هند حصري لصفحة روايات رولا
هند لأول مرة صوتها يوطى ووشها يجيب ألوان:
— أنا.. أنا مش عايزاها تشوفني نسيبي وحش ولا نمرة تانية..
— يبقى بلاش تتصرفي باللؤم ده من وراها.
وشها اتشنج وعينيها احمرت من الغيظ:
— ماشي يا مريم.. والله لتندمي إنك دخلتي نفسك معايا!
ومشت بتدبدب في السلم.
أنا كان المفروض أكتفي بكدة وأكبر دماغي. بس تاني يوم الصبح، وأنا نازلة أشتري طلبات من الصيدلية اللي على الشارع الرئيسي، لمحت الحاجة فوزية طالعة من الصيدلية بنفسها. ماشية مفرودة، شايلة شنطة علاجات صغيرة، ولا باين عليها تعب ولا محتاجة حد يسندها حتى!
ترددت ثواني، وبعدين قربت منها وسلمت عليها بحرارة.
— إزيك يا حاجّة فوزية؟ معلش سامحيني.. هو أنا ممكن أسألك سؤال حساس شوية؟
بصلتي بابتسامتها الدافية وحنيتها المعروفة:
— أهلي وعينايا يا بنتي، اسألي براحتك.
— هو.. هو حضرتك محتاجة حد يقعد معاكي أو يراعيكي الفترة الجاية؟
ابتسامة الحاجة فوزية اختفت فجأة، وحواجبها اترفعوا باستغراب شديد:
— أنا؟! مين قال الكلام ده؟!
وفي اللحظة دي بالظبط، عرفت إن هند بنت قصتها دي كلها على كذبة وافتكاسة من دماغها.. مجرد وهم اختلقته عشان هي أصلًا ما تكفلتش تسأل أو تفهم الحقيقة!
الحاجة فوزية عزمتني أقعد معاها على بنك قدام الصيدلية على الشارع الرئيسي. لما حكيت لها كذا بـكذا، ومن غير أي زواوق، إن هند بقالها أيام بتضغط عليا عشان “أراعيها” مقابل مية جنيه في اليوم، اتسمرت مكانها وما تنقِلش من الذهول، لدرجة إني افتكرت إنها مش مصدقاني!
— يا مريم يا بنتي، اللي محتاجة رعاية ومصممة عليها هي أمي أنا!
— أم حضرتك؟!
— عندها ستة وثمانين سنة، وقعت من كام يوم، وصحيح هي بتتحسن، بس أنا مش عايزاها تقعد لوحدها في الفترة دي. أنا هسافر أقعد معاها شوية في العباسية عند شقتها هناك. ده كل اللي كنت عايزة أفهمه لهند ولابني إبراهيم.
ساعتها حسيت بمزيج عجيب بين الراحة والغضب!
— يعني حضرتك عمرك ما فكرتي تعزلي وتعيشي عندهم؟!
— ولا جه في بالي أبداً! ولا كان ممكن أطلب من هند إنها تشيلني ولا تراعي!!
وطت عينها للأرض بكسرة:
— كل اللي هيتغير بس إني مش هقدر أعدي أخد الأحفاد من المدرسة تلات أيام في الأسبوع زي العادة، ولا هفضي وقت أروح أروق لها المطبخ لما تكون مضغوطة.. ولا حتى هيبقى عندي وقت أنزل ألف معاها على المحلات ونشتري طلبات.