي وقطعت تأثير المسكن. في حاجة غلط.. في حاجة بشعة بتحصل.
​”في ايه؟” سألت، وصوته نزل درجة.
​أبويا مال لقدام، وحط كوعيه على ركبه. “أنتِ عارفة العذاب اللي أخوكي ونوسة شافوه في مراكز الحقن المجهري والمستشفيات. عارفة هم نفسهم في طفل قد ايه.”
​بطني اتعصرت. أنا كنت عارفة المحادثة دي رايحة فين مشاعرياً، بس عقلي كان رافض تماماً يستوعب البشاعة اللوجستية للشيء اللي هو بيلمح له.
​”أنتِ عندك تلات عيال دلوقتي يا أسماء,” صلاح قالها، ونبرته كانت عادية جداً كأنه بيتكلم عن محصول طماطم زيادة في الجنينة. “وأخوكي معندوش ولا واحد. ده مش عدل. إحنا اتكلمنا، وشايفين إنك المفروض تسيبوا واحد من التلاتة لأحمد ونوسة يربوه ويكتبوه باسمهم.”
​الفصل الرابع: دية الدم واللحم
​فضلت باصة له. صوت التكييف بتاع المستشفى بقى طنين مرعب في ودني. طلعت مني ضحكة قصيرة ومقطوعة، لأن العقل البشري بياخد وقت عشان يستوعب الجنون المطلق.
​”نعم؟” تمتمت.
​ونوسة أخيراً شالت عينيها من على السراير وبصتلي. نظرتها كانت خالية تماماً من أي رحمة. “إحنا هنوفر له أحسن حياة يا أسماء. الأوضة جاهزة، وأنتِ حتى مش هتشيلي هم المصاريف البشعة بتاعت تلاتة مرة واحدة.”
​”الولاد عندهم بيت خلاص,” رديت، وصوتي بدأ يترعش بخلطة من الرعب والغضب الساطع.
​أحمد قرب خطوة، وأخد دور الدبلوماسي العاقل: “بصي يا أسماء، محدش بيقول إنك أم مش كويسة. إحنا بس شايفين إن ده التصرف الصح عشان العيلة تكتمل.”
​”العيلة؟” زمجرت، وأنا ماسكة في ملاية المستشفى لحد ما عقل إيدي بيضت. لفيت رأسي لأمي. ماجدة كانت باصة في بلاط الأرضية بثبات، رافضة تحط عينها في عيني. “أنتِ كنتِ عارفة بالفكرة دي يا ماما؟ أنتم متفقين على البشاعة دي قبل ما تدخلو عليا؟”
​”إحنا بس شايفين إنك محتاجة تفكري بعقل وتسمعيهم,” أمي تمتمت بضعف.
​المكعبات اتركبت في عقلي بعنف وحششي. رفضهم إنهم يجوا ياخدوني إمبارح بالليل.. لهفتهم إنهم يجوا المستشفى النهاردة.. هم مكنوش جايين يحتفلوا بنجاتي. هم كانوا جايين يلموا إتاوة! هم شافوا ولادتي الصعبة دي مجرد فرصة عشان ياخدوا عيل للابن المدلل بتاعهم.
​”اطلعوا برة,” صرخت، والمسكنات اتطيرت تماماً تحت حرارة غضب الأمومة. “كلكم.. اطلعوا برة الأوضة حالا!”
​وش أبويا اتغير وربّد. هو بيكره حد يقوله لا. “متبقيش عيلة زنخة! أنتِ حتى مفكرتيش في الأمور بشكل عملي! أنتِ عندك تلاتة.. واحد منهم يعتبر زيادة!”
​كلمة “زيادة” دي نزلت عليا زي التلج، حستني بالقرف والاشمئزاز.
​”دول ولادي!” صرخت، وأنا بأزق نفسي لفوق على ظهر السرير رغم الوجع البشع في جرح القيصرية. “دول مش بضاعة! دول مش جمِيلة بتوزعيها! أنا نايمة في سرير عمليات، وأنتم جايين تنهبوا ولادي عشان تصلحوا خيبة أحمد!”
​”لمي لسانك وانتِ بتتكلمي معايا!” صلاح بؤر وهو بيقوم وقف فجأة. ضله غطى السرير كله. “أنتِ طول عمرك أنانية!”
​”أنا أنانية؟” صرخت، ومش فارق معايا مين في الطابق سامعني. “أنتم سبتوني أموت لوحدي في الشقة إمبارح بالليل، وجايين النهاردة عايزين مكافأة على قذارتكم؟ مفيش عيل من عيالي هيخرج من الأوضة دي معاكم!”
​وش ونوسة اتلوى في تكشيرة بشعة. أخدت خطوة قاصدة ناحية السرير اللي فيه ابني الكبير.
​”إياكي تلمسيه,” حذرتها، وصوتي نزل لنبرة قتالة.
​ونوسة اترددت وبصت لأبويا. وفي اللحظة دي، صلاح أخد القرار اللي هيمحي عيلتنا من الجذور للأبد.
​”أنتِ هتعرفي بعدين إن ده الصح للكل,” صلاح تمتم.
​وقبل ما ألحق أستوعب حركته، عدى ونوسة، ومد إيده جوة السرير، وشال ابني المولود حديثاً بين إيديه!
​الزمن اتكسر. كل غريزة بدائية ودفاعية في حمضي النووي انفجرت في نفس اللحظة. العالم كله اتضيق وبقى عبارة عن اللفة اللي في إيده.
​”نزل ابني!” صرخت، وأنا بتجاهل الغرز اللي بتتقطع في بطني، ورميت جسمي لقدام محاولة أوصل له بأعلى درجات الفزع.
​صلاح لف بجسمه بعيد عني، بيستعد عشان يدي الولد لونوسة. وأحمد اتحرك عشان يسد طريقي ويمنعني أطولهم.
​”هات ابني دلوقتي!” صرخت، وإيدي مسكت بغل في دراع أبويا.
​أبويا لف رأسه، وعينيه مولعة بغضب الراجل اللي مش متعود إن حد يعصاله أمر. ومن غير ما يفكر لثانية، نتر دراعه بقوة، ورفع إيده التانية، وضضربني بالقلم بكل قوته على وشي!
​صوت الضربة المكتوم رن في الأوضة المعقمة. رأسي اتلوت للجنب، وعيني شافت شرار أبيض. وقعت لورا على المخدات، مشدوهة ومصدومة من الضربة الجسدية.
​بس بعدين.. الطفل اللي في إيديه بدأ يصرخ برعب.
​الصوت ده صحى عقلي من الصدمة في ثانية. مصرختش.. معيطتش. عيني راحت فوراً للجهاز الرمادي اللي متعلق في جوانب السرير. ضربت بقبضتي على زرار الطوارئ الأحمر، وفضلت دايسة عليه بتقل جسمي كله.
​غرور صلاح اتهز. “أنتِ بتعملي ايه؟”
​”أحمد، يلا نمشي!” ونوسة صرخت، وشجاعتها المزيفة اتبخرت أول ما صوت الإنذار ضرب في الطابق كله.
​”كان لازم تعملي الشو ده يا أسماء؟” أمي بدأت تشتكي وهي ماسكة سلسلتها بقلة حيلة.
​بصيت لأمي، وهدوء ميت وبارد غسلني من جوة. “أنا هوديه في داهية.”
​خطوات تقيلة كانت بتجري في الممر. صلاح، لما استوعب الكارثة القانونية اللي دخل فيها، حط الولد اللي بيصرخ بسرعة في السرير أول ما الباب اتفتح بعنف.
​اتنين ممرضات وظابط أمن المستشفى اقتحموا الأوضة.
​أحمد، ولأنه جبان طول عمره، اتسلل من الباب وجري في الممر قبل ما حد يمسكه.
​”في ايه اللي بيحصل هنا؟” الممرضة الكبيرة سألت وهي بتهجم على السرير عشان تشوف المؤشرات الحيوية بتاعتي.
​قعدت مفرودة، وأنا بتجاهل السخونية اللي بياكل خدّي، وشاورت بصباع بيترعش وبكل قوة على أبويا.
​”الراجل ده,” قلتها وصوتي يرن بوضوح مطلق، “كان بيحاول يخطف ابني المولود. ولما منعته، ضربني بالقلم. اطلبوا الشرطة حالا!”
​الفصل الخامس: قطع العروق
​الجو في الأوضة اتغير من توتر مشحون لحركة سريعة في ثواني. ظابط الأمن وقف فوراً بين أبويا وبين سراير الأطفال، وحط إيده بثبات على جهاز اللاسلكي بتاعه.
​”دي سوء فهم عبيط!” صلاح زعق وهو بينفخ صدره عشان يرعب الظابط. “أنا أبوها! إحنا بنتناقش في مسألة عائلية وهي هيستيرية!”
​”هو ضربني,” كررتها، وأنا حاطة عيني في عين الظابط، ولفيت رأسي عمداً عشان يشوف أثر الضربة الأحمر اللي بدأ يزرق على عظمة خدي. “هو حاول يدي ابني لمرات أخويا بالعافية ومن غير موافقتي. أنا عايزة أطردهم من هنا، وعايزة أعمل محضر رسميا.”
​أمي ماجدة دخلت في نوبة بكاء تمثيلي. ونوسة كانت واقفة متجمدة في الزاوية، ووشها أبيض زي الملاية بعد ما إحساس الاستحقاق اتبخر قصاد الواقع.
​في خلال عشر دقايق، اتنين من أمناء شرطة قسم التجمع الخامس كانوا واقفين في الأوضة. مكنش فارق معاهم الهيكل العائلي بتاع عيلة صلاح. مكنش فارق معاهم إن صلاح متعود على الطاعة. كان فارق معاهم أثر الضربة الواضح على وشي، وشهادة الممرضات اللي شافوا صلاح وهو بيبعد عن السرير والولد بيصرخ.
​حكيت الكابوس كله ببرود ودقة طبية. حكيت عن طلبهم المسبق للطفل، والمشادة، والقلم. ونوسة حاولت تتدخل وتقول إني فهمت “عرض المساعدة” غلط، بس لما الظابط سألها مباشرة ليه مابعدتش لما الأم رفضت، ملقيتش كلمة واحدة تقولها.
​صلاح اتسحب برة الأوضة والكلابشات في إيديه، وشتائمه الغاضبة كانت بترن في الممر. أمي ونوسة اتحفظ عليهم للتحقيق في مشاركتهم. أنا أجبرت إدارة المستشفى تحط منع دائم وغير قابل للإلغاء لأي حد من عيلتي، وأسمائهم اتسجلت في أجهزة الأمن عند كل بوابة.
​لما الأوضة فضيت أخيراً، ومفاضلش غير ممرضة حنينة بتمسح على جرحي، مسكت التليفون.
​رامي رد من أول رنة، وصوت خطواته السريعة باينة في صالة المطار. “أسماء! في ايه؟ نبضك ماله؟”
​بلعت الغصة اللي في زوري. “أهلي جوم المستشفى.”
​سمعت انفاسه اتطيرت. “وبعدين؟”
​”كانوا عايزين ياخدوا طفل من الولاد يا رامي.. وبابا ضربني بالقلم.”
​السكوت على الناحية التانية كان مطلق، ومرعب، وخطير جداً. لما رامي اتكلم أخيراً، صوته كان خالي من أي مشاعر لدرجة جابتلي قشعريرة.
​”أنا طالع الطيارة دلوقتي,” قالها بصوت واطي ومكتوم. “أنا عندك كمان تسع ساعات.. وحياة أولادنا يا أسماء، محدش منهم هيتنفس نفس الهوا اللي بتتنفيسه أنتِ وعيالنا تاني.”
​الحساب القانوني كان سريع وقاسي. غرور أبويا اصطدم بقوة مبيقدرش يرعبها. ولأني رفضت أتنازل عن المحضر، ولأن المستشفى وثقت الاعتداء الجسدي، صلاح اتوجهت له تهمة اعتداء وشروع في خطف. أحمد تم القبض عليه وهو بيحاول يهرب برة القاهرة، واتوجهت له تهمة التستر والمشاركة.
​أيام المحاكمة كانت عبارة عن كابوس مجهد، بس رامي كان واقف جنبي زي السد العالي في كل جلسة. إحنا مكنش هدفنا الانتقام؛ إحنا بس سلمنا الحقيقة للقضاء وسبنا العدالة تفرمهم.
​أبويا أخد أقصى عقوبة، وهي الحقيقة اللي كسرست الأوهام الضعيفة بتاعت أمي. بس الحكم الأهم مكنش من القاضي.. كان الحكم اللي أنا أصدرته بنفسي.
​أنا قطعت شجرة العيلة دي تماماً. عملت لهم بلوك في كل حتة، ورجعت الجوابات الحقيرة بتاعتهم من غير ما أفتحها، ونقلنا حياتنا لكومبوند مقفول. رفضت إن عيالي يورثوا السم بتاع عيلة صلاح.
​الخاتمة: تصفية الحسابات
​واللي رجعني للموقف الحالي، وأنا قاعدة على طرف الركنة في الصالون، وبأمسح أشباح الماضي من عقلي.
​رامي ضغط على إيدي، ورجعني لدفء صالوننا، للبلالين وضحك الأصحاب اللي استحقوا لقب “العيلة” بجد.
​”هم في أمان,” رامي كررها، وهو بيبتسم ابتسامة حنينة ومطمنة.
​”عارفة,” اتنهدت، وأنا حاسة بالتقل الخيالي بيتشال من على صدري أخيراً.
​بصيت لتحت للإيد الصغيرة الحلوة اللي لسة ماسكة في صباعي بقوة. لأسابيع، سبت نفسي أزعل على العيلة اللي كنت فاكرة إن المفروض تكون عندي. حزنت على الجدود اللي عيالي مش هيعرفوهم، وعلى الأعياد والمناسبات اللي مش هنجمع فيها.
​بس وأنا بأبص حواليا في الأوضة، استوعبت إن أبويا متسرقش مني عيلتي.. هو بس أجبرني أعيد تعريف يعني ايه “عيلة”.
​رامي قام ورفق بطفلنا الأولاني من السرير، وضمه لصدره. “يا جماعة,” أعلن بصوت عالي غطى على الهيصة. “إحنا شوّقناكم كتير.”
​مديت إيدي وشلت الولد التاني، واستنشقت ريحة بوبشرته المسكرة والنظيفة، قبل ما أهز رأسي ناحية السرير الأخير. صاحبتنا أدتني بنتنا بحرص.
​”ده مالك,” قلتها وأنا ببوس خد ابني.
​”وده ياسين,” رامي قالها بوش منور.
​بصيت لتحت للبنت الصغيرة اللي إيدها لسة ماسكة في قميصي بشراسة. “ودي,” ابتسمت، وفرحة حقيقية وساطعة شقت الضلمة أخيراً، “دي فريدة.”
​الأوضة اتملت بالصقف والدموع الفرحانة. بصيت لـ مالك، وياسين، وفريدة، وبعدين بصيت للراجل اللي طار نص العالم عشان يحمينا.
​لمدة تلاتة وتلاتين سنة، كنت فاكرة إن العيلة هي حاجة لازم تنزفي عشانها، حاجة لازم تستحملي إهانتها مهما فضّتك من جوة. أنا مأبقتش أصدق ده خلاص. العيلة مش بالدم ولا بالواجب المزيف.
​العيلة هي الراجل اللي يسيب كل حاجة ويقطع المحيطات عشانك. العيلة هم الناس اللي بيملوا بيتك ضحك لما تكوني مش قادرة تقفي على رجلك. والعيلة هم تلات إيدين صغيرين، ماسكين فيكي بشراسة، بيفكروكي إن ساعات.. حرق شجرة العيلة المسمومة هو الطريق الوحيد عشان جذورك أنتِ تعرف تكبر وتعيش.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *