اربع سنين حصري لصفحة روايات رولا

​الكلمة نزلت زي الصاعقة على القاعة. الناس كلها شهقت.
​أمي شفتها بتتغير في ثانية، عينيها احمرت وبرقت، وبصوت واطي ومجهد قالتلي من تحت ضرسها: “أنتِ بتعملي إيه يا مفضوحة؟ اقعدي بدل ما أفضحك قدام الناس!”
​ما ردتش عليها. مسكت الميكروفون ببرود، وشغلت السماعات اللي كانت مسمعة القاعة كلها، وبصيت لكل الحاضرين اللي كانوا مصدومين.
​”بقالي أربع سنين أسمع إن أمي بتقول للكل إني اختفيت وطفشت وسبت أهلي في ظروفهم الصعبة..” صوتي كان طالع ثابت، ما فيهوش نقطة خوف واحدة. “النهاردة أنا جاية أقولكم الحقيقة اللي استخبت أربع سنين.”
​أمي حاولت تشد الميكروفون مني وهي بتصرخ: “الحقوني يا ناس! البنت اتجننت! خرجوها برة!” بس عمر، أخويا، وقف في وشها ومانعها تقرب مني وهو حاطط رأسه في الأرض.
​كملت وكلامي كان بيضرب زي الرصاص: “أنا ما اختفيتش. أنا اليوم اللي اتصلت فيه بأمي وأنا بنزف دموع بعد ما خطيبي وحبيبي أحمد مات في حادثة على طريق السخنة، وأنا حامل في الشهر التاني.. اليوم ده اتصلت أقولها إني محتاجة أوقف الفلوس اللي كنت ببعتهالكم كل شهر عشان أجهز لولادة بنتي.. ردت عليا وقالتلي إني بياعة وقليلة أصل، ورزعت التليفون في وشي، ومسحتني من حياتها عشان الحنفية اتقفلت!”
​القاعة كلها بقت بتتهامس، وجوه الناس تغيرت 180 درجة.

​طلعت الملف المطبوع من شنطتي وحطيته على الترابيزة قدام عمي وأكابر العيلة: “دي إيصالات التحويلات اللي كنت ببعتها كل شهر طول خمس سنين شغل.. وده تقرير حادثة أحمد.. ودي شهادة ميلاد بنتي فريدة أحمد.. اللي محدش فيكم كلف خاطره يسأل هي فين ولا عايشة إزاي!”
​بصيت لأمي اللي كان وشها بيطلع نار ودموعها المرة دي كانت دموع غل وفضيحة حقيقية: “أنتِ ما كنتيش عايزاني أرجع عشان بتحبيني يا أمي.. أنتِ كنتِ عايزة مجرد “كومبارس” في المهرجان اللي عملتيه ده عشان تبيعي بيه مسكنات للناس وتلمي بيه تعاطف. بس الفلم خلص.”
​وطيت مسكت إيد بنتي الصغير، وبصيت للناس كلها وقلت: “أنا مش هربانة، ولا عمري كنت هربانة. أنا أم بتحمي بنتها من البيئة اللي كانت هتسمم حياتها زي ما سممت حياتي.”
​لفيت بضهري ومسكت إيد فريدة، وخرجت من القاعة وأنا سامعة صوت الهمس اللي تحول لصراخ وخناق بين عمي وأمي جوه القاعة.
​لما خرجت للهواء الطلق وشفت الشمس، تنفست لأول مرة من أربع سنين بنفس عميق ونظيف.. وعرفت إن الصفحة دي اتقفلت للأبد، وإن حقي وحق بنتي رجع وأودعته في مكان ما حدش هيقدر يلمسه تاني.

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *