اربع سنين حصري لصفحة روايات رولا
بقالي أربع سنين، أهلي بيقنعوا كل الناس إني “اختفيت” وطفشت بعد ما بطلت أبعتلهم فلوس. ولما بعتوا أخويا عشان يدور عليا ويجيبني، خبط على الباب، وبص من ورا كتفي فجأة ووشه جاب ألوان واصفرّ زي الليمونة. رجع بضهره لورا بالراحة وهو نازل على السلالم، والفرعون الصغير ماسك التليفون في إيده وبيترعش: “يا ماما.. تعالي شوفي بنفسك.. هي عمرها ما قالت لنا على الكلام ده…”
بقالي أربع سنين أمهات مصر كلها بتتفرج على أمي وهي بتعيط في كل لمة عيلة وفي كل مناسبة، ومطلعة عينها قدام كل قرايبنا وبتتمسكن وتعمل فيها الأم المكلومة اللي بنتها هربت وكسرت قلبها. بس الحقيقة مكنتش مأساة ولا حاجة، الحقيقة كانت مجرد خط أحمر وحزمت أموري فيه عشان أحمي نفسي فلوسياً.
”اختفائي” ده بدأ في اليوم اللي كلمتهم فيه وأنا قلبي مكسور وميتة من الرعب: “أحمد”، خطيبي وحبيبي، مات في حادثة عربية بشعة على طريق السخنة، وأنا اكتشفت إني حامل في ابنه.
”يا ماما…” قعدت أصرخ وأعيط في التليفون ومش قادرة آخد نفسي، “أنا مش هعرف أبعت فلوس الجمعية ولا المصاريف تاني.. أنا لازم أشيل كل قرش عشان اللي جاي في سكتي ده…”
دي كانت أخر كلمة نطقتها، وما لحقتش أكمل باقي الكلام.
”يا قليلة الأصل ويا فاجرة!” زقرت في التليفون بصوت مرعب وعالي عمري ما سمعته منها قبل كده، “بعد كل اللي عملناه عشانك؟ هي دي حقيقتك؟ وطيب وأقساط الشقة اللي في التجمع؟ ومصاريف علاج أبوعك اللي قلبه تعبان؟ ومين اللي طفح الكوتة عشان تكبري وتشتغلي يا هبة؟”
وبعدها.. تك! رزعت التليفون في وشي. في نفس اللحظة اللي الحنفية اتقفلت فيها، مسحت وجودي من الدنيا خالص.
بس يوم التلات اللي فات بعد الضهر، كل الكذب والغش اللي عاشت فيه انهار.
كنت باقطع تفاح لـ “فريدة” بنتي اللي عندها 3 سنين، ولما سمعت خبط جامد على باب الشقة قطّع السكون اللي كنا فيه. فتحت الباب.
لقيت قدامي “عمر”، أخويا الصغير.
وقف مكانو على السجادة بتاعة العتبة كأنه اتجمد. عينيه اللي كانت متوترة طارت من عليا وبصت ورا كتفي، ونزلت على فريدة الصغيرة واللعب اللي متطورة على سجاد الصالة. شفت كل نقطة دم بتتسحب من وشوه ورجليه مش شايلاه. رجع ورا خطوتين على السلم وهو بيحط التليفون على ودنه، وصوته كان بيرعش وطالع بالعافية من الصدمة:
”يا ماما.. تعالي شوفي بنفسك.. هي عمرها ما قالت لنا على الكلام ده…”
نزل التليفون بالراحة. ما قربش ياخدني بالحضان. ما سألش حتى سؤال واحد عن بنت أخته اللي لسه مكتشف وجودها حالا. وبدل كل ده، وإيديه بتتفض من الرعب، مد إيده في جيب الجاكيت وطلع ظرف أوف وايت فخم كده وحطه على سور السلم.
جسمي كله اقشعر من الخوف. ده نفس شكل الظرف اللي أمي كانت بتبتزني بيه عشان تاخد مني أول مرتب قبضته من عشر سنين.
”هي بتقولك افتحيه..” عمر قالها وهو حاطط رأسه في الأرض ومستخسر حتى يبص في عيني.
فضلت بصة للورقة التقيلة دي.. وكنت عارفة إني لو فتحت الختم ده..”عمر” نزل التليفون بالراحة. بص على الصور المتبرقعة ومتعلقة في الطرقة اللي ورايا—شريط حداد “أحمد” الملموم على صورته، صورة السونار، وصور البنت وهي بيبي. شفت أخويا وهو بيفك اللغز الصعب والمرعب بتاع عيلتنا في أربع ثواني بالظبط.
ما صرخش. قعد بتعب على درجات السلم وغطى وشه بإيديه وقعد يعيط. دخلته جوه، صبيت له كوباية مية، ولمدة ساعتين، قعد على ترابيزة السفيرة وسأل السؤال الوحيد اللي محدش في العيلة اتكلف عناء إنه يسأله: هو مات إزاي يا “هبة”؟
ولما قام أخيرًا عشان يركب عربيته ويرجع المقطم، حط الظرف الأوف وايت ده على سور السلم.
”هي عايزكي تحضري هناك يا هبة…” عمر قالها بصوت واطي ومهموس، وعينيه مثبتة في الأرض. “هي ناوية تصلح كل حاجة.”
قطعت الظرف وفتحته. كان جوه ورقة مطبوعة بلمعة وطباعة فاخرة كأنها دعوة لحدث كبير.