لو فكرتي تلمسي امي حصري لصفحة روايات رولا
حصري لصفحة روايات رولا
الجزء الأول
— لو فكرت تلمس أمي تاني، أقسم بالله ليكون حسابك أتقل منها بكثير — الكلام ده قالهولي كريم، وما لحقتش أستوعب إلا وإيده نازلة على وشي بقلم علم على خدي قدام عيلته كلها.
أنا كنت لسه بلبس الفرح.
من ثلاث ساعات بس كنا بننخب في قاعة فخمة في التجمع الخامس، تحت النور الأبيض والورد المتصمم مخصوص، و180 عزوم بيكرروا نفس الجملة: “شكلكم لايق على بعض أوي، كأنكم معزوفين لبعض”. أنا اسمي كاميليا النجار، عندي 31 سنة، ولحد الليلة دي كنت بقالي قريب من 3 سنين فاكرة إن كريم العطار شخص هادي، ابن ناس، ومختلف تماماً عن أبوه.
عيلتي عندها شركة كبيرة لتوريد مواد البناء. كريم كان شغال في شركة تطوير عقاري تابعة لأبوه، الحاج صفوت العطار. الشغل بيننا كان متداخل من سنين، بس أنا عمري ما دخلت في التفاصيل المالية ولا القرارات الكبيرة. بابا، حامد النجار، كان بيثق في صفوت ثقة أعمى لأنه بنى معاه مشاريع كثيرة وفتحوا بيوت مع بعض.
بعد الفرح، شوية من القرايب المقربين كملوا السهرة في شقة كريم في الشيخ زايد. أنا كنت ميتة من التعب. قلعت الحلق، رميت بوكيه الورد على الكرسي، ودخلت الحمام أغسل المكياج وأخفف تقلات الفستان.
وفجأة، سمعت خبطة مكتومة وصوت حاجة بتتكسر.
طلعت أجرّ في الصالة، شفت حماتي، هدى، واقفة جنة السفرة. إيد حاطاها على بقها بتداري الصوت، والإيد الثانية ضاغطة بيها على صدرها بتترعش. صفوت كان واقف قدامها وشة أحمر وزواياه جاحظة من الغضب.
— أنا مش قلتلك زفت ما تجيبيش سيرة العقد ده خالص؟ — صرخ فيها.
— أنا بس كنت بصلح رقم غلط يا صفوت… — ردت بصوت بيترعش.
— خليتيني صغيّر قدام الناس زي العبيط!
— يا صفوت أنت شارب كثير ودمك حامي، اهدى بقى.
ما لحقتش تكمل الكلمة، كان زقها بكل قوته.
هدى وقعت برأسها على رخامة الكونسول. حافة الرخامة شقت حاجبها، والدم نزل في ثواني يغطي جنب وشها كله ونزل على السجادة.
جريت عليها وأنا بحاول أستوعب.
— اطلبوا الإسعاف بسرعة!
عمتو ماجدة، أخت صفوت، بصت على الدم وفتحت بقها ببرود وهي بتمسك كاسها:
— بلاش دراما يا كاميليا، دول زوجين وبيصفوا حساباتهم مع بعض، متتدخليش.
— ده دم نازل زي المية! أنتِ مش شايفاه؟
نزلت على ركبي جنب هدى ومسكت دماغها بتوب، بس لقيت إيد جامدة بتسحبني من دراعي لفوق بالقوة.
— سبيها.
— أنت جرى لعقلك حاجة؟ أُمك بتنزف ومحتاجة مستشفى!
ملامح كريم اتغيرت في ثانية. ما كانش ده كريم اللي عرفته واستأمنته على نفسي. كان وش ثاني خالص، يمكن كان مستخبي ومستني اللحظة اللي يحس فيها إنه يملك السيطرة عشان يطلعه.
— هنا محدش بيدخل بين الراجل ومراته.
— دي مش خناقة معتادة، أبوك زقها وفتح دماغها!
— أنتِ لسه ما تعرفيش أصول العيلة دي، ولا فاهمة الدنيا ماشية إزاي.
— طب فهمني! فهمني ليه كلكم واقفين بتتفرجوا وكأن مفيش بني آدمة بتنزف قدامكم؟
مسك دراعي وعصره أكتر، وعينيه اتثبتت في عيني:
— اتعلمي إمتى تحطي لسانك جوة بقك وتسكتي.
وراح ضربني.
القلم نزل على وشي طير دماغي. لثانية، الصالة كلها سكتت ومحدش تحرك. صفوت بصلي وابتسم ابتسامة خفيفة، كأنه شايف ابنه بينفذ أول درس في الأصول.
كريم قرب مني تاني وهو بيمد إيده، بس أنا رفعت الموبايل في وشة بكل قوة.
— لو إيدك لمستني تاني، هطلب 123 في ثانية.
— جربي كده.
طلبت الرقم فوراً.
وأنا بملي الموظف العنوان بصوت ثابت بالرغم من الرعشة اللي في جسمي، قعدت جنب هدى وسندت رأسها. كريم حاول يسحب الموبايل مني، بس أنا بعدت، وهَبت بنت عمته، أمنية، ودخلت بيننا أخيراً:
— خلاص بقى يا كريم! الأرض اتغرق دم، اهدى!
الإسعاف جيه بعد 14 دقيقة. ركبت معاها وأنا لسه بفرستان الفرح، بقعة دم حمراء كبيرة على طرف الجيب، وعلامة الأربع صوابع بتعلم وتزرق على خدي.
بابا وصل المستشفى قبل الساعة 4 الفجر. أول ما شافني وشاف وشي، فكه اتشنج وعينيه احمرت.
— عايزة ترجعيلوا؟
— لا.
— يبقى مش هترجعي الشقة دي تاني لوحدك، حقك وهيجيبلك لغاية عندك.
بعد نص ساعة، جت طنط ليلى، اخت بابا والمديرة المالية للشركة. كانت شايلة اللاب توب وفولدر أزرق كبير.
— حامد، في حاجة مصيبة لازم تشوفها حالاً.
ليلى كانت جيلها إشعار من البنك الصبح عن ثلاث تحويلات متكررة ومشتبه فيها لشركات مقاولات تابعة لصفوت العطار. لما دخلت تدقق، لقيت فواتير بملايين لعدات ومواد بناء محدش في الموقع شافها ولا استلمها، وكل الفواتير دي طالعة من شركات وهمية لسه متأسسة من كام شهر.
— اللي لحقت أجمعه وأطابقه لحد دلوقتي — قعدت تشرح على اللاب — في 12.4 مليون جنيه طالعين بآليات مش مظبوطة وفيها تلاعب واضح.
بصيت لبابا وأنا مش مصدقة:
— نشر مليون جنيه؟
— والأضل من كده — كملت طنط ليلى بصوت واطي — في شركتين من دول يحولوا مبالغ لشركة ثالثة، وكريم ابنه مسجل فيها كـ مفوض وإدارة.
حسيت إن القلم اللي أخدته على وشي مبقاش هو الوجع الحقيقي في الليلة دي.
الساعة 6:10 الصبح، هدى ابتدت تفوق. قعدت جنبها وفهمتها بصوت واطي إن بابا وليلى بيراجعوا ورق وتحويلات بين الشركات وبين صفوت. هدى تنحت وسكتت خالص.
— شركات جديدة؟ — سألت بحدة.
— أيوه.