أحمدي ربنا ج 2 حصري لصفحة روايات رولا
عدى الأوضة ومسك كتافي، وشدني لصدره. “من غيركم أنتوا الأربعة،” اتنفس في شعري، “الفيلا الكبيرة دي رجعت مقبرة تاني. أنتوا شغلي واسمي. مش المباني.”
في ظرف ساعة، نفوذ طارق بيه اتقلب المستشفى. دفع مصاريف التحاليل والأشعة من جيبه. وفعل صندوق طوارئ أطفال كان هو عامله من سنين — بس، ولأنه راجل بمبادئ ثابتة، أصر إن ليلى تاخد نفس الدور والإجراءات زي أي طفل تاني. مفيش رشوة. مفيش تجاوز أدوار. رعاية عادلة وممتازة بس.
خبر وجوده اتسرّب. عقبال ما دكاترة الجراحة يدخلوا ليلى عمليات، كتيبة صحفيين كانت محاصرة باب المستشفى، جعانين للقصة الجديدة من “الملياردير والخدامة”.
طارق بيه مخرجش من الباب الخلفي. مشي بثبات في الممر وطلع برة قدام فلاشات الكاميرات. وقفت وراه بمسافة، وقلبي في زوري.
”طارق بيه!” صحفي صرخ. “صحيح الست اللي اختلست من مؤسسة الشاذلي مستخبية جوة؟ أنت لسه متجوز الخدامة دي قانوناً؟”
طارق بيه قرب من الميكروفونات. الهوا كان فيه كهربا.
”أيوة،” قالها وصوته رن في الساحة، وسكت الكل في ثانية. “أميرة كانت شغالة خدامة من غير أجر عند عيلة عاملتها زي البهائم. أيوة، هي عايشة معايا. وأيوة، أنا متجوزها بفخر.”
همهمة مصدومة مشيت في الصحفيين.
”أنا عملت كده،” طارق بيه كمل وعينيه بتاكل الكاميرات، “لأني بصيت في صالة أكل وشفت ست عظيمة بتنضرب بالقلم، وتلات بنات صغار بيتعاملوا كأنهم مالهمش قيمة لمجرد إنهم اتولدوا بنات.”
السكون في الساحة بقى تام. كنت تسمع صوت المطر وهو بيخبط في الأسفلت.
”أمي أنا شخصياً،” طارق بيه قالها وصوته نزل، طالع من وجع قديم، “ماتت بعد سنين من الضرب والإهانة المستخبية. ماتت لأن ناس أغنيا وقويين اختاروا يحموا سمعة عيلة بدل ما يحموا ست بتنزف. أنا كان عندي عشر سنين لما لقيتها.”
صحفيين كتير نزلوا كاميراتهم، مشدودين للضعف والإنسانية اللي طالعة من الملياردير اللي محدش بيعرف يوصله.
”أنا حلفت على تربتها إن لو شفت القسوة دي تاني في حياتي، عمر ما هلف وشي. مش فارق معايا لو كلفتني كل قرش أملكه. الفضيحة يا حضرات مش إن مؤسستي بتساعد ستات معنفات. الفضيحة الحقيقية هي مجتمع بيمثل إن الضرب ده مش موجود ورا حيطان القصور.”
لف وبصلي بنظرة فيها إخلاص وصدق، ورجع دخل جوة.
الكلمتين دول مكانوش بس خبر في النشرة؛ دول هزوا البلد.
الفيديو انتشر زي النار في الهشيم. ملايين شافوه. على الصبح، آلاف الستات ابتدوا يشاركوا قصصهم مع العنف المالي والجسدي تحت هاشتاج #مش_هنلف_وشنا. موجة تبرعات كاسحة نزلت على ملاجئ الستات في كل حته. والشركات الرعاية، لما لقوا الرأي العام اتقلب، جاريوا يعتذروا ويضاعفوا دعمهم لمستشفيات طارق بيه.
وبعدها، السد اتكسر.
وهو بيتفرج على كلمة طارق بيه في التليفزيون في بار، مدحت كامل — المحاسب الجبان بتاع مؤسسة الشاذلي — استوعب إن الطاولة اتقلبت. وعرف إن عفاف هانم ناويت تلبسه قضية التزوير كلها لو الدنيا قربت منها.
قرر ينقذ نفسه.
الساعة تمانية الصبح، مدحت دخل مكتب النائب العام معاه محامي تقيل وعمل إقرار وتنازل.
سلم الهاردات المتشفرة اللي فيها الحسابات الحقيقية. وسلم إيميلات بتثبت التزوير الإلكتروني لتوقيعي. بس الجوهرة كانت تسجيل صوتي سرّي كان سجله جوة مكتب عفاف هانم.
في الشريط، صوت عفاف هانم كان واضح، مسموم، ومتكبر.
”افتح الحساب الأوفشور باسم أميرة يا مدحت. حول الأربعة مليون. لما التفتيش ييجي، نرميها للكلاب. البت الغلبانة دي معندهاش حيلة ولا فلوس. مش هتقدر تحاربنا. واه، اضمن إن بوليصة التأمين بتاعة حازم تنزل في حسابي الشخصي. العيال مش محتاجينها. ولو أميرة فتحت بؤها عن العلامات اللي في جسمها، هخلي المحكمة تاخد العيال منها. مفيش قاضي في البلد دي هيصدق خدامة ويسبني أنا.”
بيت الكروت اتهد بشكل مرعب.
في ظرف ساعات، القاضي مضى أوامر قبض تقيلة لعفاف هانم الشاذلي. التهم كانت ترعب: سرقة كبرى، انتحال شخصية، ضرب وإهانة، بلاغات كاذبة، وتآمر مالي. وغير كده، النيابة رفعت قضية خبير الخطوط لمحاولة قتل، وربطوا سواق النقل بشركة وهمية تابعة لواحد من أصحاب عفاف هانم.
على الضهر، وفي نفس اللحظة اللي الدكتور طلع فيها من العمليات يقولنا إن عملية قلب ليلى نجحت تماماً، الشرطة مسكت عفاف هانم في مطار القاهرة. كانت شايلة باسبور مزور وشنطة فيها سندات لحاملها، وبتناول تركب طيارة خاصة لبلد مفيهاش تسليم مجرمين.
أنا مازقفتش لما شفتها مقبوض عليها في تليفزيون المستشفى. محستش بانتصار. أنا بس هبطت على كرسي بلاستيك، فضيت من كل المشاعر غير الراحة.
رجليا خانتني. طارق بيه مسكني قبل ما أقع على الأرض. شدني في حضنه، وحط وشي في رقبته. فريدة ووجيدة جم يجروا، ولفوا إيديهم الصغيرة حوالين وسطنا.
وأحنا واقفين هناك تحت نور المستشفى الأبيض، وريحة الكحول والخوف، بقينا أخيراً وبحق عيلة.
المحاكمة اللي بعد كده كانت مسرح إعلامي استمر تمن شهور.
خبراء التزوير فككوا التوقيعات المزورة تماماً. التحقيقات المالية جابت سنين من التبرعات الخيرية اللي عفاف هانم سرقتها عشان تصرف على مظاهرها. طابور من الشغالات القدام، والجناينية، وحتى الدادة إحسان طلعوا للشهادة، وحكوا عن جحيم قصر الشاذلي.
العدالة كانت كاملة. المحكمة أمرت برجوع فلوس بوليصة تأمين حازم وتحويلها لصندوق حماية لفريدة، ووجيدة، وليلى. والتنازل المزود عن البيت أتلغى، والبيت رجعلي.
عفاف هانم الشاذلي اتكتمت في أربعة عشر قضية جنائية. القاضي، وهو بيكد على انعدام الندم عندها وبشاعة جرائمها، حكم عليها بخمسة وعشرين سنة سجن مشدد.
هي عمرها ما اعتذرت.
وهي الحراس واخدينها بالكلبشات، مجردة من الحرير ولابسة السجن الأزرق، وقفت في الممر، وبصتلي بعينها الباردة وقالت بقرف.
”أنتي دمرتي العيلة ودمرتي الاسم.”
وقفت، وأنا ماسكة إيد طارق بيه، وبصلتها بهدوء وثبات تام.
”لأ يا عفاف هانم،” رديت، وصوتي ثابت وواضح. “أنتي اتلخبطتي بين العيلة وبين شوية ممتلكات. بناتي متولدوش في الدنيا دي عشان يشيلوا اسمك الفاضي.” عصبت على إيد طارق بيه. “هما اتولدوا عشان يعيشوا أحرار منه تماماً.”